غموض تعليمات الانتخابات البلدية .. هل يمنح القوى التقليدية أفضلية على حساب المرشحين الجدد؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 46544
غموض تعليمات الانتخابات البلدية ..  هل يمنح القوى التقليدية أفضلية على حساب المرشحين الجدد؟

سرايا - يفتح تأخر صدور التعليمات الناظمة لانتخابات المجالس البلدية ومجالس الخدمات المشتركة الباب أمام تحديات قانونية وسياسية قد تنعكس على سلامة الإجراءات الانتخابية وتكافؤ الفرص بين المرشحين.


ويأتي ذلك وسط تحذيرات خبراء من أن استمرار الغموض قد يؤثر في حقوق الناخبين، ويفسح المجال أمام تحركات انتخابية مبكرة قد تمنح القوى التقليدية أفضلية على حساب المرشحين الجدد.
ورغم أن التأخر لا يشكّل بحد ذاته مسوغا قانونيا لتأجيل الانتخابات، وفق تصريحات أدلى بها خبراء لـ"الغد"، فإن تداعياته قد تمتد إلى تقليص المدد المتاحة لإعداد الجداول الانتخابية والاعتراض عليها، وإضعاف فرص المنافسة القائمة على البرامج البلدية.

ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ تبرز أيضا احتمالية تراجع ثقة المواطنين بالعملية الانتخابية، في وقت تبرز فيه ضرورة ضمان الانتقال إلى تطبيق قانون الإدارة المحلية الجديد دون المساس بالحقوق والضمانات القانونية للناخبين والمرشحين.
تأجيل الانتخابات يستند إلى تشريعات نافذة
من وجهة نظر أستاذ القانون الدستوري في الجامعة الأردنية، الأستاذ الدكتور ليث نصراوين، فإن تأخر صدور التعليمات التنفيذية لا يشكّل بحد ذاته سببا قانونيا كافيا لتأجيل الانتخابات البلدية؛ لأنها تُعد أداة لتنفيذ أحكام القانون، ولا يجوز أن يتحول التأخر إلى وسيلة لتعطيل الاستحقاقات الانتخابية.
وشدد، في تصريحاته لـ"الغد"، على أن الأحكام الواردة في قانون الإدارة المحلية الجديد لسنة 2026، والمتعلقة بتعذر إجراء الانتخابات، لا يجوز الاستناد إليها قبل دخوله حيز النفاذ، رغم صدور الإرادة الملكية بالموافقة عليه ونشره في الجريدة الرسمية.
وعليه، فإن أي قرار يتعلق بتأجيل الانتخابات أو تعذر إجرائها يجب أن يستند إلى التشريعات النافذة وقت اتخاذه، بحسب نصراوين.
وأوضح أن الهيئة المستقلة للانتخاب تستطيع اتخاذ الإجراءات التحضيرية التي تدخل ضمن اختصاصاتها القانونية، استنادا إلى التشريعات والتعليمات النافذة وقت اتخاذ تلك الإجراءات، ولا يجوز لها الاستناد إلى أحكام القانون الجديد قبل دخوله حيز النفاذ، باعتبار أن صدوره ونشره لا يكفيان وحدهما لترتيب آثار قانونية تنفيذية بموجبه.
وتابع قائلا: إن القانون الجديد أبقى العمل بالأنظمة والتعليمات والقرارات الصادرة بموجب القانون السابق إلى حين إلغائها أو تعديلها أو استبدالها، ما يعكس حرص المشرّع على ضمان الاستمرارية التشريعية وعدم حدوث فراغ قانوني عند الانتقال إلى القانون الجديد.
ومن الناحية القانونية، أكد نصراوين أنه لا يجوز أن يؤدي تأخر صدور التعليمات التنفيذية إلى تغيير شروط أهلية الناخبين أو المرشحين؛ لأن القانون هو الذي يحددها، ولا تملك التعليمات التنفيذية صلاحية تعديلها أو إضافة شروط جوهرية جديدة تتعارض معها.
لكنه أشار إلى أن الانتقال من قانون الإدارة المحلية السابق إلى القانون الجديد قد يترتب عليه اختلاف في بعض الشروط والإجراءات الانتخابية، ما يستوجب مراعاة تاريخ نفاذ القانون الذي ستُجرى الانتخابات في ظله.
وتتمثل الضمانة القانونية الأساسية، وفق نصراوين، في احترام مبدأ المشروعية والمساواة وتكافؤ الفرص، وعدم المساس بالمراكز القانونية التي اكتملت بصورة مشروعة في ظل التشريعات السابقة، إلا استنادا إلى سند قانوني صحيح.
وأكد أن غياب التعليمات الانتخابية الجديدة لا يعني وجود فراغ قانوني يسمح باستغلال موارد البلديات ومرافقها لأغراض انتخابية، إذ تبقى التشريعات المتعلقة بحماية المال العام وحسن استخدام المرافق العامة ومنع إساءة استعمال السلطة واجبة التطبيق.
وأضاف أن استخدام الأموال والممتلكات البلدية لخدمة أشخاص يعتزمون الترشح، أو منحهم مزايا لا تتاح لغيرهم، قد يشكّل مخالفة قانونية، بحسب طبيعة التصرف وأحكام التشريعات النافذة.
وشدد على أن الرقابة على المال العام لا تبدأ بصدور التعليمات الانتخابية، وإنما تستند إلى قواعد قانونية دائمة تُلزم الجهات العامة بالحياد، وعدم توظيف مواردها لتحقيق مصالح انتخابية خاصة.
ولفت إلى أن التأخر في إعداد الجداول الانتخابية واعتمادها قد يؤثر في ممارسة المواطنين حقوقهم الانتخابية، خاصة إذا ترتب عليه تقليص المدد المتاحة للاطلاع على البيانات، أو تقديم الاعتراضات، أو تصويب الأخطاء الواردة فيها.
فالحق في الانتخاب، بحسب رؤيته، لا يقتصر على السماح للمواطن بالإدلاء بصوته يوم الاقتراع، وإنما يشمل ضمان إدراج اسمه في الجداول الانتخابية، وتمكينه من الاعتراض على أي خطأ يمس مركزه الانتخابي.
ولذلك، فإن أي تأخير في اعتماد الجداول يجب ألا يؤدي إلى الانتقاص من الضمانات القانونية المقررة للناخبين، مع ضرورة التقيد بالمدد والإجراءات التي يحددها القانون والأنظمة النافذة، وفق نصراوين.
وشدد على جواز توثيق الجهات الرقابية المختصة المخالفات التي تقع قبل صدور التعليمات الانتخابية الجديدة، والاستناد إلى هذه التوثيقات لاحقا متى كانت الأفعال المرتكبة تشكّل مخالفات لأحكام تشريعات نافذة وقت وقوعها.
وشرح أن المسؤولية القانونية لا ترتبط بالضرورة ببدء العملية الانتخابية، وإنما بوجود نص قانوني يحظر الفعل أو يرتب المسؤولية عنه.
وبيّن أن الأفعال التي لا تشكّل مخالفة بموجب التشريعات النافذة لا يجوز تجريمها استنادا إلى تعليمات تصدر لاحقا، وذلك احتراما لمبدأ عدم رجعية النصوص الجزائية.
ومن هنا، تبرز، وفق تفسيراته القانونية، أهمية التمييز بين توثيق الوقائع باعتباره إجراء لإثبات حصولها، وبين ترتيب المسؤولية القانونية عنها، الذي يتطلب وجود سند تشريعي نافذ وقت ارتكاب الفعل.
تساؤلات مشروعة
يرى الأمين العام الأسبق لوزارة البلديات، المهندس مروان الفاعوري، أن تأخر صدور التعليمات الناظمة للانتخابات البلدية ليس مجرد مسألة إجرائية أو تفصيل إداري، بل هو أمر له انعكاسات سياسية ومجتمعية على المناخ الانتخابي برمته.
وأضاف أن الانتخابات البلدية تمثل إحدى أهم صور المشاركة الشعبية في إدارة الشأن العام، والمحطة الأقرب إلى حياة المواطنين ومصالحهم اليومية.
واعتبر، في تصريحاته لـ"الغد"، أن التأخير يثير تساؤلات مشروعة حول تكافؤ الفرص بين المرشحين، ومدى جاهزية الأطراف المعنية، وانعكاس ذلك على ثقة المواطنين بالعملية الانتخابية.
وحذّر من أن عدم تقديم إيضاحات بشأن القواعد والإجراءات قد يفيد القوى التقليدية الأكثر تنظيما وحضورا في المجتمعات المحلية، بحكم امتلاكها شبكات من العلاقات والنفوذ والقدرة على التحرك المبكر.
وفي المقابل، قد يضع هذا الوضع المرشحين الجدد، ولا سيما الشباب والنساء وأصحاب المبادرات الإصلاحية، أمام حالة من التردد وعدم اليقين؛ لأن قراراتهم المتعلقة بتشكيل فرقهم وإعداد برامجهم والتواصل مع ناخبيهم تتطلب وضوحا في شروط الترشح والإجراءات والمواعيد، وفق الفاعوري.
وأضاف أن تأخر صدور التعليمات قد يفتح الباب أمام أشكال من الحراك الانتخابي المبكر وغير المعلن، سواء عبر اللقاءات الاجتماعية أو بناء التحالفات أو حشد التأييد تحت عناوين مختلفة، بما قد يخل بمبدأ تكافؤ الفرص، حتى وإن لم يشكّل مخالفة صريحة للقانون.
وأعرب عن خشيته من أن يؤدي ضيق الوقت المتاح للاستعداد للانتخابات إلى إضعاف النقاش حول البرامج البلدية الحقيقية، فتتقدم الاعتبارات العشائرية والشخصية على حساب الكفاءة والقدرة على الإنجاز.
ولا يعني ذلك، بحسب الفاعوري، التقليل من أهمية البنية الاجتماعية والعشائرية ودورها الوطني، لكنه أكد ضرورة أن تتسم الانتخابات البلدية بالمنافسة على أساس البرامج ورؤى النهوض بالمدن والبلديات، لا على أساس المواقع القيادية والمقاعد وحدها.
لكن الأخطر، بحسب وصفه، هو أن يؤدي استمرار التأخير والغموض المصاحب له إلى تدني نسب المشاركة في الانتخابات؛ فالمواطن الذي لا يجد أمامه صورة واضحة للمسار الانتخابي، ولا يشعر بوجود استعداد جاد ومنظم لهذه الاستحقاقات، قد يفقد شيئا من اهتمامه وثقته بجدوى المشاركة.
وفي حال انعكاس ذلك فعليا على نسب الاقتراع، دعا الفاعوري إلى التوقف عند هذه المسألة ودراستها؛ لأنها قد تعبّر عن موقف سلبي متنامٍ لدى شريحة واسعة من المواطنين تجاه الانتخابات ومؤسسات العمل المحلي.
وأكد أن البلديات لم تعد مجرد مؤسسات خدمية معنية بتعبيد الطرق وجمع النفايات وتنظيم الأسواق وإصدار التراخيص، وإنما ينبغي النظر إليها باعتبارها بيئة تنشأ فيها القيادات المجتمعية والسياسية والثقافية والفكرية.
فالعمل البلدي، كما يراه، يُعد بمثابة المدرسة الأولى لممارسة المسؤولية العامة، والميدان الذي يتعلم فيه الفرد فن الإدارة والحوار واتخاذ القرار، ويتعرف من خلاله، وعن قرب، على هموم المواطنين ومشكلاتهم اليومية وتطلعاتهم وقضاياهم المحلية.
وأشار إلى أن المجالس البلدية المنتخبة يجب أن تكون رافدا أساسيا لمجلس النواب ومؤسسات الدولة بالكفاءات والقيادات التي لا تتشكل في المكاتب المغلقة أو بعيدا عن المجتمع، وإنما من خلال معايشة قضايا المواطنين واحتياجاتهم وكسب ثقتهم نتيجة العمل والإنجاز.
أما على صعيد ثقة المواطن، فأكد الفاعوري أن استمرار الغموض لا يخدم العملية الانتخابية؛ إذ يتطلع المواطن إلى رؤية واضحة، وجدول زمني محدد، وإجراءات مستقرة وعادلة.
وفيما يتعلق بالتنسيق بين الجهات المعنية، رفض الفاعوري اعتبار التأخير بحد ذاته دليلا قاطعا على وجود خلل مؤسسي، مشيرا إلى احتمال وجود اعتبارات تشريعية أو فنية تستدعي مزيدا من الوقت.
ومع ذلك، شدد على أهمية إطلاع الرأي العام على أسباب التأخير والمدة الزمنية المتوقعة لصدور التعليمات، حتى يطمئن المواطنون إلى أن الجهات المعنية تعمل وفق خطة واضحة ومتكاملة.
ولا تعني هذه الدعوة، بحسب الفاعوري، التعجيل بإصدار التعليمات على حساب السلامة القانونية، وإنما استكمال إعدادها وإعلانها دون إبطاء، مع إتاحة الوقت الكافي أمام الجميع للاستعداد.
ويتطلع الفاعوري إلى أن يشهد الأردن عهدا من الانتخابات البلدية لا تنتهي مهمته بإعلان الفائزين، وإنما تمثل بدايته مسارا وطنيا يُنتج قيادات جديدة، ويجدد الحياة السياسية، ويعيد الاعتبار للمشاركة الشعبية.

الغد

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم