في رواية جديدة لحزامة حبايب .. إضافة جديدة لأدب السجون

منذ 3 ساعات
المشاهدات : 12428
في رواية جديدة لحزامة حبايب ..  إضافة جديدة لأدب السجون

سرايا - عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، ودار الفارس بعمان، صدرت رواية فلسطينية جديدة وهي رواية «غزالة الحب والأحزان» لحزامة حبايب التي سبق لها أن أصدرت من المجموعات القصصية: الرجل الذي يتكرّر (1992) والتفاحات البعيدة 1994 وشكلٌ من أشكال الغياب1997 وليلة أحلى2002 ومن وراء النوافذ 2010. ومن الروايات أصدرت رواية «أصْلُ الهوى» 2007 و « قبل أنْ تنام الملكة « 2011 و»مخمل» 2016 وهذه الرواية «غزالةُ الحبِّ والأحْزان» 2026 . وكانت قد أصدرت مجموعة قصائد يتيمة بعنوان «استجداء» 2009.

تذكرنا روايتها الجديدة بروايات السجون وأقفاص التعذيب، وأقبية الجلادين الساخطين على الإنسان بلا مسوغ سوى أنه ليس على المقاس الذي يريدونه، ولا يؤمن بالأفكار البائدة التي يؤمنون بها، ولا يتقبل تأليه الأشخاص الذين لا يميزهم شيء عن بني البشر سوى أنهم مغالون في الجريمة، سفاحون، متعطشون للدماء، والتلذّذ بسماع آهات المعذبين. فهي من النوع الذي تندرج فيه روايات «شرق المتوسط» لعبد الرحمن منيف، و» المحاصرون» لفيصل حوراني، و»القوقعة» لمصطفى خليفة وغيرها.

غموض:

وثمة غموض لافت للنظر في بداية الحكاية. فهي تقدّمُ لنا رجلا سبعينيا عراقيا يتحدث مع الآخرين بلكنة لا تخفي ما ينماز به على غيره من سلطة، مع أنه طالبُ لجوء، وسيتَّضحُ ذلك لاحقًا. وشابًا باسم (ياسر) يمتلك سيارة هونداي، وهشامًا، وهو الأب الذي منحَتْهُ، ميسون، ضحية الاكتئاب الذي أصيبت به في مخاضِها الصعب العَسير، ولدين، هما: (يامِنُ) المنْغوليّ، و(ياسِرُ) الطبيعيّ، وكلاهما عاشا بلا أمّ، فرعتهما اثنتان، هما: فاتن - شقيقة هشام- ثم باديا- ابنة عادل، وليانة.. والعلاقات بين هذه الشخصيات لا تخلو من التباس، إذ يبدو أنَّ اهتمام الراوي منصبٌ على الموضوع الأساسي لحكايتِهِ، لا على علاقاتِ الحبّ، والتعاطف الحميم بين الأشخاص، مع أنَّ الراوي لم يتصف بالتقصير في هذا السياق. فالحبّ الذي وَصَل هشامًا بميسون، والحبّ الذي ربط بين عادل وليانة، وما كان من توافق بين عُمَرَ وفاتِن، التي لم تعرف شيئا عن تجارب الحمْل، والولادة، شيءٌ اهتمّ به الراوي على نحوٍ مّا. ولم تخلُ البدايات أيضا من لمساتٍ تصفُ بها الكاتبة على لسان الراوي منْزليْ كلٍّ من السبعيني العراقي في (أم اذينة) والشابّ (ياسر) في حيّ المدينة الرياضيّة. وهو شقَّة في الدور الرابع من عمارةٍ سكنيَّةٍ جُلّ ما فيها يبدو من المسْتَعْملات، وأحد الجدران رُسِم عليه بالطباشير بابٌ يشبهُ الأبواب المعروفة، فمن يراهُ يظنَّهُ بابًا يفضي لحجرة أخرى فيحاول فتحه، ليكتشِفَ أنه لا يعدو كونه مستطيلا رُسِم على الحائِط، ورُسِم فيه مقبضٌ للفتح، والإغلاق، في سَعْي ممَّن رسمه للإيهام بالواقع.

استرجاع:

اما ما ترويه الحكاية في ثاني الفصول، فوقائع كان ينبغي وقوعها قبل ذلك بزمنٍ طويل، فقدَّمتْ لنا ياسِرًا، وهو يقود سيارة، في حين أنها الآن تقدِّمُ لنا ميسون أمَّه، وهي في مخاضها العسير الذي ينتهي بمأساةٍ متعدِّدة الأسْباب، أولها أنها رُزقتْ بطفلين، أحدهما كانت تراهُ في المنام، فأحبَّتْه، قبل أن تلِدُه، والثاني- التوأم- مُفاجأة، وهو (ياسر). وتتعرض في أثناء الولادة لكثير من المعاناة، فالاكتئابُ الذي أُصيبَتْ به يجعلها تفقد حاسّة البصَر، أو ما يُسمى، على رأي أحَدِ الأطبّاء، العمى الهِسْتيري. ثم تلقي بنفسها من بلكون الشقَّة، فتموتُ فورًا. وما جرى لها يؤثّر تأثيرا شديدًافي ربّ الأسرة هشام، الذي يبدو وكأنه هجَرَ البيت، تاركا لفاتن - شقيقتِهِ- رعاية الطفلين والعِنايَة بهما. وعندما اختفى (يامن) اختفاءً مفاجئا، ذاتَ يوم، اتضح أنَّ باديا هي التي حملته من البستان، وجاءت به لعمّته. ثم استضافت الطفلين لاحقًا في بيتها في الفحيص. يحدثُ هذا كله قبل أن تدلفََ َبنا الكاتبة لفضاءِ الرواية الذي لا تظهر بوادرُه، ولا تبدأ، إلا بُعَيْد زمن، عندما يبتسم الحظ لياسر الذي درَسَ الحقوق، وحَظِيَ بوظيفة في منظمة، أو شبه منظمة دولية للنظر في طالبي اللجوء، وقبولهم على وفق اللوائح المعمول بها لدى هيئاتٍ أممية، أو الاعتذار لمن لا تنسحب عليه الشروط. ومن هنا تبدأ حكاية «غزالة الحب، والأحزان».

تمليس ثقوب النص:

لا يخلو الفصل الذي استرجعت فيه الكاتبة مجريات ما قبل وفاة ميسون من التفاصيل الضرورية التي تتعلق بتكوين العائلات. بيْدَ أن هاتيك التفاصيل، على أهميتها، لا بد من تجاوزها عند النظر في القضية الرئيسة التي عُنيت بها، وهي حق الإنسان في الحياة بكرامة، وحرية، ودونما تضييق. فالحديث مثلا عن رغبة إحداهن بالخَلَف، أو زيارة مقام الخضر في كل من قريةِ « الخضر» قرب بيت لحم، أو «مقام الخضِر» على بعد عشر دقائق من بيت باديا بالسيارة، أو قصّة الحَمْل الكاذب الذي لم يكُنْ كاذبًا، فهذا كله مما ينبغي ذكرُهُ، ولكنّ هذا الذكْرَ لا يعدو - في وظيفته - تمليس ثقوب النصّ. أما ما يبدأ الراوي بالتركيز عليه في الفصل الرابع، فهو بيتُ القصيد. إذ تتحول الرواية من هذا الموقع لسلسلةٍ جديدةٍ من الشخصيّات باستثناء العراقي (حيدر) السبعيني الذي سَبَقَ ذكرهُ، وياسِر الشقيق التوْأم ليامِن.

أعين وآذان:

في هذا الفصل تتحوَّل الرواية تدريجًا إلى فيلم، أو ما يشبه الفيلم الوثائقي، ذي السيناريو المُتقن، الذي يترتب على الراوي فيه أنْ يقدم لنا الشخوص، واحدًا تلوَ الآخر، مُلْقيًا الضوء على دوره في الأحداثِ المحكية، والمواقف المرويّة. فياسر عُيِّن بطريقة ما في « المفوضية السامية لشؤون اللاجئين «. وعلى عاتق هذه المنظمة تقع مهمة التمييز بين من يستحقون الموافقة على طلب اللجوء، ومن لا يستحقون، لأسبابٍ تتصلُ بماضيهم. إذ ينبغي ألا يكونوا ممن ارتكبوا ما يُعد جريمة ضد الإنسانية، أو شبه جريمة، تحتاج لتحقيق مسحي لإثبات التهمة على الظنين، أو تبرئته مما نسب إليه، وفقا للوائح المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة. وياسِرُ أحد الذين عُرضت عليه طلبات اللجوء، فكان عليه أن يضطلع بمهمة التحقيق المسْحي، والإقْصائي. تبعا لذلك مرّت به نماذج عدة من طالبي اللجوء، أحدهم جواد النعمان، وهو سجَّان عراقي، حدث أنْ كتب عددًا من الرسائل للرئيس يعرض فيها مأساة شقيقين حكم عليهما بالإعدام، بعد أن توسلت له أمهما طالبة الرأفة بالمحكومَيْن، فرقّ قلبُ الرئيس، وأصدر ما نصُّه « إذا صدف أن كان بين المحكومين بالإعدام شقيقان، يُعدم واحدٌ منهما، لا الاثنان «. وفي جوابه عن سؤال ياسر: كيف يجري اختيار أيهما يُعدمُ، وأيهما يحظى بالعفْو، شرع جواد يشرح طريقة القُرْعة التي أجراها بنفسه بقطعةٍ نقودٍ معدنيةٍ من فئة عشرة فلوس. وانتهى بالقول: أنا لستُ وحشًا.. لستُ وحشًا.

وفي التفاصيل يقتحم هذا السيناريو شيئٌ عن هِشام، ذلك الأب الذي غادر للعمل في الرياض، و(يامِن) ومشكلاته مع المدرسة، ونظرة شبه سريعة في ملفِّ العائلة، وما يختلفُ فيه (يامِنُ) الانبساطيُّ عن ياسر شبه الانطوائي. وترْديدُ أغنية لبنانية عن الغزالة التي (تطلع جبال، وتنزل وديان) من باب التنبيه غيرالمباشر على علاقة الأغنية بالعنوان، وتعْرضُ جوليا على ياسر صورة عدنان حميد، وهو أحد المتقدّمين بطلبِ لجوء، وإعادة توطين في ألمانيا، أو في كندا. وجوليا هذه كندية من أصل لبناني، وفي المكتب أيضًا موظفة تحقيقٍ أخرى باسم بيسان.

وعدنان هذا من إحدى قرى البَصْرة، رُفِضَ طلبُه فاسْتأنف ملتمسا إعادة النظر فيه بحجة براءته مما نسب إليه.. فالذي كان يقوم به في السجن، هو تنفيذ ما قضت به الأوامر العليا من قطع آذان المتهرّبين من الخدمة العسكرية أثناء حرب الخليج الأولى، في غُرفةٍ توصف بغرفة العمليّات، فواجبه الذي يقوم به هو الإمساك برأس الجنديّ الهارب، وتثبيتُهُ على سَطح ٍمُعدّ لهذا، ويقوم الطبيب بالباقي. ويتذكر ما أصابه من ألم في بعض الأحيان نتيجة ما يقوم به. وسألتْهُ بيسان عن عدد الذين قُطّعت آذانُهم، فأجاب: كُثْر. فسأل ياسر: ما المغزى من هذه العقوبة الغريبة؟َ! فقال عدنان: كي تكون وَصْمة عارٍ أبديّة ظاهرةً للعِيان.

ومثل هذا ما ورد بيانه، وتفصيله، عن حيدر القلاع، الذي عُهد إليهِ بمهمة شبيهة وهي قلع عين لكل واحد من المتهربين من الخدمة، أو المتسبّبين بإزعاج السلطة ولهذا لُقِّبَ بالقَلّاع. وفي المشهد المسترجع يتحدث حيدر القلاع بتلذُّذٍ عن قيامه باقتلاع العيون، وهو يحتفظ في شقَّته بأم أذينة بما يُذكِّرهُ بأحَد الشخوص ممن يتمتعون بوجه صارخ الجمال، لكنه أصبح - على يديه - بعينٍ واحِدَة. وهذا الأخير، أي القلاع، لم يكتفِ بدروه الذي انتهى فيه التحقيق، ولكنه يواصل الدوْرَ مقتحِمًا عالم ياسر في شقته بحي المدينة الرياضية فيما يشبه التحدي الغامض،والتشفّي: « سمعت أنه تم إيقافُكَ عنِ العمل «.

وفي الجزء المتبقي من الفصل يتعرف القارئ على نموذجين سوريَّين، لا عراقيين، أولهما نصّار، الذي التقاه ياسر في مول. وكان قضى عامين في أحد سجون دمشق القابعة في باطن الأرض.. وفيه تعرف على المكلف بتعذيب المعتقلين، وهو الذي يقال له (أبو ريبال) وكان قد شاع أنّ الذي يقع بين يديه من المعتقلين لا يمكن أنْ يعودَ حيًا. ويروي السارد على لسان نصّار بعض المشاهد التي جرَتْ في ذلك المسْلَخ. لذا انتهى السيناريو بما يشبه الموت لنصّار، مما يعني أنّ الذي ماتَ هو شخصٌ ملتبسٌ بالذي يبيع الهدايا، والبلالين، للأطفال في المول، فكأنه الميت الحي الذي يحلم باللجوء، وبإعادة التوطين، مُفضلا كندا على أيِّ مكانٍ آخَر.

وفي هذا الموقع تتزاحم على السيناريو النماذج، فعرفنا ما جرى لأبي وديع، وابنه. ولشخصٍ صنّف ميتًا وهو حي في أحد الأكياس، فحمله أبو وديع من مستودع الموتى في شوال بعد أن اقترح عليه كتْمَ النَفَس، والتزام الصَمْت، ووضعَهُ في صندوق السيارة أملا في إنقاذه. ومثل هذه النماذج، وما وقع لها من وقائع، وجرى، في احتجازها، من مجْرَيات، تؤكد أن الإنسان لدى هذه الأنظمة، وفي هاتيك البلدان، لا قيمة له، فهو مشروعُ قتيلٍ، بذنب، أو بدونه.

فرح التي لم تفرح:

وفي الفصل الأخير تعود بنا المؤلفة للبدايات، آحذة بمبدأ السرد المتقطع، غير الخطي، فتستأنف من المرويات ما هو خاص بمآلات العائلة: هشام وياسر ويامن وفاتن وباديا مرة أخرى. وانضمَّت بيسان الموظفة في المفوضية لهؤلاء فيما يشبه التحول في دورها، فأتت إلى شقة ياسر للاطمئنان عليه، والبوح بمشاعرها نحْوَهُ. وفي اللقاء الذي ضمتهما فيه الشقَّة، بعد يأس، اكتشفَ كلٌ منْهما أنَّهُ يحبَّ الآخْر، بل غارق في عشقه. واستعاد الراوي من أخبار بيسان، وأمها، وذويها، ما هو ضرورة لتمليس ثقوب النص. واتجه ثانيةُ للأمام، فجمع بين بيسان ويامن وفاتن ومعظم شخصيات العائلة: هشام وباديا. وأخيرا جوليا التي كشفت له ما لم يكن يعرفه من أمْر حيدر القلاع. وأعادت على مسمعه رواية ما كان من أمْر السورية (فرَح) التي لم تَفْرح. ومع التئام العائلة في هذا المنزل، أو ذاك، والأحاديث التي ومضت فيها الذكرياتُ وَمْضَ الحنين للماضي، بما فيه من أوْجاع، وأوْضاع، تنتهي الرواية نهاية لا تجيب عن السؤال المعتاد، وماذا بعد؟

سرد متقطع ونص مفتوح:

فالكاتبة التي كتبت رواية تربو على 400 ص جعلت النهاية مفتوحة تاركةً للقارئ المتمرّس، المتخصّص، أو العادي، تصوّر ما تؤول إليه الحوادث. والتأمَتْ في حكايتها هذه تقنيات سردية تنمُّ على خبرة، فلم تنتهج نهج السرد الخطي، بل التجأت إلى قسمة الحكاية على مجموعة من المرويات، بعضها يسلط الضوء على المجريات التي وقعت في الماضي، وبعضها يقع في الزمن الذي تجري فيه الحوادث، بعضها مسترجع ، وبعضها جارٍ. ولها شغَفٌ بتقديم الشخصيات تقديمًا تفاعليًا، فالقارئ لا يتعرف على حقيقة ياسر مثلا، أو حيدر، أو فاتن، أوهشام، أو ميسون، أو باديا، أو أمها ليانة، بذكر ما يتصف بهِ أو بها، بل يتعرف عليها أو عليه من المواقف، ومن الأقوال، وهذا ما يُعرف بنهج التشخيص بالأفعال. وثمة عقبَاتٌ تعترض الشخوص، وتُرشّح المؤلفة كلا من فاتن، وباديا، وياسر، للتغلّب على ما تواجههم من عقبات دون أن تَنْسى حضور بعض الشخصيات المساندة، كبيسان، أو جوليا، أو عادِل. وفي هذا النسق المتضافر أولت الكاتبةُ بعض الأمكنة ما هي في حاجة إليه من العِنايَة، والوصف الدقيق. فالقارئ لا يمكن أن ينسى ما ُذكر عن مقام الخَضِر، أو شقَّة ياسر، أو أي مكان قصَدهُ في نزواتِه، كالمول الذي قابلَ فيه نصارًا الميت الحيّ.

وصفوة القول هي: إنَّ الرواية ذات بنيةٍ مشوّقةٍ، ومُحكمة، وكانَ من الممكن أن تُكتَبَ في حجْم ٍأقلّ، لأنَّ القراءَ في هذا الزمن لا يطيقونَ الضَخامَةَ في الكُتُبِ؛ رواياتٍ، وغير روايات.

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم