من "وين العانس" إلى "يا مكيودات " .. هل أصبحت الكلمات تقود الأردنيين إلى المحاكم؟

منذ 28 دقيقة
المشاهدات : 20028
من "وين العانس" إلى "يا مكيودات " ..  هل أصبحت الكلمات تقود الأردنيين إلى المحاكم؟

سرايا - رهام الخزاعلة - لم تعد التعليقات المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي مجرد كلمات عابرة في نظر كثيرين، بعدما أثارت قضايا الذم والقدح والتحقير جدلًا واسعًا، مع تداول أحكام قضائية تضمنت غرامات مالية على خلفية عبارات نُشرت إلكترونيًا، من بينها عبارة"  وين العانس "، إلى جانب عبارات أخرى مثل "يا مكيودات" و"حسبي الله ونعم الوكيل".

وتفتح هذه القضايا باب التساؤل حول الحد الفاصل بين حرية التعبير والمساءلة القانونية: هل يمكن أن تقود كلمة واحدة صاحبها إلى المحاكم، أم أن المسؤولية تتوقف على السياق الذي وردت فيه، وطبيعة العبارة، والشخص المقصود بها؟

وفي حديثه لـ"سرايا"، أوضح المحامي الدكتور صخر الخصاونة أن الكلمة لا تُقيّم بمعزل عن سياق استخدامها، مشيرًا إلى أن المشرّع الأردني عالج جرائم الذم والقدح والتحقير في قانون العقوبات، فيما تخضع هذه الأفعال عند ارتكابها عبر الوسائل الإلكترونية لأحكام قانون الجرائم الإلكترونية.

متى تتحول الكلمة إلى جرم؟

وبيّن الخصاونة أن المادة 188 من قانون العقوبات عرّفت الذم بأنه إسناد مادة معينة إلى شخص من شأنها النيل من شرفه وكرامته أو تعريضه لبغض الناس واحتقارهم، فيما يُقصد بالقدح الاعتداء على كرامة الغير أو شرفه أو اعتباره من دون إسناد واقعة معينة إليه.

أما التحقير، فقد تناولته المادة 190، ويشمل صورًا من السب أو الإهانة التي تقع بالكلام أو الحركات أو الكتابة غير العلنية وغيرها من الوسائل التي حددها القانون.

وأضاف أن العبرة في تقييم العبارة تكمن في مدى مساسها بشرف الشخص واعتباره، والظروف التي قيلت فيها، ومدى انطباق أركان الجرم عليها، وليس في مجرد استخدام كلمة بعينها.

"وين العانس" و"يا مكيودات".. ماذا يقول القانون؟

وعن العبارات التي أثارت نقاشًا واسعًا عبر مواقع التواصل، أوضح الخصاونة أن عبارة "وين العانس" قد تشكّل قدحًا أو تحقيرًا إذا وُجّهت إلى امرأة محددة بقصد الانتقاص من كرامتها أو السخرية منها، وفقًا لظروف الواقعة وتقدير المحكمة.

أما عبارة "يا مكيودات" ، فقد تُستخدم في سياق عام أو على سبيل المزاح، لكنها قد تحمل معنى مسيئًا إذا وُجّهت إلى أشخاص محددين أو أمكن التعرف إليهم من خلال القرائن المحيطة بالنشر. وأشار الخصاونة إلى أن تقييمها بوصفها خطاب كراهية ضد المرأة يتطلب النظر في مضمون المنشور وظروفه والنص القانوني المنطبق، ولا يُحسم بمجرد ورود الكلمة وحدها.

وفي المقابل، فإن عبارة "حسبي الله ونعم الوكيل "هي في أصلها دعاء مشروع، ولا تشكّل بذاتها ذمًا أو قدحًا أو تحقيرًا، بحسب الخصاونة. لكن اقترانها باتهامات أو عبارات مسيئة بحق شخص معين قد يستدعي تقييم تلك العبارات في ضوء أحكام القانون.

هل يشترط ذكر اسم الشخص؟

وأوضح الخصاونة أن الأصل هو تحديد الشخص الذي وُجّه إليه الذم أو القدح، لكن عدم ذكر اسمه صراحة لا يمنع بالضرورة من الملاحقة إذا وجدت قرائن واضحة لا تترك مجالًا للشك في تحديد الشخص المقصود وطبيعة الإساءة.

وأشار إلى أن المادة 188/3 من قانون العقوبات عالجت هذه الحالة، بما يعني أن المنشور العام قد يخضع للتقييم القانوني إذا أمكن، من خلال سياقه والقرائن المحيطة به، تحديد الشخص المستهدف.

هل تكفي الشكوى لثبوت الجرم؟

وأكد الخصاونة أن تقديم الشكوى لا يعني ثبوت الجرم تلقائيًا، إذ تتطلب القضية السير في الإجراءات القانونية اللازمة، وقد تستلزم اتخاذ صفة الادعاء بالحق الشخصي وفقًا للأصول القانونية المنطبقة.

وأضاف أن على المشتكي تقديم ما يدعم ادعاءه، فيما تتولى المحكمة بحث الأدلة والظروف المحيطة بالفعل ومدى توافر الأركان القانونية اللازمة، لتبقى الكلمة الفصل للقضاء.

غرامات تصل إلى 20 ألف دينار

وفيما يتعلق بالعقوبات، أشار الخصاونة إلى أن المادة 15 من قانون الجرائم الإلكترونية تنص على معاقبة من ينشر أو يعيد إرسال بيانات أو معلومات عبر الوسائل الإلكترونية تتضمن ذمًا أو قدحًا أو تحقيرًا لشخص، بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر أو بغرامة لا تقل عن 5 آلاف دينار ولا تزيد على 20 ألف دينار، أو بكلتا العقوبتين، متى ثبتت الجريمة وتوافرت شروط تطبيق النص القانوني.

وتأتي هذه العقوبات في وقت أثارت فيه أحكام متداولة إعلاميًا، من بينها قضية العبارة التي جرى تداولها بصيغة "وين العانس"، تساؤلات بين الأردنيين حول الكلفة القانونية للتعليقات والمنشورات، وما إذا كانت العبارات اليومية قد تتحول إلى سبب للمساءلة القضائية.

أين تنتهي حرية التعبير ويبدأ التجريم؟

وفي ما يتعلق بحرية التعبير، أوضح الخصاونة أن حرية الرأي والتعبير حق دستوري، لكنها لا تعني إباحة الاعتداء على الحياة الخاصة أو الإساءة إلى الأشخاص وسمعتهم.

وبيّن أن النقد المباح يقوم على خمسة عناصر أساسية، هي: الاستناد إلى واقعة ثابتة، وأن يكون التعليق مرتبطًا بها، وأن يتناول موضوعًا يهم الجمهور، وأن تُستخدم فيه عبارات ملائمة، وأن يصدر بحسن نية وبهدف خدمة المصلحة العامة.

وأضاف أن النقد لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للشتم أو التجريح، كما لا يجوز اتخاذ الاهتمام بالشأن العام ذريعة للتعرض للحياة الخاصة، إلا في الحدود التي تقتضيها صلتها بالشأن العام.

واختتم الخصاونة نصيحته للمواطنين بالدعوة إلى تجنب الكتابة في لحظات الغضب، والتفكير في مضمون التعليق قبل نشره، والتساؤل عمّا إذا كان يتناول تصرفًا أم يسيء إلى شخص، وما إذا كان يتضمن رأيًا أم اتهامًا يمس سمعة الآخرين وكرامتهم.

كما دعا إلى الابتعاد عن الأوصاف الشخصية الجارحة والاتهامات غير المثبتة، وعدم الانجرار إلى المهاترات الإلكترونية أو الرد على الإساءة بإساءة مماثلة.

وبين حرية التعبير والمسؤولية القانونية، تبقى الرسالة الأساسية أن ليس كل تعبير جارح جريمة تلقائيًا، كما أن عدم ذكر الاسم لا يمنع المساءلة في جميع الحالات؛ فالسياق والقرائن والأدلة والنص القانوني هي ما يحدد المسار، والمحكمة هي صاحبة القرار النهائي.

 

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم