د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: انتبهي أيتها الحكومة!

منذ 3 ساعات
المشاهدات : 32103
د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: انتبهي أيتها الحكومة!
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

حين وقف جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في الثاني والعشرين من أيلول 2026، كان يلفت أنظار العالم إلى خطورة ما نختار تجاهله، ويذكّر قادته بأن الانتباه لم يعد مجرد شأن معرفي، بل مسؤولية سياسية وأخلاقية، وأن «ما نهمله اليوم، غالبًا ما يشكل مستقبلنا». وإذا كان جلالته قد دعا العالم إلى الانتباه لما يغفل عنه، فإن من حقنا أن نقول لحكومتنا: انتبهي أيتها الحكومة! انتبهي إلى ما يحدث خلف الأرقام المطمئنة، وإلى ما لا تقوله تقارير الإنجاز، وإلى تلك الطبقة الوسطى التي تحمل الاقتصاد على كتفيها، بينما تضيق عليها الحياة يومًا بعد يوم. فالمواطن الذي يدفع الضرائب والرسوم، ويعلّم أبناءه، ويسدد أقساطه، لم يعد مسؤولًا عن أسرته وحدها؛ بل أصبح يعيل أخاه العاطل، ويسند قريبه المحتاج، ويتحمل أحيانًا تكاليف اجتماعية وصحية كان ينبغي أن تخففها برامج أكثر فاعلية. وهكذا تتراجع بعض النفقات عن دفاتر الحكومة، لتظهر ديونًا في دفاتر المواطنين! والمفارقة أن الموظف الذي يقوم بدور صندوق المعونة ومؤسسة الإقراض وجمعية التكافل، يظل أول من تتذكره الحكومة عندما تبحث عن إيرادات إضافية!

وانتبهي إلى حكاية الاستثمار، تلك الكلمة التي أصبحت عند بعضهم مفتاحًا لكل امتياز! فما إن يفتتح أحدهم مشروعًا حتى يبدأ تعداد أفضاله على البلد، وكأنه يتبرع بأرباحه لا يستثمر طلبًا لها. يطالب بالتسهيلات والإعفاءات، بينما يتحايل بعضهم على الضرائب وقانون العمل، ويبحث عن العامل الأقل كلفة ولو على حساب الكفاءة الوطنية. ثم نراه في مقدمة المحتفلين بالمناسبات الوطنية؛ أعلام وخطابات وصور عن الانتماء، حتى إذا جاء موعد الالتزامات، أصبحت الوطنية قابلة للتفاوض! وحاشا أن نعمم؛ فهناك مستثمرون وطنيون يستحقون التقدير، لكن الاستثمار ليس منّة على الوطن، بل شراكة ينتفع فيها المستثمر من الأمن والأسواق والطرق والخدمات التي ساهم المواطن في تمويلها. أليس من غرائب الاقتصاد أن يدفع المواطن من ضرائبه ثمن الطريق الذي تصل منه أرباح المستثمر، ثم يُطلب منه أن يشكره لأنه استثمر؟! فالمطلوب أن تقيس الحكومة الاستثمار بما يصنعه من وظائف، وما يدفعه من أجور وضرائب، لا بعدد حفلات الافتتاح وصور المصافحات.

وانتبهي أيضًا إلى ما يجري في المجتمع والإدارة؛ فليس كل من يتصدر المجالس ممثلًا للناس، ولا كل من يقترب من أصحاب القرار صاحب رأي يستحق أن يصنع به قرارًا. هناك من جعلوا الوجاهة الاجتماعية مهنة، والعلاقات استثمارًا، والحديث باسم المواطن طريقًا إلى امتيازات لم يفوضهم بها أحد. ظاهر بعضهم أنه يقدم الكثير، بينما لم يقدم للمجتمع نصف ما حصل عليه من فرص ومنافع. والخطورة ليست في وجود الانتهازيين، فهم موجودون في كل مجتمع، وإنما في أن يجدوا من يمنحهم سلطة التأثير، ويستمع إلى مقترحاتهم وكأنها صوت الناس، ثم يجعلهم شركاء في رسم الخطط وتوزيع الفرص! فكيف ننتظر معالجة البطالة ممن يجد في المحسوبية مصدرًا لمكانته؟ وكيف نحارب قوى الشد العكسي إذا سمحنا لها بالمشاركة في قيادة الإصلاح؟ وحتى حكاية خلط الكاز بالسولار، طمعًا بفارق السعر، تستحق قراءة تتجاوز تحرير المخالفات؛ فالمخالفة لا تُبرر بالضائقة، لكن الضائقة أيضًا لا تُعالج بالمخالفة وحدها. وعلى الحكومة أن تميز بين المحتاج والمتحايل، وأن تحمي الدعم من الاستغلال دون أن تغفل الضغوط التي تثقل كاهل الناس.

انتبهي أيتها الحكومة، فنحن مع الوطن ومؤسساته، ومع حكومة تملك شجاعة التفكير خارج الصندوق، وتصنع فرص العمل بدل الاكتفاء بإعلانها، وتحارب المحسوبية بدل التعايش معها. ولسنا بحاجة إلى مزيد من الخطابات عن فضائل الاستثمار، ولا إلى من يطمئننا بأن الأرقام بخير بينما الأسر تستدين لتبقى بخير. نحتاج إلى مراجعة الإعفاءات، ومحاسبة المتهربين، وحماية العامل، وإتاحة الفرصة للكفاءات، وقياس ما يصل إلى المواطن من نتائج السياسات. والانتماء المسؤول لا يعني مجاملة المقصر، كما أن نقد الحكومة ليس خصومة معها؛ فالمؤسسات لا تضعف حين تُكشف أخطاؤها، وإنما حين تعرفها وتؤجل إصلاحها. ولعل أول ما يستحق انتباه الحكومة أن المواطن لا يطلب منها أن تتحمل عنه مسؤولياته، بل أن تكف عن تحميله مسؤوليات الآخرين.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم