أدبـــاء ومبـــد عـــــون: وحدتنا الوطنية أقوى من الإرهاب .. والأردن عصيّ على الفتنة

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 10404
أدبـــاء ومبـــد عـــــون: وحدتنا الوطنية أقوى من الإرهاب ..  والأردن عصيّ على الفتنة

سرايا - في أعقاب الجريمة الإرهابية التي استهدفت مواطنين أردنيين من أبناء المجتمع المسيحي في بلدة حمود بمحافظة الكرك، يوم الجمعة الماضية، تتجدد الحاجة إلى موقف ثقافي وفكري واضح يدين هذا العمل الإجرامي، ويؤكد حرمة الدم الإنساني وحق المواطنين في الأمن والكرامة وممارسة شعائرهم الدينية، ويصون قيم التآخي والعيش المشترك التي شكّلت على الدوام ركيزة أساسية في بناء المجتمع الأردني ووحدته الوطنية.

وفي مواجهة محاولات بث الفتنة والنيل من تماسك المجتمع، تبرز مسؤولية المثقفين والمبدعين في التصدي للفكر المتطرف وخطاب الكراهية، وترسيخ قيم المواطنة والتعددية والتسامح، وتحويل الثقافة إلى قوة فاعلة في حماية الوعي وتعزيز الانتماء الوطني.

كيف يقرأ المثقفون دلالات هذه الجريمة الإرهابية؟ وما الدور الذي ينبغي أن يضطلعوا به في مواجهة الفكر المتطرف، وتعزيز الوحدة الوطنية والعيش المشترك، وتحصين المجتمع من محاولات بث الفتنة؟

غدير سعيد حدادين: المواطنة رابطة الكرامة والمصير

تقول الشاعرة والفنانة التشكيلية غدير سعيد حدادين إن قراءتها للجريمة الإرهابية التي استهدفت مواطنين أردنيين في بلدة حمود بمحافظة الكرك لا تنطلق من انتمائها الديني، بل من إيمانها العميق بأن المواطنة هي الرابط الذي يجمع الأردنيين، وأن كرامة الإنسان وحقه في الحياة والأمان والعبادة ليست امتيازًا تمنحه جماعة أو ينتقص منه اختلاف العقيدة، بل قيمة أصيلة لا تقبل المساومة.

وتضيف أن ما حدث ليس اعتداءً على أشخاص أو انتهاكًا لحرمة مكان عبادة فحسب، بل محاولة لضرب المعنى الذي قام عليه الأردن: أن نختلف في الإيمان، لكننا لا نختلف على حق بعضنا في الحياة، وأن تتعدد طرقنا إلى الله دون أن تتعدد قيمة الإنسان في ضمائرنا.

وترى أن استباحة دم أردني بسبب هويته الدينية تستهدف مبدأ المواطنة نفسه، وتضع المجتمع بأكمله أمام اختبار أخلاقي ووطني لا يجوز التهاون فيه.

وتشير حدادين إلى أن خطورة الفكر المتطرف لا تكمن في قدرته على حمل السلاح وحدها، بل في قدرته على إفساد الوعي قبل ارتكاب الجريمة؛ حين يقنع الإنسان بأن المختلف عنه أقل استحقاقًا للحياة، وأن الكراهية موقف مشروع، وأن العنف يمكن أن يتخفى خلف تأويلات دينية مشوهة. فالجريمة تبدأ، في جوهرها، بفكرة تُزرع، وتعصب يُبرر، وإنسانية تُنتزع من الآخر قبل استهداف جسده.

ومن موقعها شاعرةً وفنانةً تشكيليةً وقائدةً تربوية، تؤكد أن المسؤولية لا تنتهي بإدانة الجريمة، مهما كانت الإدانة حازمة، بل تبدأ بمراجعة جادة للبيئة التي تسمح للكراهية بالنمو؛ من الأسرة التي تتشكل فيها أولى صور الإنسان عن الآخر، إلى المدرسة التي ينبغي أن يتجاوز دورها بناء المعرفة إلى بناء الضمير، وصولًا إلى المناهج التي تجعل المواطنة والكرامة الإنسانية واحترام التعددية جوهرًا في التربية، لا عناوين تُستدعى في المناسبات.

كما تشدد على مسؤولية المؤسسات الدينية والثقافية والاجتماعية في مواجهة خطاب الإقصاء، وترسيخ الفكر الوسطي الذي عبّرت عنه رسالة عمّان، بوصفه ممارسة تحمي الإنسان وتصون المجتمع، لا مجرد شعار.

وتقول إن المطلوب من المثقفين والمبدعين لا يقتصر على الكتابة عن الجرح، بل يمتد إلى مواجهة الأسباب التي تفتح الطريق إليه، وتحويل الكلمة إلى مقاومة للجهل والتعصب، ورفض تبرير الكراهية أو التعامل معها بوصفها رأيًا عابرًا. فالثقافة التي لا تحمي الإنسان تفقد رسالتها، والكلمة التي تصمت أمام استباحة الدم تتخلى عن جانب من مسؤوليتها الأخلاقية.

وتضيف: «أنا أردنية، ولا أحتاج إلى أن أشرح انتمائي إلى هذا الوطن من خلال ديني، ولا أن أبرر حقي فيه أو حق غيري. فالأردنية ليست هوية تتقدم وأخرى تتأخر، وليست مساحة يتقاسمها الناس بحسب معتقداتهم؛ إنها رابطة مصير ومسؤولية وكرامة مشتركة».

وتؤكد أن الوحدة الوطنية، كما علّمنا الأردن وأكد جلالة الملك عبد الله الثاني، ليست تفصيلًا في حياتنا، بل أساس قوتنا ومصدر منعتنا، ولا تُحمى بالمجاملات، وإنما بالعدالة والتربية الواعية والموقف الذي لا يساوم على كرامة أي مواطن.

وتختم بالقول إن الجرح واحد والمسؤولية واحدة، وإن الأردنيين لن يسمحوا لفكر يقتات على الكراهية بأن يقنعهم بأن اختلافهم أقوى من انتمائهم، أو بأن يجعل من دور العبادة حدودًا تفصل بين أبناء الوطن الواحد.

محمد المشايخ: استراتيجية شاملة لمواجهة التطرف

من جانبه، يدعو الناقد محمد المشايخ، أمين سر رابطة الكتاب الأردنيين، إلى بناء استراتيجية متكاملة لمكافحة الفكر المتطرف، تقوم على خطة شاملة تتضمن تطوير المنظومة الأمنية، ونشر الفكر المعتدل، وتفعيل الردع القانوني.

ويقول إن دعوة الأدباء إلى مواجهة التطرف والإرهاب تلتقي مع ما أكده جلالة الملك عبد الله الثاني في خطاباته أمام المحافل الدولية، من أهمية توحيد الجهود والعمل التشاركي لمواجهة خطر التطرف وخطاب الكراهية، واعتماد نهج شمولي لمحاربة الإرهاب، يعالج جوانبه العسكرية والأمنية والفكرية.

ويشير المشايخ إلى أن الأدب العربي عمومًا، والأردني خصوصًا، كان سبّاقًا في الدعوة إلى السلم والأمن والأمان، مستحضرًا القصيدة العمّانية التي كتبها الشاعر سميح القاسم، المولود في الزرقاء، عقب التفجيرات التي استهدفت عددًا من فنادق عمّان عام 2005، وجاء فيها:

«يا ربّ. هل كفرت بنا أوطاننا

أم نحن أهل الكفر بالأوطان؟

والجاهلية جدّدت غزواتها

فاجتاح قيسي حياض يماني».

ويستشهد المشايخ بهذه التجربة الشعرية للتأكيد على قدرة الأدب على التعبير عن الوجع الوطني، ومواجهة العنف، واستنهاض الوعي الجمعي في لحظات الخطر.

ويعرّف الإرهاب، في معناه الواسع، بأنه الاعتداء على المدنيين وأرواح الآمنين وممتلكاتهم بقصد إخافتهم أو تحقيق غايات لا تستند إلى قضية عادلة، معتبرًا أن هذه الممارسات تكشف افتقار مرتكبيها إلى المسؤولية الاجتماعية والأخلاق الإنسانية.

ويؤكد أن الأدب قادر على الإسهام في تعديل السلوك الإنساني حين ينحرف نحو العنف والتطرف، وعلى مواجهة النزعات التي تهدد استقرار المجتمعات ومكتسباتها التنموية.

ويضيف أن للأدب موقفًا من العالم، وأن موضوعه الجوهري هو الإنسان ومكانه في الوجود، فيما تتيح صلة الأديب بحياة الناس وتجاربهم اليومية آفاقًا واسعة للإبداع والتجديد وتنوع المعرفة والأشكال الفنية.

ويشدد على ضرورة أن يبدع الأدباء أعمالًا تصل إلى الجماهير وقلوبها، وتواجه الإرهاب الفكري والمحاصرة الإعلامية وخطابات الكراهية، مؤكدًا أن الأديب شريك في تحرير العقول من الجمود والضلال، وفي الإسهام في تقدم الشعوب وازدهارها.

ويختتم المشايخ بالتأكيد على أن الإرهاب لن ينال من وحدة الأردن الوطنية، ولا من قيم التسامح والتعايش والمودة التي تجمع أبناء المجتمع، مشددًا على أن المصاب واحد، وأن حماية الوطن مسؤولية مشتركة بين أبنائه، مسلمين ومسيحيين.

إسلام علقم: مواجهة التطرف تبدأ بتحصين الوعي

أما الشاعر إسلام علقم، فيصف الجريمة بأنها نكراء لا تبرير لها، مستحضرًا أبياتًا من إحدى قصائده:

«روحي

تُحلّقُ في السّماءِ شريدةً

وتلوذُ باللهِ العظيمِ أمانا

فبأيِّ حقٍّ جئتَ تنحرُني

وتمشي في دمي!

ولأيِّ تيهٍ

سُقتَني قُربانا!؟».

ويرى علقم أن بعض أصحاب النزعات المتطرفة يتقنعون بالدين، مستغلين تأويلات مشوهة لإضفاء شرعية زائفة على أفعالهم، مدفوعين بالتعصب والجهل والشعور بالنقص والرغبة في فرض تصوراتهم على الآخرين.

ويؤكد أن المثقف الحقيقي لا ينبغي أن يكتفي بإدانة الجرائم واستنكارها، بل عليه أن يكون جريئًا في تشخيص أسبابها واقتراح الحلول الوقائية، لافتًا إلى أهمية تدريس الفلسفة في المناهج بوصفها أداة لتنمية التفكير النقدي ومقاومة الانغلاق الفكري.

كما يحذر من أن تقييد الحريات العامة، وإضعاف الأصوات المطالبة بالحقوق العادلة ونبذ الظلم، والتساهل مع أشكال الكراهية والعنصرية والتعصب، يهيئ بيئة يمكن أن تستثمرها التيارات المتطرفة لتغذية مشاعر الانتقام والإقصاء.

ويشير إلى ضرورة معالجة الأسئلة الاجتماعية والإنسانية التي تفرضها الأحداث، بما في ذلك ما يرتبط بالظلم الواقع في فلسطين، والفقر، والتمييز غير المبرر، مؤكدًا أن مواجهة التطرف تتطلب مقاربة شاملة لا تكتفي بمعالجة النتائج، بل تنظر في العوامل التي قد تغذي الغضب والتعصب وتستغلها الخطابات المتشددة.

ويخلص علقم إلى أن المجتمع بحاجة إلى منظومة متكاملة تعزز الثقة بالعيش المشترك، وترسخ قيم المحبة والسلام وقبول الآخر، وتمنح العقل والحوار مساحة أوسع في مواجهة الكراهية والانغلاق.

سامر المعاني: الثقافة تحمي الإنسان وتصون نسيج الوطن

ويؤكد الأديب سامر المعاني أن الجرائم الإرهابية التي تستهدف المواطنين ودور العبادة لا تقتصر على الاعتداء على أرواح الأبرياء، بل تمثل محاولة للنيل من القيم التي تقوم عليها المجتمعات المتماسكة، وفي مقدمتها التسامح والكرامة الإنسانية وحرية المعتقد والعيش المشترك.

ويرى أن هذه الجرائم تكشف عن فكر مأزوم يعجز عن التعايش مع الاختلاف، فيلجأ إلى العنف وسيلة لفرض أوهامه، متوهمًا أن الدم قادر على تغيير حقائق التاريخ أو تفكيك الروابط التي تجمع أبناء الوطن الواحد.

ويشدد المعاني على أن الموقف من الإرهاب لا يحتمل الالتباس أو التبرير، وأن إدانة العنف واجب أخلاقي وإنساني، بصرف النظر عن الجهة التي تقف وراءه أو الذرائع التي تحاول الاحتماء بها؛ فلا دين يبرر قتل الأبرياء، ولا اختلاف فكري أو عقائدي يمنح أحدًا الحق في الاعتداء على حياة الآخرين.

ويدعو إلى التمييز بين الاختلاف الذي يثري المجتمع والتطرف الذي يحوّل هذا الاختلاف إلى عداوة، ويجعل من الكراهية طريقًا إلى العنف والتدمير.

ويضع المعاني المثقفين والمبدعين أمام مسؤوليتهم بوصفهم حراسًا للوعي، وصنّاعًا للكلمة القادرة على مواجهة الظلام بالحجة، والتعصب بالمعرفة، والكراهية بالقيم الإنسانية والجمال.

ويؤكد أن المثقف الحقيقي لا يكتفي بإعلان موقف رافض للإرهاب، بل يجعل من كتابته وإبداعه ومنابره الثقافية أدوات لبناء الوعي، وتحصين الأجيال من الأفكار المنغلقة، وتعزيز ثقافة الحوار وقبول الآخر.

كما يشدد على مسؤولية المؤسسات الثقافية والإعلامية والتربوية في تكثيف المبادرات والندوات والبرامج التي تفتح مساحات للنقاش المسؤول، وتكشف زيف الخطابات التي تتاجر بالدين أو الهوية لتبرير العنف.

ويختم المعاني بالتأكيد على أن الوحدة الوطنية تعني التمسك بالإنسانية وحماية النسيج الاجتماعي من الفتنة، وجعل الاختلاف مصدر غنى لا سببًا للصراع؛ فالأوطان لا يحميها السلاح وحده، بل يحميها أيضًا وعي أبنائها وصلابة قيمهم وإيمانهم بأن الإنسان، مهما اختلفت معتقداته، شريك في الوطن والكرامة والمصير.

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم