سرايا - تناقش الولايات المتحدة وروسيا إمكانية عودة شركات أميركية إلى قطاع النفط الروسي، في إطار محادثات أوسع تهدف إلى إنهاء الغزو الروسي لأوكرانيا، وفقاً لما أوردته صحيفة "فاينانشال تايمز".
وبحسب ما نقلت الصحيفة عن أشخاص مطلعين على المناقشات، بحث البيت الأبيض والكرملين إمكانية استئناف مشروع مشترك يضم شركات نفط أميركية وروسية قبالة سواحل جزيرة سخالين في أقصى شرق روسيا، بعد انتهاء الحرب.
كما ناقش الجانبان إشراك شركات النفط الأميركية الكبرى في خطة لاستئناف مبيعات النفط الروسي إلى أوروبا عبر خط أنابيب "دروجبا"، وفقاً للمصادر ذاتها.
وتأتي الصفقات المحتملة ضمن مسعى أميركي أوسع حرب أوكرانيا، التي دخلت عامها الخامس، من خلال تقديم حوافز لموسكو للعودة إلى طاولة المفاوضات. وشدد مسؤولون أميركيون مراراً على أن هذه المشروعات لن تتحقق قبل انتهاء الحرب.
محادثات ويتكوف وبوتين
وقال أشخاص مطلعون إن ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب، ناقش صفقات تجارية محتملة مع بوتين خلال اجتماع في موسكو مطلع سبتمبر.
وخلال زيارة لاحقة إلى سان بطرسبرج الأسبوع الماضي، كتب ويتكوف عبارة "الصفقات التجارية" على مفكرته، إلى جانب ملاحظات أخرى، وفقاً لصور نشرها فريق الصحافة التابع للكرملين.
وقال مسؤول أميركي لـ"فاينانشال تايمز": "ناقش ممثلو ترمب مقترحات اقتصادية مع طرفي الحرب، بما في ذلك إطار اقتصادي لما بعد الحرب يهدف إلى إيجاد فرص للنمو والاستثمار على المدى الطويل في أوكرانيا، وفرص محتملة للتعاون الاقتصادي مع روسيا بعد الحرب".
وأضاف المسؤول: "ستكون الاتفاقات الاقتصادية جزءاً من إطار سلام شامل يوقف إراقة الدماء في هذه الحرب، وستكون خاضعة له، ولم يتم التوصل إلى أي اتفاق نهائي".
وقال شخصان مطلعان إن موسكو تنظر إلى الصفقات التجارية باعتبارها حوافز يمكن أن تدفع ترمب إلى تطبيع العلاقات مع روسيا قبل انتهاء الحرب. وأبدى الكرملين رغبته في استئناف التعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة، حتى مع استمرار العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا.
لكن، وفقاً للصحيفة، تبدو فرص إبرام كثير من الصفقات المطروحة محدودة، في ظل تمسك بوتين بموقفه التفاوضي بشأن إنهاء الحرب، وتردد الشركات الأميركية في العودة إلى السوق الروسية.
معادن وفتح المجال الجوي
وتشمل المقترحات إعادة إتاحة المجال أمام شركات الطيران الأميركية لاستخدام المجال الجوي الروسي في رحلات العبور والتحليق، وهو ما من شأنه خفض تكاليف الوقود بصورة كبيرة.
ويتضمن مقترح آخر استئناف تعاون الشركات الأميركية مع روسيا في إنتاج التيتانيوم وتوريده، وهو معدن أساسي في صناعة الطائرات المدنية.
وكانت شركة "بوينج" تمتلك سابقاً مشروعاً مشتركاً لإنتاج التيتانيوم في روسيا، لكنها علقت هذا الترتيب عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، واتجهت منذ ذلك الحين إلى تنويع سلاسل إمداداتها من المعدن، وفقاً لشخص مطلع على الأمر. ورفضت الشركة التعليق.
ويناقش مسؤولون أميركيون وروس هذه الأفكار ومقترحات أخرى، من دون مشاركة مباشرة من أوكرانيا أو الدول الأوروبية، وهو ما قد يمثل تحولاً في علاقة موسكو بالغرب بعد سنوات من العزلة، بحسب الصحيفة.
وأكدت الولايات المتحدة أن روسيا وأوكرانيا يتعين عليهما الاتفاق على إنهاء الحرب قبل المضي قدماً في استعادة العلاقات الاقتصادية بالكامل.
وفي السياق، أبرمت واشنطن اتفاقاً لاستيراد الديزل الروسي، وعلقت فرض عقوبات جديدة على صادرات الطاقة الروسية، كما مارست ضغوطاً على أوكرانيا لوقف هجماتها بالطائرات المسيّرة على مصافي النفط الروسية.
مقترحات اقتصادية
وتستند المناقشات الحالية إلى مقترحات سبق أن بحثها ويتكوف وجاريد كوشنر، صهر ترمب، مع كيريل دميترييف، المبعوث الاقتصادي الخاص لبوتين، خلال محادثات بشأن خطة سلام لأوكرانيا أواخر العام الماضي.
وقدّر دميترييف في فبراير القيمة المحتملة للمشروعات المطروحة بنحو 14 مليار دولار.
لكن تلك المساعي تعثرت بعد ذلك بوقت قصير، بعدما رفضت أوكرانيا المطالب الروسية بتقديم تنازلات إقليمية باعتبارها شرطاً مسبقاً للمفاوضات.
وقال أحد الأشخاص المطلعين على الصفقات التجارية: "كانت خطة دميترييف تنتظر تجميد الحرب، لكن الوقت يمضي والحرب لا تتوقف، ولذلك اتخذوا قراراً بالمضي قدماً الآن".
ورغم عدم ظهور مؤشرات على تغيير بوتين موقفه التفاوضي، تأمل الولايات المتحدة إحراز تقدم نحو اتفاق محتمل خلال محادثات ثلاثية مع أوكرانيا في أبوظبي الشهر المقبل، ستكون الأولى من نوعها منذ فبراير، وفقاً للصحيفة.
وستركز المحادثات على الضمانات الأمنية المحتملة لروسيا وأوكرانيا بعد انتهاء الحرب. وكانت واشنطن ربطت سابقاً الضمانات الأمنية المستقبلية لأوكرانيا بتقديم تنازلات إقليمية، لكنها أشارت لاحقاً إلى أنها لن تضغط على كييف للتخلي عن أراضٍ على طاولة المفاوضات، وفقاً لشخصين مطلعين على المحادثات.
النفط والغاز والعقوبات ضمن المقترحات
وناقشت الولايات المتحدة وروسيا أيضاً إمكانية بيع الأصول الدولية لشركة النفط الروسية "لوك أويل" إلى مستثمرين على صلة بالبيت الأبيض.
وتشمل المقترحات كذلك مشروعاً محتملاً للغاز الطبيعي المسال في ولاية ألاسكا بمشاركة شركة "نوفاتك" الروسية، واستئناف إمدادات الغاز إلى أوروبا عبر الأجزاء المتبقية من خطوط أنابيب "نورد ستريم"، التي تضررت في تفجيرات وقعت عام 2022، باستثناء خط واحد.
كما بحث البيت الأبيض والكرملين اتفاقاً أوسع لتخفيف العقوبات المفروضة على أسمدة البوتاس وتصديرها عبر موانئ بحر البلطيق، وهي خطوة تتطلب رفع الاتحاد الأوروبي العقوبات ذات الصلة.
وتتضمن إحدى الأفكار المطروحة نقل إدارة محطة زابوريجيا للطاقة النووية، الواقعة في الأراضي الأوكرانية التي تحتلها روسيا، إلى جهة أميركية تتولى توزيع الكهرباء المنتجة بين أوكرانيا وروسيا.
تحفظات أوروبية وشكوك بشأن فرص النجاح
وأبلغ دبلوماسيون أوروبيون نظراءهم الأميركيين مراراً بمعارضتهم تخفيف أي عقوبات أو إبرام صفقات تجارية مع روسيا قبل انتهاء الحرب. وشددوا على أن أي قرارات تمس مصالح الاتحاد الأوروبي لا يمكن اتخاذها من دون موافقة أوروبا.
وسعت الولايات المتحدة على مدى سنوات إلى تشجيع أوروبا على تقليل اعتمادها على الطاقة الروسية، فيما وافق الاتحاد الأوروبي على التخلص التدريجي من واردات الغاز الروسي، واستبعد المستشار الألماني فريدريش ميرتس إعادة تشغيل خط أنابيب "نورد ستريم 2".
وأبدى دبلوماسي أوروبي شكوكاً عميقة في قدرة الصفقات الاقتصادية على إقناع بوتين بإنهاء الحرب في أوكرانيا، قائلاً: "الأمر لا يتعلق بالمال، بل بالإذلال والسيطرة".
من جانبه، قال مسؤول سابق في إدارة ترمب إن المحاولات الأميركية السابقة لدفع روسيا نحو اتفاق سلام لم تحقق تقدماً يُذكر مع بوتين.
وأضاف المسؤول: "صمم فريق التفاوض عروضاً حقيقية لإيجاد فرص أمام روسيا لإنهاء الحرب، لكنه لم يتمكن من تجاوز ما يعتري بوتين نفسه من شكوك وهواجس. لم يكن لأي من هذه المقترحات فرصة للتحول إلى واقع".
بدوره، أعرب جيفري بيات، مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق لشؤون موارد الطاقة في إدارة الرئيس السابق جو بايدن، عن تشككه في استعداد أي شركة كبرى مدرجة في البورصة للعودة إلى روسيا في الظروف الحالية.
وقال بيات: "لا أرى أن أياً من هذه الأفكار قادر على الصمود أمام اختبار الواقع".
ولم يرد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف على طلب "فاينانشال تايمز" للتعليق، كما رفض متحدث باسم دميترييف التعليق.
الرجاء الانتظار ...
التعليقات