عندما يختلف الناس حول الحضانة أو النفقة أو الميراث، كثيرًا ما يستشهد كل طرف برأي قرأه أو منشور شاهده على مواقع التواصل الاجتماعي. وقد يعتقد أحدهم أن هذا الرأي وحده يكفي للحكم على صحة القانون أو خطئه. لكن هل تكفي قراءة منشور أو الاستشهاد برأي فقهي حتى نفهم المسألة كاملة؟
الحقيقة أن قضايا الأسرة ليست مجرد نصوص نقرأها، بل حقوق والتزامات ووقائع يعيشها الناس، وأحكام تُطبَّق على حالات تختلف من أسرة إلى أخرى. ولهذا فإن فهم أي قضية يحتاج إلى معرفة الحكم الشرعي، وقراءة النص القانوني كاملًا، وفهم ظروف الواقعة التي يُراد تطبيق الحكم عليها.
ومن هنا تبدأ أهمية التمييز بين ثلاثة أمور: رأي فقهي قد يأخذ به عالم ويخالفه آخر، ونص قانوني نافذ ينظم حقوق الناس والتزاماتهم، وحكم قضائي يصدر في قضية محددة بناءً على وقائعها وأدلتها. وهذه أمور مترابطة، لكنها ليست شيئًا واحدًا.
هل يعني اختلاف القانون مع رأي فقهي أن القانون يخالف الشريعة؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من فهم طبيعة المسألة نفسها. فهناك أحكام ثبتت بأدلة قطعية، وهناك مسائل اجتهد فيها العلماء وتعددت آراؤهم بشأنها. وفي المسائل الاجتهادية، قد يأخذ المشرّع برأي فقهي معين وينظمه في نص قانوني واضح، مراعيًا ما يراه محققًا للمصلحة ضمن الأصول الشرعية والقانونية المعتبرة.
لذلك، لا يكفي أن نقول إن حكمًا قانونيًا يختلف عن رأي فقهي حتى نحكم عليه بأنه مخالف للشريعة، كما لا يكفي أن ننسب حكمًا إلى الشريعة حتى نعدّ ذلك دليلًا كافيًا على صحة كل تفاصيله. بل لا بد من معرفة الدليل، وفهم وجه الاستدلال، وتحديد طبيعة المسألة، والنظر في النص القانوني وسياقه وآثاره.
ولنأخذ مثالًا من قضايا الأسرة.
قد يقرأ أحد الوالدين رأيًا فقهيًا حول الحضانة، ثم يعتقد أن هذا الرأي وحده يحدد النتيجة في كل حالة. لكن القضية التي تصل إلى المحكمة قد تتضمن وقائع وأدلة وظروفًا تحتاج إلى التحقق، كما أن الفصل فيها يخضع للنصوص القانونية النافذة والقواعد التي تحكم تطبيقها. فالرأي الفقهي، والنص القانوني، والحكم القضائي ليست مترادفات، وإن كانت بينها صلات مهمة.
وينطبق الأمر كذلك على النفقة. فالمطالبة بحق مالي لا تُفهم بمجرد تداول رقم أو رأي عام؛ إذ يتطلب الأمر معرفة الأحكام القانونية ذات الصلة، والوقائع التي تؤثر في تقدير الحق، والإجراءات اللازمة للمطالبة به وتنفيذه. وهنا تظهر أهمية الجمع بين المعرفة الشرعية والفهم القانوني والإدراك العملي لظروف الأسرة.
إن القانون الذي ينظم شؤون الأسرة لا يُكتب في فراغ، ولا يُطبَّق بعيدًا عن واقع الناس. فهو ينظم علاقات وحقوقًا والتزامات، ويضع قواعد يحتاج إليها القاضي والمتقاضي معًا. ومن ثم، فإن فهمه يتطلب قراءة النص ضمن المنظومة التشريعية كاملة، لا اقتطاع مادة واحدة ثم بناء حكم شامل عليها.
وهذا لا يعني أن التشريعات فوق النقد أو أن كل اختيار تشريعي صحيح لمجرد صدوره. فمن حق الباحث والمختص والمواطن أن يناقشوا النصوص، وأن يسألوا عن أسسها وآثارها، وأن يقترحوا تطويرها. لكن النقد المسؤول يختلف عن إطلاق الأحكام؛ فهو يستند إلى معرفة النص، وفهم أساسه الشرعي والقانوني، ودراسة أثره في الحقوق والواجبات، بدلًا من الاكتفاء بانطباع أو منشور متداول.
ومن واقع التعامل مع قضايا الأسرة، تبدو الحاجة ملحّة إلى التمييز بين النص القانوني النافذ، والفتوى الشرعية، والرأي الشخصي، والمعلومة المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي. فليس كل ما يُنشر حقيقة قانونية، وليس كل رأي فقهي نصًا ملزمًا، وليست كل قضية متشابهة في ظاهرها متطابقة في وقائعها وأدلتها.
وعندما تصل القضية إلى المحكمة، فإن الفصل فيها لا يقوم على الشعارات أو الانطباعات المسبقة، وإنما على الوقائع والأدلة والنصوص القانونية واجبة التطبيق، وفق الإجراءات والأصول المقررة. وهذه هي أهمية القضاء في تحويل القواعد العامة إلى أحكام تتصل بوقائع محددة، مع صون الحقوق ومراعاة الضمانات القانونية.
إن حماية الأسرة ليست مسؤولية القانون وحده، ولا تتحقق بمجرد ترديد الأحكام الشرعية دون فهم، بل تحتاج إلى وعي مجتمعي، ومعرفة صحيحة، وحوار هادئ، وتشريعات تُناقش على أساس علمي، وتطبيق قضائي يلتزم أحكام القانون.
وفي النهاية، ليس المطلوب أن يختار المجتمع بين الشريعة والقانون، أو أن تتحول قضايا الأسرة إلى ساحة مواجهة بين أنصارهما. المطلوب أن نفهم العلاقة بينهما فهمًا دقيقًا، وأن نميز بين النص والاجتهاد، وبين الرأي والحكم، وأن نجعل حقوق الأسرة وأفرادها محور النقاش.
فحين نناقش قضايا الأسرة بعلم وعدل، ونختلف فيها بأدب ومسؤولية، ونبتعد عن الأحكام المتسرعة، نكون أقرب إلى حماية الأسرة وصون الحقوق وتحقيق العدالة. فالمعرفة تفتح باب الفهم، والحوار المسؤول يقرّب وجهات النظر، والعدل يظل الغاية التي ينبغي أن يجتمع عليها الجميع.
الدكتور أمين الرواشدة يكتب: الشريعة والقانون والأسرة: كيف نفهم العلاقة بينها؟
منذ 2 ساعة
المشاهدات :
12132
الدكتور أمين الرواشدة
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
02
04
05
آخر الأخبار
كُتاب سرايا
د. ذوقان عبيدات يكتب: وزارة التربية: ٥+٣
منذ 2 ساعة
كُتاب سرايا
النائب عبد الباسط الكباريتي يكتب: زيارة الملك إلى ماليزيا .. علاقات راسخة ومواقف ثابتة وفرص تستحق البناء عليها
منذ 6 ساعات
كُتاب سرايا
رشا سفيان الأحمد يكتب: الشاشات سرقت صبر أبنائنا .. جيلٌ لا يحتمل الانتظار
منذ 7 ساعات
كُتاب سرايا
د. جاسر عبد الرزاق النسور يكتب: دولة الرئيس .. هل آن أوان مراجعة أداء الفريق الوزاري؟
منذ 7 ساعات
أخبار فنية
فن
تطورات جديدة في دعوى منتجة ضد محمد رمضان بسبب أغنية "أنا مليونير"
منذ 1 ساعة
فن
هنا الزاهد تعلن عن مفاجأة مميزة باختيارها سفيرة Maybelline في مصر
منذ 4 ساعات
فن
أشرف زكي يستعيد موقفاً مؤثراً لأحمد زكي في دار المسنّين
منذ 6 ساعات
فن
رئيس مهرجان القاهرة يتراجع عن دفاعه حول بوستر الدورة الـ47 بعد انتقادات ملامح شادية
منذ 7 ساعات
فن
منة فضالي محط اهتمام الجمهور بتوثيق لحظاتها الخاصة مع أحمد السقا
منذ 8 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
الأردن يستعد لأكبر مشاركة في تاريخه من حيث تنوع الرياضات بأولمبياد الشباب - داكار 2026
منذ 44 دقيقة
رياضة
قبل الكلاسيكو .. ريال مدريد يرعب الاتحاد الإسباني
منذ 1 ساعة
رياضة
مفاجأة .. من هو مكتشف عواد أمان لاعب النصر السعودي؟
منذ 1 ساعة
رياضة
بعدما وصفه بالحاكم المستبد .. محامي جيسوس يستقيل من صحيفة رونالدو
منذ 2 ساعة
رياضة
نقل المباريات المقررة على ملعب السلط بالدوري الأردني للمحترفين لأعمال الصيانة
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
منوعات من العالم
على العالم تجنب الخلاف في ضبط عقارب الساعة على القمر
منذ 39 دقيقة
منوعات من العالم
احذر تصفح الهاتف في الفراش مستلقياً بالعتمة
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
شاهد بالفيديو .. دموع واحتجاجات في أذربيجان .. السلطات تحرم “المحجبات” من الدراسة
منذ 3 ساعات
منوعات من العالم
مدير مدرسة في مصر يستعرض مهاراته في الفنون القتالية أمام الطلاب خلال الطابور الصباحي - فيديو
منذ 6 ساعات
منوعات من العالم
السجن المؤبد لـ”دكتور فود” وشركائه - تفاصيل
منذ 7 ساعات
الرجاء الانتظار ...
التعليقات