حرب النمل الأبدية تحصد ملايين القتلى .. ما القصة؟

منذ 39 دقيقة
المشاهدات : 9380
حرب النمل الأبدية تحصد ملايين القتلى ..  ما القصة؟
سرايا - تخوض مستعمرات عملاقة من النمل الأرجنتيني في منطقة سان دييغو بولاية كاليفورنيا الأمريكية صراعا مستمرا منذ عقود، تسقط خلاله ملايين النملات، فيما تبقى الحدود بين المستعمرات المتنافسة شبه ثابتة، في مشهد يثير تساؤلات العلماء بشأن طبيعة الحروب في عالم الحشرات وأسباب استمرارها.
وعلى الرغم من الفارق الهائل بين عالم النمل والحروب البشرية، فإن هذا الصراع يكشف أوجه تشابه لافتة، إذ تتكبد الأطراف خسائر متواصلة من دون تحقيق تقدم واضح أو انتزاع أراضٍ جديدة.
النمل الأرجنتيني.. غزو امتد إلى العالم
يعود هذا الصراع إلى نوع من النمل يُعرف باسم النمل الأرجنتيني (Linepithema humile)، وهو نوع موطنه الأصلي أمريكا الجنوبية، لكنه انتشر إلى مناطق مختلفة من العالم نتيجة حركة التجارة والشحن الدولي، خلال القرن التاسع عشر أو قبله.
ويتميز هذا النمل بقدرته على تكوين مستعمرات واسعة، وبسلوكه العدواني تجاه المستعمرات المنافسة. ويعتمد أفراده على الإشارات الكيميائية والروائح للتعرف على أفراد مستعمراتهم وتمييزهم عن النمل الذي ينتمي إلى مجموعات أخرى.
وساعد انخفاض التنوع الجيني لدى مجموعات النمل الأرجنتيني التي انتقلت إلى مناطق جديدة على نشوء مستعمرات مترابطة تتعامل فيما بينها بدرجة كبيرة من التعاون. ففي هذه البيئات، يمكن لأعشاش متعددة، تضم ملكات مختلفة، أن تعمل ضمن مستعمرة عملاقة واحدة بدلًا من الدخول في صراعات داخلية.
لكن انتشار هذه المستعمرات في مناطق جغرافية مختلفة أدى إلى نشوء وضع أكثر تعقيدا، عندما التقت مجموعات عملاقة تطورت بصورة منفصلة، وأصبحت تتنافس على الأراضي والموارد، وفقا لموقع "flscience".
خمس مستعمرات عملاقة تتنافس في كاليفورنيا
كشفت دراسة نُشرت عام 2006 في مجلة «علم البيئة الجزيئية» عن وجود خمس مستعمرات عملاقة متنافسة من النمل الأرجنتيني في جنوب كاليفورنيا.
وتمتد أكبر هذه المستعمرات على طول نحو ألف كيلومتر من الساحل، بينما تسيطر مستعمرات أصغر على مناطق محددة، بعضها بحجم المدن. وتفصل بين مناطق النفوذ هذه حدود واضحة قد لا تتجاوز المسافة بينها بضعة أمتار.
وعندما يلتقي النمل القادم من مستعمرات متنافسة، تتحول الحدود إلى ساحات اشتباك عنيفة، إذ يهاجم الأفراد بعضهم بعضًا في معارك قد تتسبب في سقوط أعداد هائلة من القتلى.
وبحسب نتائج الدراسة، رصد الباحثون معارك بين المستعمرات العملاقة خلال نحو 40% من زياراتهم الميدانية، وبلغ متوسط الخسائر قرابة 15 ألف نملة في المعركة الواحدة.
وسجلت إحدى المواجهات الحدودية قرب بحيرة هودجز، شمال سان دييغو، خسائر قدرت بما لا يقل عن 15 مليون نملة عاملة، خلال فترة دراسة امتدت ستة أشهر.
وتشير هذه الأرقام إلى حجم الصراع الذي يمكن أن ينشأ عند التقاء المستعمرات المتنافسة، وإن كانت تقديرات الخسائر الإجمالية على امتداد المنطقة وعقود من المواجهات غير محسومة بصورة مباشرة.
جبهة ثابتة وخسائر متواصلة
لا تقتصر غرابة هذه الحرب على حجم الخسائر، بل تمتد إلى طبيعة المواجهات نفسها. فقد لاحظ الباحثون أن الحدود بين المستعمرات ظلت شبه ثابتة خلال فترة الدراسة، رغم الاشتباكات المتكررة.
وكانت خطوط التماس تتحرك أحيانا ذهابا وإيابا، لكن أيا من الأطراف لم يحقق تقدما مستمرا يتيح له السيطرة على أراضٍ جديدة.
ويذكّر هذا الجمود، من بعض الوجوه، بحرب الخنادق على الجبهة الغربية خلال الحرب العالمية الأولى، حين تكبدت القوات المتحاربة خسائر كبيرة بينما بقيت مواقعها وخطوط المواجهة ثابتة لفترات طويلة.
لماذا لا يتوقف القتال؟
تتمثل إحدى النقاط المثيرة للاهتمام في غياب ما يعرف لدى علماء سلوك الحيوان باسم «تأثير العدو العزيز»، وهو نمط سلوكي تصبح فيه الحيوانات أقل عدوانية تجاه منافسين مجاورين اعتادت وجودهم، مقارنة بأفراد غرباء عنها.
وفي بعض الأنواع، يمكن أن يسهم هذا السلوك في تخفيف المواجهات على الحدود، ويساعد على نشوء مناطق فاصلة يقل فيها العنف بين الجماعات المتجاورة.
لكن النمل الأرجنتيني لا يُظهر هذا النمط بالضرورة بالطريقة نفسها. وقد أشار عالم الأحياء مارك دبليو موفيت، في مقال نشرته مجلة «ساينتفيك أمريكان» عام 2011، إلى أن هذا النوع يتميز باستمرار عدوانه تجاه المستعمرات المنافسة.
وفي موطنه الأصلي بأمريكا الجنوبية، تتنافس مستعمرات النمل الأرجنتيني في بيئات مثل السهول الفيضية، حيث يمكن لارتفاع المياه أن يوقف المواجهات مؤقتًا. أما في المناطق التي لا تتوافر فيها ظروف مماثلة، فقد يستمر التنافس من دون انقطاع واضح.
ويساعد هذا السلوك على تفسير استمرار الاشتباكات، لكنه لا يعني أن الحرب محكومة بالاستمرار إلى الأبد؛ إذ يمكن أن تتغير الحدود والظروف البيئية وأحجام المستعمرات بمرور الوقت.
هل ما زالت الحرب مستمرة؟
رغم الاهتمام العلمي الذي حظيت به هذه الظاهرة، فإن الوضع الراهن للمستعمرات المتنافسة في سان دييغو لا يزال غير واضح، وفقا للمادة الأصلية، التي تشير إلى غياب دراسات ميدانية أكاديمية حديثة تتناول الصراع نفسه.
ولا يُعرف على وجه الدقة ما إذا كانت الحدود قد تغيرت منذ الدراسة المنشورة عام 2006، أو ما إذا كانت موازين القوى بين المستعمرات قد تبدلت، أو ما إذا كانت المواجهات لا تزال تحدث بالمعدلات نفسها.
وتبقى هذه المواجهات مثالا لافتا على تعقيد المجتمعات الحيوانية، إذ يمكن لمستعمرات صغيرة من حيث حجم أفرادها أن تنشئ شبكات واسعة، وتخوض صراعات طويلة تستنزف أعدادا كبيرة منها.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم