د. زيد إحسان الخوالدة يكتب:" جريمة الكرك: قراءة استراتيجية ونفسية .. محاولات إرباك المجتمع واستنزاف الدولة

منذ 58 دقيقة
المشاهدات : 7688
د. زيد إحسان الخوالدة يكتب:" جريمة الكرك: قراءة استراتيجية ونفسية ..  محاولات إرباك المجتمع واستنزاف الدولة
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

لا تقف آثار الجريمة عند لحظة وقوعها؛ فالعنف يترك وراءه خوفًا وحزنًا، ويضع المجتمع أمام امتحان الثقة والتماسك. وحين يقع الاعتداء على مشيّعين آمنين في مكان للعبادة، يتجاوز أثره الضحايا إلى شعور الناس بالأمان، وإلى قدرة مؤسسات الدولة على حماية المواطنين واحتواء تداعيات الجريمة.
من الناحية النفسية، قد يطول أثر الحادثة على الناجين وأسر الضحايا، كما قد يتسع القلق في المجتمع مع انتشار الشائعات والمشاهد المؤلمة والتأويلات المتضاربة. لذلك لا تقتصر الاستجابة على ملاحقة الجناة؛ بل تشمل صون كرامة الضحايا، ومساندة ذويهم، وإتاحة الدعم النفسي والاجتماعي، وتوفير معلومات موثوقة تقلل مساحة الخوف والارتباك.

أما القراءة الاستراتيجية، فتبحث في الأهداف المحتملة وراء الجريمة وآثارها الأوسع. فقد يكون المقصود بثّ الخوف، أو إضعاف الثقة بين مكونات المجتمع، أو إظهار الدولة عاجزة عن حماية مواطنيها. وقد يمتد الاحتمال إلى استنزاف مؤسسات الدولة وتشتيت انتباهها عن ملفات أخرى أو تطورات قد تطرأ. غير أن هذا يظل احتمالًا تحليليًا عامًا؛ فلا يحدد ماهية تلك الملفات، ولا يثبت أن الجريمة صُممت لصرف الانتباه عنها.

ومن المهم التمييز بين أثر الجريمة والغاية التي قصدها مرتكبوها. فاستنفار أجهزة الدولة، واهتمام الرأي العام، والقلق الاجتماعي نتائج متوقعة لأي اعتداء خطير، لكنها لا تثبت وحدها أن استنزاف الدولة أو تشتيتها كان هدفًا مخططًا. إثبات ذلك يتطلب قرائن تكشف التخطيط أو التنسيق أو وجود صلة بين الجريمة وتطورات أخرى.

وتُطرح كذلك فرضية استثمار جهات خارجية للحادثة، سواء لإرباك الأردن أو الإضرار بصورته أو توسيع آثار الجريمة. لكن احتمال استفادة جهة من حدث ما لا يثبت أنها خططت له أو نفذته. وحتى آخر ما أُعلن، كان البحث عن المنفذين والتحقيق مستمرين، ولم تكن صلاتهم بجهات داخل الأردن أو خارجه قد حُسمت.

ولا تكفي اللقطات المصورة وحدها لتحديد مستوى تدريب المنفذين أو هوياتهم أو الجهة المرتبطة بهم. فاللباس، وطريقة الحركة، والانطباع عن الارتباك أو التنسيق، وحتى وجود جهاز في جيب أحدهم، لا تشكل بمفردها دليلًا حاسمًا. يمكن أن تدخل هذه التفاصيل ضمن التحقيق، لكن تفسيرها يحتاج إلى أدلة أخرى ونتائج فنية موثوقة. كما أن التحليل النفسي لا يعني تشخيص الجناة عن بُعد، ولا يجيز نسبة دوافع محددة إليهم قبل ظهور ما يسندها.

وتتطلب مواجهة الجريمة استجابة متوازنة: تحقيقًا مهنيًا يكشف الوقائع، ومعلومات رسمية واضحة، ومساندة للمتضررين، وحماية لدور العبادة، ومحاسبة وفق القانون. كما تتطلب منع الشائعات من التحول إلى روايات ثابتة، ومنع الاتهام الجماعي من أن يضيف إلى الجريمة شرخًا لم تصنعه وحدها.

وتبدأ مناعة المجتمع قبل الأزمات، بتعزيز الثقة والإنصاف، وتوسيع فرص الشباب ومشاركتهم، ومعالجة الفقر والبطالة والواسطة والمحسوبية. هذه الملفات لا تفسر جريمة بعينها ولا تبررها، لكنها تؤثر في شعور المواطنين بالانتماء والعدالة، وهما من ركائز التماسك الوطني.

إن القراءة الاستراتيجية الرصينة لا تستبق نتائج التحقيق، ولا تحوّل الاحتمالات إلى اتهامات؛ بل تضع الفرضيات، وتفصلها عن الوقائع، وتنتظر ما يثبتها أو ينفيها. والرد الأقوى هو دولة تحمي مواطنيها وتواصل أداء مؤسساتها، ومجتمع لا يسمح للخوف أو الشائعة أو التحريض بأن يوسّع أثر الجريمة.

رحم الله الضحايا، ومنّ على المصابين بالشفاء، وحفظ الأردن وأهله.

د. زيد إحسان الخوالدة — أكاديمي متخصص في علم النفس السريري والصحة والسياسا والتنمية والشأن العام.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم