ذاكرة السجاد

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 7836
ذاكرة السجاد

عاطف أبـوحجر

لا أذكر أنه كان في بيتنا «سجاد أرضي» بالمعنى المتعارف عليه… كنا في منتصف السبعينات نكتفي بحصيرة من القش، تُفرش على الأرض وتُعتبر قمّة الرفاهية آنذاك. ثم دخلنا الثمانينات، فاستبدلنا القش بحصيرة بلاستيكية ملوّنة، تلتصق برطوبة الشتاء وتصدر صريراً عند المشي عليها، لكننا كنّا نشعر وكأننا نعيش في قصر من ألف ليلة وليلة.

أما السجاد الحقيقي، فمكانه لم يكن تحت الأقدام، بل فوق الرؤوس وعلى الجدران! نعم، سجاد زمان لم يكن يُفرش على الأرض، بل يُعلّق على الحيطان وزوايا الغرف، ليؤدي دوراً عجيباً: زينة، وتدفئة بصرية، وأحياناً لوحة فنية منافسة للمتاحف العالمية.

السجاد الذي كان يروي لنا الحكايات.

تأمل معي تلك الرسومات التي زيّنت بيوتنا:

غزلان تركض في غابة خيالية وكأنها تهرب من واقعنا الاقتصادي.

طاووس ضخم ينفش ريشه متباهياً على الحائط، ليبقى رمز الفخامة المنزلية.

مصارع مفتول العضلات يتحدى ثوراً هائجاً… لوحة لم يفهمها أحد، لكنها كانت تثير الرهبة في الضيوف.

صور لمكة المكرمة والمدينة المنورة، تحمل قدسية خاصة وتذكّر العائلة بالروحانية وسط دخان الصوبة.

ومناظر طبيعية لجبال وأنهار وشلالات، كانت تمنحنا «سياحة منزلية بلا تكاليف» ونحن جالسون على الحصيرة.

كان للسجاد المعلّق على الحائط رائحة خاصة، مزيج من غبار السنين، ودخان الكاز، ورطوبة الشتاء. رائحة بمجرد أن تشمّها اليوم تعود بك إلى حضن بيت الطفولة، إلى دفء الجلسات العائلية، إلى زمن بسيط خالٍ من تعقيدات «الديكور العصري».

اليوم نعلّق على الحيطان ساعات رقمية ولوحات تجريدية، وندوس على أفخر أنواع السجاد، لكننا فقدنا تلك المتعة البسيطة في الجلوس والتأمل. لم يعد لدينا ذلك الطاووس المتكبر، ولا ذلك الغزال الذي يركض بلا وجهة، ولا حتى الثور الهائج الذي كان يحرس غرفة الضيوف من الملل.

سجاد زمان لم يكن مجرد خيوط وألوان، بل كان لوحة تُزيّن الروح قبل الجدار. كان علامة فارقة في بيوت البساطة، ومفتاحاً لذاكرة ما زالت حتى اليوم تعبق برائحة الحنين.

وحين يتسلّل زمهرير الشتاء، وأنت جالس في بيتك المزوّد بأحدث وسائل الراحة، تذكّر أن بيتك القديم، بسجادته المعلّقة على الحائط وحصيرته المفروشة على الأرض، كان أدفأ بكثير… على الأقل في القلب.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم