الدكتور أمين الرواشدة يكتب: الشريعة والقانون والأسرة: كيف نفهم العلاقة بينها؟

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 12132
الدكتور أمين الرواشدة يكتب: الشريعة والقانون والأسرة: كيف نفهم العلاقة بينها؟
الدكتور أمين الرواشدة

الدكتور أمين الرواشدة

عندما يختلف الناس حول الحضانة أو النفقة أو الميراث، كثيرًا ما يستشهد كل طرف برأي قرأه أو منشور شاهده على مواقع التواصل الاجتماعي. وقد يعتقد أحدهم أن هذا الرأي وحده يكفي للحكم على صحة القانون أو خطئه. لكن هل تكفي قراءة منشور أو الاستشهاد برأي فقهي حتى نفهم المسألة كاملة؟

الحقيقة أن قضايا الأسرة ليست مجرد نصوص نقرأها، بل حقوق والتزامات ووقائع يعيشها الناس، وأحكام تُطبَّق على حالات تختلف من أسرة إلى أخرى. ولهذا فإن فهم أي قضية يحتاج إلى معرفة الحكم الشرعي، وقراءة النص القانوني كاملًا، وفهم ظروف الواقعة التي يُراد تطبيق الحكم عليها.

ومن هنا تبدأ أهمية التمييز بين ثلاثة أمور: رأي فقهي قد يأخذ به عالم ويخالفه آخر، ونص قانوني نافذ ينظم حقوق الناس والتزاماتهم، وحكم قضائي يصدر في قضية محددة بناءً على وقائعها وأدلتها. وهذه أمور مترابطة، لكنها ليست شيئًا واحدًا.

هل يعني اختلاف القانون مع رأي فقهي أن القانون يخالف الشريعة؟

للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من فهم طبيعة المسألة نفسها. فهناك أحكام ثبتت بأدلة قطعية، وهناك مسائل اجتهد فيها العلماء وتعددت آراؤهم بشأنها. وفي المسائل الاجتهادية، قد يأخذ المشرّع برأي فقهي معين وينظمه في نص قانوني واضح، مراعيًا ما يراه محققًا للمصلحة ضمن الأصول الشرعية والقانونية المعتبرة.

لذلك، لا يكفي أن نقول إن حكمًا قانونيًا يختلف عن رأي فقهي حتى نحكم عليه بأنه مخالف للشريعة، كما لا يكفي أن ننسب حكمًا إلى الشريعة حتى نعدّ ذلك دليلًا كافيًا على صحة كل تفاصيله. بل لا بد من معرفة الدليل، وفهم وجه الاستدلال، وتحديد طبيعة المسألة، والنظر في النص القانوني وسياقه وآثاره.

ولنأخذ مثالًا من قضايا الأسرة.

قد يقرأ أحد الوالدين رأيًا فقهيًا حول الحضانة، ثم يعتقد أن هذا الرأي وحده يحدد النتيجة في كل حالة. لكن القضية التي تصل إلى المحكمة قد تتضمن وقائع وأدلة وظروفًا تحتاج إلى التحقق، كما أن الفصل فيها يخضع للنصوص القانونية النافذة والقواعد التي تحكم تطبيقها. فالرأي الفقهي، والنص القانوني، والحكم القضائي ليست مترادفات، وإن كانت بينها صلات مهمة.

وينطبق الأمر كذلك على النفقة. فالمطالبة بحق مالي لا تُفهم بمجرد تداول رقم أو رأي عام؛ إذ يتطلب الأمر معرفة الأحكام القانونية ذات الصلة، والوقائع التي تؤثر في تقدير الحق، والإجراءات اللازمة للمطالبة به وتنفيذه. وهنا تظهر أهمية الجمع بين المعرفة الشرعية والفهم القانوني والإدراك العملي لظروف الأسرة.

إن القانون الذي ينظم شؤون الأسرة لا يُكتب في فراغ، ولا يُطبَّق بعيدًا عن واقع الناس. فهو ينظم علاقات وحقوقًا والتزامات، ويضع قواعد يحتاج إليها القاضي والمتقاضي معًا. ومن ثم، فإن فهمه يتطلب قراءة النص ضمن المنظومة التشريعية كاملة، لا اقتطاع مادة واحدة ثم بناء حكم شامل عليها.

وهذا لا يعني أن التشريعات فوق النقد أو أن كل اختيار تشريعي صحيح لمجرد صدوره. فمن حق الباحث والمختص والمواطن أن يناقشوا النصوص، وأن يسألوا عن أسسها وآثارها، وأن يقترحوا تطويرها. لكن النقد المسؤول يختلف عن إطلاق الأحكام؛ فهو يستند إلى معرفة النص، وفهم أساسه الشرعي والقانوني، ودراسة أثره في الحقوق والواجبات، بدلًا من الاكتفاء بانطباع أو منشور متداول.

ومن واقع التعامل مع قضايا الأسرة، تبدو الحاجة ملحّة إلى التمييز بين النص القانوني النافذ، والفتوى الشرعية، والرأي الشخصي، والمعلومة المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي. فليس كل ما يُنشر حقيقة قانونية، وليس كل رأي فقهي نصًا ملزمًا، وليست كل قضية متشابهة في ظاهرها متطابقة في وقائعها وأدلتها.

وعندما تصل القضية إلى المحكمة، فإن الفصل فيها لا يقوم على الشعارات أو الانطباعات المسبقة، وإنما على الوقائع والأدلة والنصوص القانونية واجبة التطبيق، وفق الإجراءات والأصول المقررة. وهذه هي أهمية القضاء في تحويل القواعد العامة إلى أحكام تتصل بوقائع محددة، مع صون الحقوق ومراعاة الضمانات القانونية.

إن حماية الأسرة ليست مسؤولية القانون وحده، ولا تتحقق بمجرد ترديد الأحكام الشرعية دون فهم، بل تحتاج إلى وعي مجتمعي، ومعرفة صحيحة، وحوار هادئ، وتشريعات تُناقش على أساس علمي، وتطبيق قضائي يلتزم أحكام القانون.

وفي النهاية، ليس المطلوب أن يختار المجتمع بين الشريعة والقانون، أو أن تتحول قضايا الأسرة إلى ساحة مواجهة بين أنصارهما. المطلوب أن نفهم العلاقة بينهما فهمًا دقيقًا، وأن نميز بين النص والاجتهاد، وبين الرأي والحكم، وأن نجعل حقوق الأسرة وأفرادها محور النقاش.

فحين نناقش قضايا الأسرة بعلم وعدل، ونختلف فيها بأدب ومسؤولية، ونبتعد عن الأحكام المتسرعة، نكون أقرب إلى حماية الأسرة وصون الحقوق وتحقيق العدالة. فالمعرفة تفتح باب الفهم، والحوار المسؤول يقرّب وجهات النظر، والعدل يظل الغاية التي ينبغي أن يجتمع عليها الجميع.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم