الدكتوره مها اغريز تكتب: الدكتوره مها اغريز تكتب: حين استُهدفت الكنيسة، حضر الملك إلى الميدان… فالكرك لا تنحني، والأردن لا يُكسر، ودماء أبنائه خطٌّ أحمر

منذ 54 دقيقة
المشاهدات : 9968
الدكتوره مها اغريز تكتب: الدكتوره مها اغريز تكتب: حين استُهدفت الكنيسة، حضر الملك إلى الميدان… فالكرك لا تنحني، والأردن لا يُكسر، ودماء أبنائه خطٌّ أحمر

سرايا - ليست كل الرصاصات التي تُطلق على الأجساد تنتهي عند حدود الجسد؛ فبعضها يستهدف ضمير وطن، ويمتحن أخلاق شعب، ويحاول أن يزرع الخوف في قلوب أمةٍ اعتادت أن تواجه المحن بالكرامة والوحدة.

ما شهدته الكرك من اعتداء على كنيسة لم يكن وجعًا عابرًا، ولا خبرًا يُطوى بانتهاء ساعات النشرات الإخبارية؛ بل جرحٌ في قلب الأردن، واعتداء على حرمة الإنسان، وعلى حقه في أن يحزن ويصلي ويعيش آمنًا دون أن يخشى رصاصة غدر.

أيُّ فكرٍ يستطيع أن يحوّل مكانًا للعبادة إلى ساحة للموت؟ وأيُّ قلبٍ يمكن أن يتجرّد من إنسانيته إلى هذا الحد، فيستهدف أناسًا اجتمعوا في لحظة حزن، لا يحملون سلاحًا، ولا يطلبون سوى السكينة والرحمة؟

إنها جريمة لا تستهدف المسيحيين وحدهم، بل تستهدف كل أردني يؤمن بأن حرمة الدم مقدسة، وأن الاختلاف في الدين لا يُبيح الاعتداء، وأن الإنسان لا يفقد حقه في الحياة لأن صلاته تختلف عن صلاة غيره.

حين تُستهدف كنيسة في الأردن، فإن الجرح لا يبقى داخل جدرانها؛ بل يمتد إلى كل مسجد، وكل بيت، وكل قلب يعرف معنى الأخوّة والكرامة.

الملك في الميدان… لأن وجع الأردنيين ليس بعيدًا عن القيادة

وفي لحظة الوجع، جاء حضور جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الكرك وزيارته للمصابين ليحمل رسالة تتجاوز حدود الزيارة؛ رسالة بأن القيادة لا تقف بعيدة حين يتألم شعبها، وأن المصاب الذي يوجع أسرة أردنية يستحق أن تقف الدولة إلى جانبه بكل مسؤولية.

لقد نزل جلالة الملك إلى الميدان، إلى حيث الألم الحقيقي، وحيث العائلات التي تنتظر الاطمئنان، وحيث المصابون الذين يحتاجون إلى الرعاية والاهتمام. وفي مثل هذه اللحظات، لا تكون قيمة الحضور في الصورة، بل في ما يحمله من معانٍ: القرب من الناس، ومتابعة أوضاعهم، والتأكيد أن أمنهم وكرامتهم مسؤولية لا تقبل التهاون.

فالقيادة في أوقات المحن ليست كلمات تُقال من بعيد؛ إنها حضورٌ حين يحتاج الناس إلى الطمأنينة، ومسؤوليةٌ حين ينتظر الوطن الحقيقة والعدالة.

إن وصول الملك إلى الكرك يحمل معنى وطنيًا وإنسانيًا عميقًا: أن دم الأردني غالٍ، وأن الاعتداء على مواطن في مكان عبادته اعتداء على حق المجتمع كله في الأمن، وأن أي محاولة لبث الخوف والفرقة لن تغيّر حقيقة هذا الوطن.

وإلى جلالة الملك نقول: إن الأردنيين ينتظرون أن تتحول هذه اللحظة إلى مسار واضح من كشف الحقيقة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، وتعزيز الإجراءات التي تحمي المواطنين ودور العبادة، حتى يشعر كل أردني بأن أمنه مصان، وأن العدالة لا تعرف تمييزًا بين مواطن وآخر.

المخابرات العامة والأجهزة الأمنية… حماة الوطن في مواجهة الخطر

في مواجهة الإرهاب، لا تكفي مشاعر الغضب، ولا تكفي الكلمات الوطنية، مهما كانت صادقة؛ بل لا بد من عمل مؤسسي حازم، وتحقيق دقيق، وملاحقة قانونية لكل من يثبت تورطه في الجريمة أو التخطيط لها.

وهنا تتعاظم مسؤولية المخابرات العامة، ومديرية الأمن العام، وسائر الأجهزة الأمنية، في حماية الأردن، وكشف ملابسات الاعتداء، وملاحقة المتورطين، ومنع أي تهديد يستهدف حياة المواطنين أو أمن المجتمع.

المخابرات العامة والأجهزة الأمنية بالمرصاد لكل تهديد يمسّ أمن الأردن، والواجب الوطني أن تقف الدولة بكل مؤسساتها في مواجهة الإرهاب، بحزمٍ لا يتهاون، وعدالةٍ لا تظلم.

إن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على مواجهة الخطر بعد وقوعه، بل أيضًا بقدرتها على كشف التهديدات، وحماية الناس، ومراجعة الإجراءات، واستخلاص الدروس التي تمنع تكرار المآسي.

ولذلك، فإن ثقتنا بمؤسساتنا الأمنية يجب أن تترافق مع حق المجتمع في معرفة الحقيقة من مصادرها الرسمية، ومع محاسبة عادلة وشفافة وفق القانون. فالأردنيون لا يريدون شائعات تتناقلها الهواتف، ولا اتهامات تُطلق بلا دليل؛ يريدون حقيقة واضحة، وعدالة ناجزة، وأمنًا يحمي كل بيت وكل مكان عبادة.

لا نريد أن ينتصر الغضب على القانون، بل نريد أن ينتصر القانون على الجريمة. ولا نريد أن تتحول الفاجعة إلى فتنة، بل إلى موقف وطني يزداد فيه الأردن قوةً وتماسكًا.

الكرك… أرض النخوة التي لا تسأل جارك عن دينه حين يحتاج إليك

للكرك مكانة في الوجدان الأردني لا تختصرها الجغرافيا، ولا تفيها الكلمات حقها. إنها أرض العز والكرامة، وأرض العائلات التي عرفت معنى الجيرة، وأدركت أن الشهامة لا تُقاس بما يقوله الإنسان عن نفسه، بل بما يفعله حين يُصاب غيره.

في الأردن، لم تكن الأخوّة بين المسلمين والمسيحيين اتفاقًا عابرًا تفرضه الظروف، بل كانت علاقة إنسانية واجتماعية نسجتها السنين، ورسّختها البيوت المشتركة، والمناسبات التي يتبادل فيها الجيران التهاني، والشدائد التي يقفون فيها جنبًا إلى جنب.

كم من بيتٍ مسيحي فتح أبوابه لجاره المسلم، وكم من بيتٍ مسلم احتضن جاره المسيحي في فرحٍ أو عزاء! كم من أمٍّ لم تسأل عن دين أمٍّ أخرى قبل أن تواسيها، وكم من جارٍ هبّ لنصرة جاره لأن النخوة في ضميره أسبق من كل اختلاف!

هذه هي الكرك التي نعرفها؛ لا تسأل عن دين الجار عندما يقع في المصيبة، بل تسأل أين نحن منه، وكيف نسانده، وكيف نحمي كرامته.

وما يجمع أبناء الأردن أكبر من أن تهدمه جريمة، وأعمق من أن تمحوه رصاصة. فالمسيحي الأردني ليس ضيفًا على وطنه، والمسلم الأردني ليس صاحب حقٍ أكثر من أخيه في المواطنة. كلاهما ابن هذه الأرض، وله فيها تاريخ وحقوق وواجبات ومستقبل.

إن المواطنة ليست مجاملة، والأخوّة ليست شعارًا نرفعه عند الحاجة ثم ننساه؛ إنهما مسؤولية أخلاقية، وامتحان حقيقي يظهر عندما يتألم الآخر، وعندما يصبح الوقوف معه واجبًا لا خيارًا.

إلى إخوتنا المسيحيين… حزنكم حزن الأردن كله

إلى أهلنا المسيحيين في الكرك، وإلى كل مسيحي أردني يشعر اليوم بالخوف والحزن: لا ينبغي أن يحمل أحدكم هذا الوجع وحده.

أنتم أهل هذا الوطن، وشركاء تاريخه، وأبناؤه الذين لهم فيه ما لسائر أبنائه من كرامة وحقوق وأمان.

إن الاعتداء على مكان عبادتكم ليس شأنًا يخصكم وحدكم؛ إنه شأن كل صاحب ضمير، وكل إنسان يؤمن بأن دور العبادة يجب أن تبقى أماكن للسكينة، لا أهدافًا للعنف، وأن الاختلاف في العقيدة لا يمكن أن يكون مبررًا لإراقة الدماء.

نقف معكم لأننا نؤمن بالحق، لا لأننا نبحث عن كلمات مؤثرة. ونرفض الاعتداء عليكم لأن كرامتكم من كرامة الوطن، ولأن أمنكم جزء لا يتجزأ من أمن الأردن.

لا نريد أن نواسيكم بالكلمات فقط؛ نريد وطنًا يشعر فيه كل مسيحي ومسلم أن الدولة تحميه، والقانون ينصفه، والمجتمع يقف إلى جانبه، وأنه لن يكون يومًا وحيدًا في مواجهة الخوف.

رحم الله من فقدناهم، وشفى المصابين، وربط على قلوب ذوي الضحايا. وليكن واجبنا جميعًا أن نحفظ حق العائلات في الحزن والخصوصية، وأن نساندها بالفعل والموقف، لا بالتصريحات وحدها.

أخطر ما قد تخلّفه الجريمة… أن نسمح لها بتغيير أخلاقنا

إن الإرهابي لا يريد أن يقتل ضحاياه فحسب؛ بل قد يسعى أيضًا إلى أن يزرع الشك بين أبناء المجتمع، وأن يحوّل الألم إلى كراهية، والخوف إلى انقسام، والاختلاف إلى عداوة.

وهنا يأتي امتحاننا الحقيقي.

هل نسمح لجريمة أن تغيّر نظرتنا إلى بعضنا؟ هل نسمح لمن ارتكب الاعتداء بأن ينجح في تفريق جيران عاشوا معًا سنوات طويلة؟ هل نمنح الشائعات فرصة لتسميم القلوب، وننسى أن العدالة لا تتحقق باتهام الناس جماعيًا، بل بمحاسبة المسؤولين عن أفعالهم وفق القانون؟

إن الرد الحقيقي على التطرف ليس تطرفًا مضادًا، ولا الانتقام من الأبرياء، ولا إشعال خطاب الكراهية؛ بل هو التمسك بالقانون، وحماية الإنسان، ومواجهة الفكر الذي يبرر العنف، وترسيخ ثقافة تحترم الاختلاف وتمنع تحويله إلى صراع.

لن نسمح لجريمة أن تسرق أخلاقنا، ولن نسمح للرصاص أن يكتب تاريخ علاقتنا ببعضنا.

الأردن الذي نريده… دولة قوية ومجتمع متماسك

إن قوة الأردن ليست في قدرته على تجاوز الأزمات فحسب، بل في قدرته على الخروج منها أكثر وعيًا وتماسكًا.

نريد دولة تحمي مواطنيها، وأجهزة أمنية تؤدي واجبها بكفاءة، وقضاءً يحقق العدالة، ومجتمعًا يرفض التعصب، ومؤسسات دينية واجتماعية تعزز قيم الرحمة والاحترام، وإعلامًا يتحرى الحقيقة ولا يحوّل المأساة إلى مادة للشائعات والانقسام.

ونريد أن تكون دماء الضحايا دافعًا إلى حماية الأرواح، ومراجعة ما يلزم من إجراءات، ومحاسبة كل مسؤول عن الجريمة وفق ما تثبته التحقيقات والأدلة.

فالأوطان لا تُحمى بالشعارات وحدها؛ تُحمى حين تصبح كرامة الإنسان أولوية، وحين يشعر المواطن أن القانون يقف إلى جانبه، وحين يعرف كل متطرف أن العنف لن يمنحه سلطة على المجتمع، ولن يفتح له طريقًا إلى تحقيق أهدافه.

الكلمة الأخيرة: الأردن أكبر من كل من يحاول كسره

يا أهل الكرك، يا أهل النخوة والعز، إن مصابكم مصابنا، وإن وجعكم وجع كل بيت أردني. لن تكونوا وحدكم في هذه المحنة، ولن تكون الكنيسة التي استُهدفت عنوانًا للخوف، بل ستبقى جزءًا من وطنٍ يعرف أن كرامة الإنسان لا تتجزأ.

ويا أبناء الأردن، من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه، فلنقف اليوم صفًا واحدًا، لا ضد بعضنا، بل ضد الجريمة والتطرف والكراهية، ومع العدالة والحق والرحمة.

ويا جلالة الملك، إن نزولكم إلى الميدان في هذه اللحظة المؤلمة يضع أمام الجميع مسؤولية الحفاظ على أمن الأردنيين وطمأنينتهم. وإن شعبكم ينتظر أن يرى الحقيقة واضحة، والعدالة حاضرة، والمؤسسات يقظة، وأن يشعر كل مواطن بأن الدولة تقف معه دون تمييز.

سيبقى الأردن وطنًا لا تُقاس فيه قيمة الإنسان بدينه، ولا تُصان فيه الكرامة على أساس الطائفة، ولا يُترك فيه المظلوم وحده.

ستبقى مآذننا وكنائسنا جزءًا من صورة هذا الوطن، وسيبقى المسلم والمسيحي شريكين في الأرض والكرامة والمصير، وسيبقى القانون هو الفيصل، والعدالة هي الطريق، والوحدة الوطنية هي الحصن الذي لا يجوز التفريط به.

رحم الله الضحايا، وشفى المصابين، وحفظ الكرك وأهلها، وحمى الأردن وجميع أبنائه، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني، والمخابرات العامة، والأجهزة الأمنية، وقواتنا المسلحة.

فالأردن ليس مجرد حدود على خريطة؛ الأردن عهد بين أبنائه، وأمانة في أعناقهم، وكرامة لا تُجزّأ، ووطنٌ إذا بكى فيه مسيحي، اهتزّ لدمعته قلب المسلم، وإذا تألم فيه مسلم، امتدّت إليه يد أخيه المسيحي.

هذا هو الأردن الذي نؤمن به… وهذا هو الأردن الذي يجب أن نحميه.

حفظ الله الأردن، وأدام وحدته، وردّ عنه الفتن، وجعل العدالة والرحمة والأخوّة أقوى من كل رصاصة غدر.

#الأردن_واحد
#الكرك_تنزف
#الوحدة_الوطنية
#المسيحيون_والمسلمون_إخوة
#حفظ_الله_الأردن

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم