العموش تكتب : غصن الزيتون .. حين تتكلم الذاكرة الشعرية

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 9087
العموش تكتب : غصن الزيتون ..  حين تتكلم الذاكرة الشعرية
ليالي العموش

ليالي العموش

كاتبة وشاعرة وباحثة أردنية
layalyalemosh@yahoo.com

ثمة أحداث ثقافية لا تُقاس بعدد مقاعدها الممتلئة، ولا بما يحيطها من أضواء واحتفاء، بل بما تُحدثه في الوجدان من أثر، وبما تزرعه في الروح من طمأنينة أن الذاكرة ما زالت بخير. ومن هذا النوع من الأحداث جاء مهرجان "غصن الزيتون" للشعر النبطي في جرش، ليحمل رسالة تتجاوز حدود الأمسية الشعرية إلى فضاء أرحب؛ فضاء الوفاء للموروث، والاعتزاز بالكلمة، والانتصار لصوتٍ عربي أصيل ظل قروناً طويلة يروي الحكاية ويحفظ الذاكرة.
في زمن تتسارع فيه التحولات وتتبدل فيه وسائل التعبير، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى المبادرات الثقافية التي تعيد الاعتبار للجذور. فالأمم لا تعيش بالمستقبل وحده، بل تستمد قوتها من قدرتها على صون ماضيها وفهمه وحمله معها إلى الآتي. ومن هنا تكتسب مثل هذه المهرجانات قيمتها الحقيقية، لأنها لا تستحضر الماضي بوصفه زمناً منقضياً، بل باعتباره جزءاً حياً من الحاضر وركناً أصيلاً من ملامح الهوية.
لقد ظل الشعر النبطي، عبر أجيال متعاقبة، ديواناً موازياً للحياة العربية. حمل أخبار الناس وأحلامهم، وسجل أفراحهم وأحزانهم، وحفظ القيم التي قامت عليها المجتمعات العربية من شهامة وكرم ووفاء ومحبة وانتماء. ولم يكن مجرد نصوص تُلقى في المجالس، بل كان صوتاً نابضاً بالحياة، وصورة صادقة للإنسان العربي في بيئته وتحولاته وتجاربه.
وحين تحتفي وزارة الثقافة متمثلة في مديرية ثقافة جرش، بالشعر النبطي، فإنها لا تستضيف مناسبة أدبية فحسب، بل تفتح نافذة واسعة على الذاكرة العربية. فهذه المدينة التي اعتادت أن تكون ملتقى للثقافة والفن والجمال، تؤكد مرة أخرى أن الإبداع الحقيقي لا يعرف حدوداً، وأن الكلمة الجميلة قادرة دائماً على جمع الناس حول قيم مشتركة تتجاوز المكان والزمان.
ولعل اختيار اسم "غصن الزيتون" يحمل من الرمزية ما يلامس روح المهرجان نفسه. فالزيتون ليس مجرد شجرة، بل حكاية استقرار وخصب وانتماء. وهو شاهد على تعاقب الأزمنة وبقاء الجذور راسخة في الأرض مهما تغيرت الفصول. وكأن المهرجان أراد أن يقول إن الشعر أيضاً يشبه غصن الزيتون؛ يمتد من الماضي لكنه لا يكف عن الإزهار، ويحمل في أوراقه ذاكرة المكان ونبض الإنسان.
وما أجمل أن يجتمع شعراء ومثقفون من أقطار عربية مختلفة تحت مظلة واحدة عنوانها القصيدة. فالثقافة تظل اللغة الأقدر على بناء الجسور بين الشعوب، والأكثر قدرة على جمع القلوب حول المعاني النبيلة. وعندما تلتقي الأصوات العربية في احتفاءها بالشعر، فإنها تؤكد أن ما يجمعها أكبر بكثير مما يفرقها، وأن الوجدان العربي ما زال قادراً على أن يجد نفسه في الكلمة الصادقة والإبداع الأصيل.

ومن أجمل محطات المهرجان اختياره الشاعر والفارس نمر بن عدوان شخصيةً لدورته الأولى. فبعض الأسماء لا تبقى حبيسة الكتب أو الذاكرة التاريخية، بل تتحول إلى جزء من الوجدان الشعبي. وما يزال نمر بن عدوان حتى اليوم حاضراً في ذاكرة الناس، لا لأنه كتب الشعر فحسب، بل لأنه عاشه وترك فيه من صدق التجربة ما جعله باقياً عبر الأجيال.
وحين يُذكر نمر بن عدوان، تحضر وضحة، وتحضر معها تلك المراثي التي لم تبرح الذاكرة العربية، وكأنها كُتبت بالأمس. يقول:

حي الجواب وحي من هو يعزين
حيه ثمانين ألف وألف عددها
حيه عدد ما ناح ورق البساتين
حيه عدد ما ناض بارق رعدها
كما أن مثل هذه الفعاليات تمنح الأجيال الشابة فرصة لاكتشاف الكنوز الثقافية التي ربما لم تتح لها فرصة التعرف إليها من قبل. فالشباب اليوم يعيشون في عالم واسع ومفتوح، وهو أمر إيجابي بلا شك، لكن الانفتاح الحقيقي لا يكتمل إلا إذا كان الإنسان راسخاً في هويته، واعياً بموروثه، قادراً على حمل تاريخه معه وهو يتقدم نحو المستقبل، ولعل الرسالة الأجمل التي يقدمها مهرجان غصن الزيتون هي أن الثقافة ليست ترفاً، بل ضرورة.
وفي النهاية، لا يبدو مهرجان غصن الزيتون للشعر النبطي مجرد حدث عابر في روزنامة الأنشطة الثقافية، بل خطوة مضيئة في طريق طويل عنوانه الوفاء للموروث العربي. إنه احتفاء بالشعر، نعم، لكنه أيضاً احتفاء بالإنسان العربي، بحكايته وصوته ووجدانه.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم