صندوق المخاطر الزراعية .. هل يحمي المزارع الأردني من الخسائر أم يكتفي بالتعويض بعدها؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 24991
صندوق المخاطر الزراعية ..  هل يحمي المزارع الأردني من الخسائر أم يكتفي بالتعويض بعدها؟

سرايا - لا تكمن مشكلات الزراعة في الأردن في الخسائر التي تفرضها التقلبات المناخية فحسب، بل أيضا في قدرة المزارع على تجاوز آثارها واستئناف الإنتاج، دون أن يتحول الموسم المتضرر، المليء بالخسائر، إلى أزمة مالية تمتد تداعياتها إلى المواسم اللاحقة.


فعندما تتلف المحاصيل أو تتضرر الثروة الحيوانية، لا يخسر المزارع محصولا ينتظره فحسب، بل قد يفقد رأس المال الذي استثمره في الإنتاج، ويجد نفسه أمام التزامات مالية لا تتوقف بتوقف الإنتاج، في وقت تتراجع فيه قدرته على تمويل دورة إنتاجية جديدة.
وهنا تبرز الحاجة إلى شبكة أمان زراعي لتعويض المتضررين، وتعزيز قدرة القطاع على امتصاص الصدمات، والحفاظ على استمرارية الإنتاج، والحد من خروج المزارعين من النشاط الزراعي تحت وطأة الخسائر المتكررة.
فالتعويض، على أهميته، لا يعني بالضرورة استعادة المزارع قدرته الإنتاجية. كما أن التدخل بعد وقوع الضرر لا يغني عن بناء منظومة تحدّ من احتمالات وقوعه وتخفف كلفته مسبقا.
وعموما، يمكن أن يشكّل قانون صندوق التكافل للحد من المخاطر الزراعية رقم (5) لسنة 2025، الذي يوفر إطارا قانونيا للتعامل مع المخاطر الزراعية، نقطة انطلاق لإنشاء هذه الشبكة. غير أن الاختبار الحقيقي لا يكمن في وجود التشريع وحده، بل في مدى انعكاسه على واقع المزارعين، وقدرته على نقل الحماية الزراعية من الاستجابة للخسائر بعد وقوعها إلى إدارة المخاطر بما يحفظ للمزارع قدرته على الاستمرار.
التعويض لا يعيد المزرعة
إلى الإنتاج تلقائيا
تتجاوز الخسارة الزراعية قيمة المحصول التالف؛ فالمزارع يكون قد أنفق على البذور والأسمدة والمبيدات والعمالة والمياه والطاقة، وربما يكون قد موّل جزءا من هذه النفقات بالاقتراض، متوقعا تحقيق إيرادات كان يمكن تحصيلها عند الحصاد. لكن عندما تضيع هذه الإيرادات، تبقى الالتزامات قائمة، بينما تتراجع قدرة المزارع على الوفاء بها وتمويل الموسم التالي.
وفي مثل هذه الحالات، قد لا يكون التعويض الجزئي كافيا لمنع تراجع الإنتاج؛ إذ قد يضطر المزارع إلى تقليص المساحة المزروعة، أو تأجيل الزراعة، أو الاستدانة مجددا، أو التخلي عن نشاط لم يعد قادرا على تحمل مخاطره.
وهكذا، تنتقل آثار الخسارة من موسم إلى دورة إنتاجية لاحقة، فتتراجع الجدوى الاقتصادية للمزرعة حتى بعد زوال الظرف الذي تسبب بالضرر. لذلك، ينبغي ألا يقتصر تقييم الحماية الزراعية على حجم المبالغ المصروفة أو عدد المستفيدين، بل أن يمتد أيضا إلى نتائج التعويض على أرض الواقع.
وإجمالا، لا تتحدد القيمة الحقيقية للتعويض بما يُدفع للمزارع وحده، وإنما بمدى قدرته على تقليص الفجوة بين وقوع الخسارة واستئناف النشاط الإنتاجي.
من يتحمل كلفة المخاطر الزراعية؟
لا يستطيع المزارع التحكم في الظواهر المناخية، كما تتفاوت قدرته على توقع شدتها والحد من آثارها بحسب طبيعة النشاط الزراعي والإمكانات المتاحة له. ومع ذلك، يمكن لجودة البنية التحتية، وتوافر أنظمة الإنذار المبكر، ومستوى الإرشاد الزراعي، وإمكانية الوصول إلى أدوات الوقاية والتمويل والتأمين، أن تساعد المزارعين على الحد من آثار هذه الظواهر.
وهذا يعني أن إدارة المخاطر الزراعية لا يمكن أن تترك المزارع وحده في مواجهة تبعاتها، كما لا ينبغي أن تتحمل الدولة كامل هذه التبعات من دون معايير واضحة. والمطلوب هو توزيع متوازن للمسؤوليات، يتخذ فيه المزارع ما يستطيع من تدابير وقائية، فيما توفر المؤسسات المعنية المعلومات والخدمات والأطر التنظيمية، وتتدخل آليات الحماية عند وقوع الأضرار وفق القواعد المعتمدة.
وتزداد أهمية هذا التوازن عندما تتعرض مناطق واسعة أو محاصيل متعددة لأضرار متزامنة، إذ قد ترتفع الحاجة إلى التعويضات في وقت واحد، بما يضع الموارد المتاحة أمام اختبار صعب.
وفي هذه الظروف، تصبح استدامة التمويل، ووضوح معايير الاستحقاق، وسرعة تقييم الأضرار، عناصر أساسية في قدرة المنظومة على حماية المزارعين وتمكينهم من مواصلة نشاطهم.
ولا يتعلق الأمر بتوسيع التعويضات بمعزل عن الإمكانات المتاحة، بل ببناء نظام قادر على تحديد المخاطر التي تستدعي التدخل، وتقدير الأضرار وفق أسس واضحة، وتوجيه الموارد إلى الحالات التي تحتاج إلى الحماية، بما يعزز ثقة المزارعين بجدوى المنظومة وقدرتها على الاستجابة.
عدالة الحماية لا تتحقق
بتوحيد المعاملة فقط
تختلف قدرة المزارعين على مواجهة الخسائر باختلاف حجم مزارعهم، ومواردهم المالية، وطبيعة المحاصيل التي ينتجونها، ومدى اعتمادهم على دخل الموسم الزراعي. فالمزارع الذي يمتلك احتياطيات مالية أو مصادر دخل أخرى ليس كمن يعتمد على محصوله لتغطية نفقاته المعيشية والإنتاجية.
كما أن خسارة محصول موسمي لا تخلّف الآثار نفسها التي تترتب على تضرر أشجار مثمرة تحتاج إلى وقت لاستعادة إنتاجيتها.
لذلك، لا تقتصر عدالة الحماية على تطبيق إجراءات موحدة، بل تستدعي وضع معايير تراعي طبيعة الضرر والنشاط الزراعي وشروط الاستفادة، في إطار أحكام التشريعات النافذة. كما تتطلب إجراءات واضحة وميسرة لتقديم الطلبات وتقييم الأضرار، وإتاحة المعلومات للمزارعين بشأن حقوقهم والتزاماتهم.
ولا يمكن الحكم على عدالة إجراءات الحكومة من دون معرفة الفئات التي تصل إليها الحماية، والفئات التي قد تواجه صعوبة في الاستفادة منها، والأسباب التي تحول دون ذلك. فوضوح الشروط وسهولة الوصول إلى الإجراءات لا يقلان أهمية عن توافر التمويل؛ لأن الحماية التي يصعب فهم آلياتها أو استكمال متطلباتها قد لا تحقق الغاية التي أُنشئت من أجلها.
من هنا، تبرز أهمية إخضاع نتائج الجهود الحكومية لدعم المزارعين للتقييم، ليس افتراضا بوجود خلل في توزيع التعويضات، بل للتحقق من أن قواعدها تستجيب لتنوع الأنشطة الزراعية واختلاف قدرة أصحابها على تحمل المخاطر.
حماية المزارع جزء من حماية الأمن الغذائي
غالبا ما يُتناول الأمن الغذائي من زاوية توافر السلع وأسعارها وقدرة المستهلك على شرائها، بينما تحظى استمرارية الإنتاج المحلي باهتمام أقل. لكن قدرة المزارع على مواصلة نشاطه تمثل حلقة أساسية في هذه المعادلة؛ إذ إن تكرار الخسائر التي يصعب تحملها قد يدفعه إلى تقليص إنتاجه، أو تغيير المحاصيل التي يزرعها، أو الانسحاب من النشاط الزراعي.
ولا يعني ذلك أن كل خسارة زراعية ستؤدي إلى نقص في المعروض أو زيادة في الاستيراد، لكن استمرار تراجع القدرة الإنتاجية قد يضعف مرونة القطاع في مواجهة الاضطرابات، ويحد من قدرته على تلبية الطلب المحلي في بعض المواسم.
كما أن استقرار الإنتاج يرتبط بقدرة المزارعين على التخطيط والاستثمار، لا بمجرد تجاوزهم للخسائر الطارئة. ومن ثم، فإن حماية المزارع تتطلب ربط سياسات التعويض بسياسات التمويل والإرشاد والتسويق وإدارة المياه، بدلا من التعامل مع كل خسارة باعتبارها واقعة منفصلة يمكن احتواء آثارها بتدخل مالي.
فالأمن الغذائي لا يتحقق بتوافر المنتجات في السوق في لحظة معينة فحسب، بل يتطلب الحفاظ على قاعدة إنتاجية قادرة على الاستمرار، وعلى مزارعين يمتلكون القدرة المالية والثقة اللازمتين لمواصلة الاستثمار في أراضيهم.
من معالجة الخسائر
إلى الوقاية منها
مهما بلغت أهمية التعويضات، فإنها ستظل أداة للتعامل مع نتائج المخاطر، ولن تتمكن من الحلول محل الوقاية والاستعداد. ومنظومة حماية المزارعين الأكثر فاعلية هي التي تجمع بين الإنذار المبكر والإرشاد الزراعي والتأمين والتدخل السريع وآليات التعافي، ضمن سياسة متكاملة تبدأ قبل وقوع الضرر ولا تنتهي عند صرف التعويض.
ويتطلب ذلك تطوير وسائل إيصال التحذيرات إلى المزارعين، وتعزيز قدرتهم على اتخاذ التدابير المناسبة، وتوسيع الخيارات التأمينية والتمويلية التي تتلاءم مع طبيعة الأنشطة الزراعية.
كما أن وضوح المخاطر المشمولة بالتغطية التأمينية، والاستثناءات، وشروط الاستحقاق، وآليات تقدير الضرر، يمكّن المزارع من اتخاذ قراراته على أساس معرفة مسبقة بحدود الحماية المتاحة.
وفي المحصلة، ينبغي التمييز بين الأضرار الناجمة عن الكوارث والظواهر المناخية، والخسائر المرتبطة بتقلبات الأسعار أو ارتفاع كلف الإنتاج أو صعوبات التسويق. فالأخيرة قد تهدد استمرارية المزرعة أيضا، لكنها تحتاج إلى أدوات مختلفة، ولا يمكن افتراض أن صندوق المخاطر الزراعية قادر وحده على معالجة التحديات الاقتصادية التي تواجه القطاع.
ولعل تكامل أدوات الحماية هو ما يمنحها فعاليتها؛ فالتعويض يعالج جانبا من الضرر، والتأمين يوزع بعض مخاطره، والوقاية تحد من احتمالات وقوعه وآثاره، فيما تساعد السياسات التمويلية والتسويقية على تعزيز قدرة المزارع على مواصلة الإنتاج.
قياس النجاح بما تحققه المنظومة
كانت وزارة الزراعة قد أعلنت، في 14 أيار (مايو) الماضي، تعويض نحو 320 مزارعا بمبلغ قدره 200 ألف دينار، جراء أضرار ناجمة عن أحوال جوية شهدتها المملكة نهاية العام الماضي وبداية العام الحالي. وشملت الأضرار الإنتاج النباتي والحيواني، بما في ذلك الأشجار المثمرة والخضراوات والمحاصيل الحقلية، ونفوق أعداد من المواشي والنحل والأسماك، وتضرر البيوت البلاستيكية.
وتؤكد هذه المعلومات وجود تدخل للتخفيف من آثار الخسائر، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على كفاية شبكة الأمان أو مدى شمولها. ويتطلب ذلك معرفة الحجم الإجمالي للأضرار، ونسبة التعويضات إلى الخسائر المقدرة، والمدة التي استغرقتها إجراءات التقييم والصرف، والنتائج التي حققتها التعويضات للمزارعين المتضررين.
وبالتالي، تبرز الحاجة إلى مؤشرات دورية واضحة تعلنها الحكومة لقياس أداء برامج الحماية الزراعية وأثرها، بما يشمل سرعة الاستجابة، وعدالة الوصول إلى التعويضات، واستدامة التمويل، وقدرة المزارعين على استئناف الإنتاج بعد وقوع الضرر.
كما أن إتاحة هذه المؤشرات للمزارعين يمكن أن تعزز الثقة بالمنظومة، وأن توفر للحكومة أساسا لتطويرها وتوجيه مواردها نحو الاحتياجات الأكثر إلحاحا.
فالمطلوب ليس الاكتفاء بإثبات أن التعويضات صُرفت، بل معرفة ما إذا كانت قد أدت الغرض منها، وما إذا كانت قد حدّت من انتقال الخسارة إلى الموسم التالي، وما إذا كانت أدوات الوقاية والتأمين تقلل بالفعل من حجم الضرر الذي يتحمله المزارع.
إن التحدي الذي تواجهه شبكة الأمان الزراعي في الأردن هو الانتقال من منطق الاستجابة للخسائر إلى منطق إدارة المخاطر، ومن قياس الأداء بحجم الإنفاق إلى تقييمه بقدرته على حماية استمرارية الإنتاج.
فنجاح منظومة حماية المزارعين لا يتحدد بما تدفعه بعد وقوع الكارثة فحسب، بل أيضا بما تساعد على تجنبه قبل وقوعه، وبقدرتها على منع خسارة الموسم من التحول إلى خسارة للمزرعة نفسها.
وفي قطاع ترتبط استدامته بقدرة المزارع على مواجهة المخاطر ومواصلة الاستثمار، تصبح شبكة الأمان الفاعلة أكثر من مجرد آلية للتعويض؛ إذ تمثل أداة يمكن أن تسهم في حماية الإنتاج المحلي، وتعزيز صمود المزارعين، وصون مستقبل الزراعة.

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم