الرواشدة تكتب: في الكرك… لا يفرّقنا دين، ولا تهزم أخوّتنا رصاصة

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 13297
الرواشدة تكتب: في الكرك… لا يفرّقنا دين، ولا تهزم أخوّتنا رصاصة
د. ميساء نصر الرواشدة

د. ميساء نصر الرواشدة

بأي قلب تُرفع الأسلحة في وجه أناس آمنين؟
وأي يد تمتدّ إلى أرواح الأبرياء في بيت عبادة، حيث يلتمس الإنسان السكينة، وحيث ينبغي أن يكون الأمان حقًّا لا يخشى عليه أحد؟ إن الجريمة التي استهدفت أهلنا خلال تشييع جنازة في كنيسة بالكرك تجرح وجداننا جميعًا؛ ففي لحظة اجتمع فيها الناس لمواساة بعضهم، جاء الرصاص ليضاعف الفقد، وينتهك حرمة الحياة والموت والمكان.
إن قتل الأبرياء وترويع الآمنين جريمة لا يمنحها أي مبرر شرعية، ولا تستطيع أي ذريعة أن تغسل عارها. وأيًّا كانت دوافع مرتكبيها، فإن الدين لا يمكن أن يكون مسوّغًا لسفك الدماء. وإذا حاول أحد اتخاذه ستارًا لجريمته، فإن السؤال الذي يواجهه هو: أيّ دين يقبل بقتل الأبرياء؟ وأي إيمان يبيح انتهاك حرمة دور العبادة وتحويل مواطن الطمأنينة إلى مشاهد للفجيعة؟ إن من يقتل باسم الدين يعتدي على قدسية الحياة التي أمر الله بصونها، ويقوّض قيم الرحمة والتراحم التي تمنح الإيمان معناه في حياة الناس.
وفي قوله تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [من الآية 32، سورة المائدة]، ترتبط حرمة النفس بحرمة الإنسانية كلها. ولهذا المعنى امتداد اجتماعي عميق؛ فكل إنسان جزء من شبكة من العلاقات، له أسرة تنتظره، وأصدقاء يأنسون به، وجيران يطمئنون إلى وجوده. وحين تُنتزع حياته ظلمًا، يمتدّ أثر الفقد عبر هذه الروابط، ويترك جرحًا في المجتمع يتجاوز حدود أسرته.
ومن هنا، فإن ألم الجريمة يتصل أيضًا بما تحدثه من تصدّع في الشعور بالأمان؛ ذلك الشعور الذي يجعل الإنسان يخرج من بيته، ويدخل مكان عبادته، ويشارك في عزاء أو فرح، واثقًا بأن حياته مصونة. فالمجتمعات تقوم على ثقة يومية متبادلة، وعلى يقين الناس بأنهم يستطيعون العيش معًا دون خوف. وحين يُستهدف الآمنون في لحظة اجتماعهم، تصبح حماية هذه الثقة مسؤولية مشتركة، ويغدو التضامن مع المكلومين ضرورة لاستعادة طمأنينة المجتمع كله.
وفي الكرك، لهذه الثقة جذور تمتدّ في تفاصيل الحياة وذاكرة المكان. فالوحدة التي نعتزّ بها تكوّنت عبر أجيال من الجيرة والصداقة والعمل المشترك، وعبر صلات القرابة والمصاهرة، وتقاسم أعباء الحياة وأفراحها؛عرف الناس بعضهم بأسمائهم ومواقفهم ووفائهم، وصنعت العِشرة بينهم معرفة إنسانية أعمق من التصنيفات الدينية. لذلك فإن وجع أهلنا هو وجعنا، ومصابهم يدخل بيوتنا جميعًا، لأن من فقدناهم جزء من حياتنا المشتركة ومن ذاكرتنا التي نحملها معًا.
هذه الروابط هي ما يمنح التآخي معناه الحقيقي. ففي الكرك، لا يسأل الإنسان عن دين جاره قبل أن يهبّ لنجدته، ولا عن معتقد صديقه قبل أن يقف إلى جانبه. ومجالس العزاء التي تجمعنا، كما مناسبات الفرح، تُجدّد في كل مرة شعورنا بأننا مسؤولون عن بعضنا، وأن أحدًا لا ينبغي أن يواجه حزنه وحيدًا، ومن هنا تتجلّى فداحة الاعتداء على أناس اجتمعوا للمواساة؛ فهو ينتهك، إلى جانب حرمة الدم والمكان، واحدة من أعمق صور التكافل الإنساني في مجتمعنا.
ومن هذا التاريخ الاجتماعي تنبع هويتنا الكركية الجامعة، في قلب هويتنا الأردنية. وهي هوية تتّسع لتعدّد المعتقدات، وتمنح أبناءها شعورًا راسخًا بالمساواة في الانتماء والكرامة والحق في الأمان. نعتزّ بمعتقداتنا، ونحترم اختلافنا، ونرفض أن يتحوّل هذا الاختلاف إلى حدود تفصل بيننا أو إلى ذريعة للتشكيك في حق أحد في أرضه ومجتمعه، فأهلنا المسيحيون شركاء أصيلون في تكوين هذه المدينة وذاكرتها وحاضرها، وفي كل ما صنع ملامحها عبر الأجيال.
ولأن هذه الهوية متجذّرة في حياتنا، فإنها تعلو على محاولات تحويل الاختلاف الفكري أو الديني إلى خصومة، فلا دين ولا معتقد يفرّق بيننا، ولا يملك مجرم أن يعيد رسم علاقتنا بأهلنا على صورة كراهيته، غير أن صون هذه الحقيقة يحتاج إلى وعي، خصوصًا في لحظات الصدمة؛ إذ قد تفتح الفجيعة بابًا للشائعات والتعميم والاتهام الجماعي، فتتّسع دائرة الأذى وتُجرح علاقات لم تكن يومًا طرفًا في الجريمة. ولهذا فإن مسؤوليتنا الأخلاقية تقتضي أن نضبط كلماتنا، ونتثبت مما ننقله، ونرفض تحميل أي جماعة وزر أفعال مرتكبي الجريمة.
ويكتسب هذا الوعي معناه حين يتحوّل إلى مواقف عملية: بمساندة أسر الضحايا، والوقوف إلى جانب المصابين، ومواصلة الحضور في حياة أهلنا بعد انقضاء لحظة الصدمة الأولى. فالتضامن الذي يحمي المجتمع هو الذي يستمرّ حين تخفت التغطية الإعلامية، وتبقى الأسر أمام ثقل الفقد وتبعاته. كما أن تربية أبنائنا على احترام التعدّد، ومراجعة ما يُتداول في مجالسنا ومنابرنا وفضائنا الرقمي من خطاب إقصائي، مسؤولية مستمرة تحفظ للأخوّة حضورها في سلوكنا اليومي.
وتكتمل هذه المسؤولية بعدالة تنصف الضحايا وتحاسب بقبضة من نار وحديد كل من تورّط في الجريمة وفق القانون.
فالعدالة تعيد للناس الثقة بأن دماءهم مصونة، وأن الدولة تحميهم على قدم المساواة، وأن حقهم في الحياة والعبادة والأمان لا يخضع لهويتهم الدينية أو الاجتماعية.
وفي هذا التلاقي بين تكافل المجتمع وسيادة القانون، تتعزّز قدرتنا على مواجهة العنف وصون وحدتنا.
الرحمة للأبرياء الذين فقدناهم، والشفاء للمصابين، والصبر والثبات لأهلهم ولأهلنا في الكرك. اللهم اربط على قلوبهم، واحفظ مدينتنا وأردننا من كل سوء.
ستبقى الكرك بيتًا لأهلها جميعًا، نحفظ فيه اختلافنا ونصون أخوّتنا، ونسند فيه بعضنا في مواجهة الحزن، ولن نترك للفقد أن يتحوّل إلى فرقة، ولا للخوف أن يقطع ما وصلته أجيال من المحبة والعِشرة والانتماء، فحق أهلنا علينا أن يجدوا فينا السند، وحق مدينتنا علينا أن تبقى كما نعرفها: كرك الجميع، التي لا يفرّقها دين، ولا تهزم أخوّتها رصاصة.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم