العمارات يكتب: التسليع الذاتي: لماذا التنافس بين الرجال والنساء في عالم يتغير؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 13119
العمارات يكتب: التسليع الذاتي: لماذا التنافس بين الرجال والنساء في عالم يتغير؟
الدكتور فارس العمارات

الدكتور فارس العمارات

من التعاون إلى التنافس، ومن القيمة إلى السعر


لم يعد السؤال المطروح في زماننا هو "من أنا؟" بل أصبح "ما هي قيمتي في عيون الآخرين؟". وهذا التغيير البسيط هو جوهر مفهوم التسليع الذاتي. وأن يتحول الشخص من كائن له قيمة ذاتية غير قابلة للقياس إلى مُنْتج يُعرض نفسه في سوق الانتباه. مُنتظراً التقييم والإعجاب والتفاعل. وكان لدةى كل منهما سابقاً أدوار واضحة الرجل والمرأة يتعاونان لبناء عائلة ومُجتمع. ولكن اليوم، في عالم مُتغير وسريع، أصبح كل من الرجل والمرأة مُتنافسين في نفس السوق، بنفس العملة: المظهر، النجاح، وعدد المُتابعين.

 


والتسليع الذاتي هو أن ترى نفسك كسلعة. لم يعد جسدك خاصاً بك، بل أصبح واجهة للعرض. لم تعد حياتك ملكك، بل مُحتوى لعرضه. ومشاعرك لم تعد لك. بل أصبحت شيئا يمكن استهلاكه والنقد عليه. ففي الماضي، كانت القيمة ذاتية: كنت طيباً، أميناً، مُجتهداً. لكن اليوم، أصبحت القيمة خارجية وقابلة للحساب: كم إعجاب؟ كم مُتابع؟ ما هي علامة ملابسي؟ أين سافرت؟ كيف يبدو جسدي؟ وهنا مكمن الخطر: عندما يصبح الرجل او المرأة المُنْتج، فإن كل منها يصبح دائماً قابلاً للاستبدال. فدائماً يوجد مُنْتج أفضل أصغر أغنى، وأكثر إثارة ،واليوم اصبح هناك ما يُسمى بإقتصاد الانتباه . فوسائل التواصل الاجتماعي لا تبيع لك سلعة، بل تبيع انتباهك للإعلانات، وليستمر كل منهما في جذب الانتباه، يجب أن يبقى في حالة مُقارنة مُستمرة. الخوارزميات لا تعرض عليه الأمور الأكثر حكمة، بل الأكثر جاذبية. لا تظهر الأكثر صدقاً، بل الأكثر قدرة على إثارة الغيرة والقلق. فتدخل في سباق لا ينتهي.

 


اما معنى الجمال فقبل عشرين عاماً، كان الجمال متنوعاً حسب الثقافات. لكن اليوم، هناك معيار واحد وجه واحد، جسد واحد يفرض على مليار امرأة. والأمر نفسه بالنسبة للرجل: سيارة فاخرة، ساعة سعرها باهض عضلات، سفر دائم. قالب واحد يفرض على الجميع، ومن لا ينتمي إليه يشعر بالنقص. فيما هناك انهيار في الأدوار التقليدية بدون بناء أدوار جديدة . فقد خرجت النساء للعمل والتعليم، وهذا إنجاز عظيم ويُحترم ويقدر كونها شريكة في التنمية . ولكن المُجتمع لم يُعيد تعريف الرجولة. فأصبح الرجل يشعر أن دوره كمُعيل مُهدد، والمرأة تشعر بأنها مُطالبة بأن تكون مثالية: موظفة ناجحة، أم مثالية، جميلة دائماً، ومبتهجة دائماً كلاهما مُهدد بالإرهاق.

 


وقد تم تحويل العلاقة إلى سوق: من خلال تطبيقات حولت الأشخاص إلى كتالوج. يتم تحريك الصور يميناً ويساراً كما يتم عرض المنتجات في متجر. هذا يعزز فكرة "دائماً يوجد خيار أفضل"، مما يفقد الناس القدرة على الالتزام والاستثمار في علاقة واحدة. وفي نفس الوقت هناك ضغوط مختلفة، ألم واحد . فعلى الرغم من أن المنافسة تبدو متشابهة، إلا أنها تؤثر على الرجل والمرأة بشكل مختلف: فضغط النساء: أن تكون مرئية ومرغوبة دائماً. اما الرسالة الخفية: فقيمتها تعتمد على الشباب والجمال والجاذبية. ويجب أن تكون صغيرة نحيفة، ببشرة وشعر مثاليين، والخوف الأكبر هو أن تُصبح غير مرئية، غير مرغوبة، "مُنتهية الصلاحية" وبالتالي، فإن تسليع الجسد هو الأكثر وضوحاً بين النساء. حتى نجاح المرأة المهني غالباً ما يتم تقييمه بناءً على مظهرها.

 


وما الى ذلك من ضغط الرجال: أن تكون دائماً ناجحاً وقوياً. فالرسالة الخفية: هي قيمة الرجل تعتمد على ما يُحققه وما يملكه، وينبغي أن يكون ثرياً، قوياً، غير عاطفي، ذا مكانة. أكبر خوفا أن يُعتبر فاشلاً، وأقل نجاحاً، أو غير كافٍ في تنفذ بعض الواجبات . لذا، يظهر التوجه نحو إنجاز الأمور بشكل واضح لدى الرجال. حتّى مشاعرهم ينبغي أن يخفوها ليبدوا "قويين". والنتيجة: كلاهما يجري في سباق قد لا ينتهي لإثبات قيمته بدلاً من أن يتواصلوا ويتبادلوا القيم.

 


اما النتيجة الحتمية: فهي الاستنزاف والضعف فاالاستنزاف النفسي: يتمثل في قلق دائم، كآبة، مشاكل تتعلق بالأكل، وصورة الجسم، وإحساس مُستمر بعدم الكفاية. لأنه مهما فعلت، دائماً يوجد شخص أفضل منه على إنستغرام. ضعف العلاقات: عندما يتعامل كل طرف مع الآخر كمنافس أو كحكم، وليس كشريك تموت العلاقة. الحُب يحتاج إلى أمان، والتنافس يٌسبب التهديد. وهنا يتم تحويل الشراكة إلى مُقارنة: من يجني أكثر؟ من هو الأجمل؟ من لديه مُتابعون أكثر؟ وعندها يكون هناك فقدان المعنى: عندها تُصبح القيمة مشروطة (أحبك إن كنت جميلاً، أحترمك إن كنت غنياً)، نفقد الحُب غير المشروط. كل شيء يتحول إلى صفقة. وتصبح الحياة فارغة لأنها مبنية على آراء الآخرين، وليس على القناعات الشخصية.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم