حين كان الخبز أصدق من كل الشعارات

منذ 5 ساعات
المشاهدات : 25325
حين كان الخبز أصدق من كل الشعارات

محمد ابراهيم مطالقة محام وباحث قانوني

ثمة أشياء في حياتنا لا ندرك قيمتها الحقيقية إلا بعد أن تمضي سنوات طويلة. تفاصيل صغيرة نعبرها كل يوم دون أن نتوقف عندها، ثم نكتشف، حين تستعيدها الذاكرة، أنها كانت تحمل من المعاني ما لا تتسع له الخطب، ولا تستطيع الشعارات مهما ارتفعت أن تختصره.

أتذكر بيوت الحارة، وأبوابها التي كانت مفتوحة للجيران، ورائحة الطعام التي لم تكن تعرف حدودًا بين بيت وآخر. أتذكر رغيف الخبز وهو ينتقل بين الأيدي، وطبق الطعام الذي لا يكتمل معناه إلا حين يتقاسمه الآخرون، وأمهات كنّ يتعاملن مع أبناء الجيران بعاطفة لا تقل عن عاطفتهن تجاه أبنائهن.

أتذكر أمي وجاراتها المسيحيات، ودفء تلك العلاقة التي لم تكن تحتاج إلى تفسير. كنّ أمهات بالفطرة، وكانت الجيرة بينهن وبين أمي أوسع من مجرد بيوت متجاورة. كان لكل بيت خصوصيته، ولكل عائلة معتقدها، لكن الحياة كانت تجمع الجميع في تفاصيلها اليومية، دون تكلف أو حاجة إلى إعلان النوايا.

وأتذكر أعيادهن، وبيض العيد الذي كنّ يزيّنّه بألوانه الزاهية، وكيف كانت تلك المشاهد جزءًا من طفولتنا وذاكرتنا. لم تكن أفراحهن غريبة عنا، كما لم تكن أفراحنا غريبة عنهن. كان الفرح يعبر بين البيوت كما يعبر الخبز والطعام، وكأن المحبة تعرف طريقها وحدها، دون أن تحتاج إلى من يدلّها عليه.

لم نكن يومها نتحدث كثيرًا عن التعايش، ولم نكن بحاجة إلى أن نشرح لبعضنا معنى الأخوة. لم يكن اختلاف الدين حاجزًا يفصل بيننا، ولا معيارًا نحدد على أساسه قرب الإنسان منا أو مكانته في حياتنا. كان الجار جارًا، والإنسان إنسانًا، وكانت المواقف اليومية تقول ما تعجز الكلمات أحيانًا عن قوله.

كبرنا، ومضت السنوات، وربما اعتقدنا أن تلك التفاصيل أمور عادية لا تستحق التوقف عندها. لكن الحياة تعلمنا أن أكثر الأشياء رسوخًا في وجداننا هي أحيانًا تلك التي لم نكن ننتبه إلى أهميتها، وأن بعض المعاني لا نفهمها تمامًا إلا حين نشعر بأنها أصبحت بحاجة إلى حماية.

ولعل ما يجعل هذه الذكريات حاضرة في النفس اليوم أنها تعيدنا إلى سؤال يتجاوز الحنين إلى الماضي: كيف نحافظ على تلك البساطة الإنسانية في مجتمع تتعدد فيه المعتقدات والانتماءات، دون أن تتحول هذه الاختلافات إلى حدود تفصل بين أبنائه؟

ربما لا تكون المشكلة في اختلاف الناس، وإنما في الطريقة التي ينظرون بها إلى اختلافاتهم، وفي اللغة التي يستخدمونها لوصف علاقتهم ببعضهم. فالكلمات التي نقولها بحسن نية قد تحمل أحيانًا معاني لم نقصدها، وقد ترسم، من حيث لا ندري، مسافات لم تكن موجودة في حياتنا.

وحين نتأمل ما شهدته الكرك، وما أثاره الاعتداء من ألم وغضب وتضامن، يصبح هذا السؤال أكثر إلحاحًا. فإلى جانب إدانة الجريمة ومواساة الذين فقدوا أحباءهم، ثمة ما يستحق أن نتوقف عنده: كيف نتحدث عن بعضنا في لحظات كهذه؟ وهل نعبّر عن وحدتنا بوصفنا مواطنين يجمعهم وطن واحد، أم نعود، دون أن نشعر، إلى تقسيم أنفسنا إلى جماعات تتضامن إحداها مع الأخرى؟

في مثل هذه اللحظات، تتسابق الكلمات إلى التعبير عن التضامن، وهذا أمر مفهوم ومطلوب. لكن بعض العبارات التي اعتدنا استخدامها تستحق أن نتأملها، لا للتشكيك في نوايا أصحابها، بل لفهم ما قد توحي به عن طبيعة العلاقة بين أبناء الوطن الواحد.

حين نقول «إخواننا المسيحيون»، أو «شركاؤنا في الوطن»، أو نستحضر عبارات التعايش والنسيج الوطني كلما تعرض مواطن مسيحي لاعتداء، فإننا قد نقصد المحبة والتضامن، لكننا قد نترك، من حيث لا ندري، انطباعًا بأن هناك جماعة تتضامن مع جماعة أخرى، أو أن المواطنة علاقة بين أطراف مختلفة تحتاج في كل مرة إلى إعلان حسن النوايا.

المشكلة ليست في المحبة، بل في الافتراض الذي قد تختبئ وراءه اللغة.

فالمواطن المسيحي ليس ضيفًا في وطنه، ولا يحتاج إلى شهادة تضامن تؤكد انتماءه إليه. والمواطن المسلم لا يمنح غيره حق المواطنة، ولا يملك أحد أصلًا سلطة منح هذا الحق أو حجبه. كلاهما مواطن أردني، تجمعهما الحقوق والواجبات، وتربطهما الأرض والتاريخ والحياة اليومية، قبل أن تجمعهما بيانات التضامن في أوقات الأزمات.

لسنا جماعتين تتفاوضان على مساحة مشتركة، ولسنا طائفتين تتبادلان المجاملة عند وقوع المصائب. نحن مجتمع واحد، يتعدد أبناؤه في معتقداتهم، لكنهم لا يتعددون في حقهم في الأمن والكرامة والمواطنة المتساوية.

ومن هنا، فإن ما حدث في الكرك لا ينبغي أن يدفعنا إلى النظر إلى الضحايا بوصفهم أفرادًا من جماعة دينية بعينها فحسب، بل بوصفهم مواطنين أردنيين استُهدفوا في اعتداء إجرامي وانتهك حقهم في الحياة والأمان. ولا ينتقص هذا الوصف من خصوصية الألم الذي عاشته العائلات المفجوعة، بل يجعل التضامن معها مسؤولية وطنية وإنسانية لا تحدها هوية دينية.

إن استهداف إنسان بسبب دينه جريمة، واستهدافه في لحظة وداع إنسان عزيز عليه اعتداء على الكرامة الإنسانية. ولا نحتاج إلى وضع الضحايا في خانة دينية حتى نفهم فداحة ما جرى، أو حتى نعرف أن ما أصابهم يعنينا جميعًا.

أما الكرك، فلا تحتاج إلى أن نذكّرها بالتعايش بقدر ما تحتاج إلى أن نحمي المعنى الحقيقي الذي قام عليه هذا التعايش. فالتعايش ليس صورة نلتقطها عند وقوع حادثة، ولا بيانًا نصدره بعد كل أزمة، ولا عبارة نرددها لنطمئن الآخرين إلى أننا لا نكرههم. إنه أن تكون المواطنة أمرًا طبيعيًا لا يحتاج إلى دفاع متكرر، وأن تكون كرامة الإنسان مصونة دون النظر إلى دينه، وأن يشعر كل أردني بأن أمن الآخر وكرامته ليسا شأنًا يخص جماعته وحدها، بل شأنًا يخصه شخصيًا.

وهنا تكمن خطورة التطرف؛ فهو لا يكتفي برفض الآخر، بل يسعى إلى تحويل الاختلاف الديني إلى حدود فاصلة بين الناس، وإلى إعادة تعريف المجتمع على أساس الانقسام. وإذا نجح هذا المنطق في دفعنا إلى الحديث عن أنفسنا بوصفنا جماعات منفصلة، فقد يحقق جانبًا من غايته حتى قبل أن ينجح في فرض العنف على أرض الواقع.

ومواجهة هذا الخطر لا تكون بالأمن والقانون وحدهما، على أهميتهما، بل أيضًا برفض كل خطاب يجعل انتماء بعض المواطنين موضع إثبات في كل مناسبة، أو يوحي بأن حقوقهم تحتاج إلى تضامن استثنائي كي تصبح بديهية. وهي مسؤولية تبدأ من البيت والمدرسة، ومن المنبر والإعلام، ومن الكلمات التي نكتبها ونرددها، حتى تلك التي نكتبها بدافع حسن النية.

ولعلني حين أعود بذاكرتي إلى أمي وجاراتها، وإلى رغيف الخبز وبيض العيد الملوّن، أفهم بصورة أوضح ما ينبغي أن ندافع عنه اليوم. لم تكن تلك العلاقات تنكر الاختلاف، ولم تكن بحاجة إلى إلغائه. كان الاختلاف حاضرًا، لكنه لم يكن حاجزًا يمنع المحبة، ولا سببًا يجعل أحدًا يشعر بأنه أقل انتماءً إلى المكان الذي يعيش فيه.

لم يكن أحد يمنح الآخر حق الانتماء، ولم يكن أحد يحتاج إلى إثبات أنه جزء من الحارة أو الوطن. كانت الحياة المشتركة كافية لتقول إن ما يجمع الناس أعمق من اختلافاتهم، وإن المواطنة ليست منّة يقدمها طرف لطرف، وإن الأخوة ليست فضلًا من جماعة على أخرى.

أخشى أن نكون قد أصبحنا نتحدث كثيرًا عن التعايش، لأننا نسينا أحيانًا كيف نعيشه ببساطة.

إن الذين فقدناهم في أحداث الكرك يستحقون منا أكثر من الحزن والغضب، وأكثر من عبارات الإدانة التي سرعان ما تتراجع أمام ضجيج الحياة اليومية. يستحقون أن يكون ألمهم مناسبة لتعزيز ثقتنا ببعضنا، ومراجعة خطابنا، وترسيخ مبدأ لا ينبغي أن يكون موضع خلاف: لا مواطنة ناقصة، ولا كرامة متفاوتة، ولا أمن لفئة على حساب أخرى.

فالمسيحي الذي فقد عزيزًا لا يحتاج إلى أن يسمع أن المسلمين يقفون إلى جانبه فحسب؛ يحتاج، كما يحتاج كل مواطن مفجوع، إلى أن يشعر بأن وطنه كله يقف معه، وأن العدالة ستأخذ مجراها، وأن الجريمة لن تتحول إلى ذريعة للكراهية أو مناسبة لاستدعاء الانقسامات.

والمسلم الذي يرفض الجريمة لا يفعل ذلك دفاعًا عن جماعة أخرى، بل دفاعًا عن وطنه وإنسانيته، وعن المعنى الذي يريد أن يبقى للحياة المشتركة بين أبنائه.

ربما لا نستطيع أن نمنع كل جريمة، لكننا نستطيع أن نرفض أن تتحول الجريمة إلى شرخ في مجتمعنا، وأن نحول دون أن يصبح الخوف سببًا للتباعد، أو أن تصبح لغة التضامن، دون أن نقصد، تذكيرًا مستمرًا بالفواصل التي ينبغي ألا تتحكم في علاقتنا ببعضنا.

فالأردن لا يكون وطنًا واحدًا عندما نتضامن بعد المصائب فقط، بل عندما لا نحتاج إلى تذكير بعضنا بأننا ننتمي إلى الوطن ذاته، وأن كرامة كل مواطن جزء من كرامتنا جميعًا.

فالمواطنة ليست علاقة بين طوائف تتضامن عند الألم، بل حق أصيل يجمع مواطنين متساوين؛ تجمعهم أرض واحدة، وحياة عاشوها معًا، وذاكرة لا تختصرها الاختلافات. وكما كان رغيف الخبز يعبر من بيت إلى آخر دون أن يسأل عن هوية أصحابه، ينبغي أن تبقى المحبة والانتماء أكبر من كل الحواجز التي نحاول، أحيانًا، أن نبنيها بيننا.
رحم الله شهداء الوطن وحمى الله الاردن عزيزا منيعا بقيادته وشعبه
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم