يوسف الطورة يكتب: امتيازات السادة التي أخافت زعيم قريش

منذ 48 دقيقة
المشاهدات : 8819
يوسف الطورة يكتب: امتيازات السادة التي أخافت زعيم قريش
يوسف الطورة

يوسف الطورة

لم يكن ظهور النبي محمد عليه السلام في الجزيرة العربية مجرد دعوة دينية تخالف المألوف، وإنما كان خروجاً على المعتقد الذي حكم المجتمعات البشرية طويلاً، منطق الامتياز الطبقي، وسيادة القوي على الضعيف.

الرسالة النبوية لم تكن مجرد تغيير في العقيدة، وإنما كانت أيضاً ثورة على الامتيازات الاجتماعية، وتحريراً للإنسان من الخضوع للإنسان، وانقلاباً في معنى الإنسان ومكانته يهدف إلى تحريره من كل سلطة تستمد مشروعيتها من النسب أو المال أو اللون أو القوة.

كان الإسلام غريباً على مجتمع السادة، وجاء بحديث الغرباء، ولم تكن مشقة الطريق في بدايات الدعوة مختصرة على صعوبة إقناع الناس بأن محمداً رسول الله، وإنما صعوبة إقناعهم برسالة تطلب منهم إعادة النظر في كل ما الفوه، والتخلي عن امتيازات ورثوها، ومسلمات ظنوا أنها جزء من طبيعة الحياة، بينما كانت في حقيقتها بناء اجتماعياً يحرس نفوذ الأقوياء.

قبول الرسالة كاملة غير منقوصة، قبل أن تتحول الأرض إلى معابد يصلي فيها الناس، وأن يتحول الإيمان إلى موقف إنساني يعيد ترتيب العلاقة بين البشر أنفسهم.

الثابت ليس كافياً أن يتخلص الإنسان من أوثانه الحجرية، بينما يظل مستعبداً لجبروت البشر، خاضعاً لسلطتهم، وإلا لترك المشركين ليبقوا بأوثانهم واستعبادهم للآخرين.

لقد كانت أزمة أبو لهب مع النبي عليه السلام ليس لانه سيهدم الأوثان التي توارثها من بالآباء والأجداد، وإنما لانه سيساويه مع بلال الحبشي.

أزمة سيد قريش في جوهرها أبعد من مجرد الخوف على أصنام توارثتها القبيلة عن الآباء والأجداد؛ فقد كانت مواجهة مع رسالة تهدد بنية التفاضل تضع السادة والعبيد أمام ميزان مختلف، لا يمنح أحداً تفوقاً تبعاً لنسبه أو مكانته الاجتماعية.

ولعل ما كان يهدد امتيازات سادة قريش أن الرسالة التي جاء بها النبي محمد عليه السلام لم تكن تقبل أن يكون النسب أو اللون أو المكانة الاجتماعية مبرراً لاحتقار إنسان أو استعباده، أو ذريعة لادعاء التفوق عليه.

يقيناً إن تحطيم الأوثان والأصنام الحجرية أهون من تحطيم أوثان الجاه والمال والنسب، التي تتخفى في صورة امتيازات اجتماعية وادعاءات بالتفوق على الآخرين، والمفارقة أن ثمة من لا يزال يدافع عنها باسم العرف والتقاليد، وربما باسم الدين نفسه.

لا قيمة للتخلص من الأوثان والأصنام الحجرية، طالما الإنسان لا يزال عبداً لإنسان مثله، إن التحرر الحقيقي أن يتخلص من كل وثن ينتقص من كرامته، ومن كل سلطة توهمه أن بعض البشر خلقوا ليتسلطوا، وأن آخرين خلقوا ليخضعوا ويطعيوا مكرهين، لا مختارين.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم