أ.د. سلطان المعاني يكتب: المدنية الزائفة

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 16870
أ.د. سلطان المعاني يكتب: المدنية الزائفة
أ.د. سلطان المعاني

أ.د. سلطان المعاني

عندما نشاهد أمام الشاشات أطفالاً يخرجونهم من تحت الركام، يحملون سؤالاً واحداً يتجاوز قدرتنا على الكلام: ماذا فعلتم بكل ما تعلمتموه؟ خلفه بيت سُحق، أمامه كاميرا تلتقط خوفه، وحوله أصوات تبحث عن أسماء أصحابها. تتسع المفارقة بين هذا المشهد وبين المنتديات والمؤتمرات التي تتحدث عن التقدم وكرامة الإنسان، هنا يصبح سؤال المدنية موضوعًا للمساءلة. فأي معنى للمعرفة إذا بلغ الإتقان في صناعة الموت حدًّا يفوق الإتقان في حماية الحياة؟ وأي قيمة للعمران يستطيع أن يهدم أعمارًا كاملة في لحظة؟ فمع قدرة المجتمعات على إبراز علامات تقدمها في العمران والجامعات والمختبرات وشبكات الاتصال، ومنح نفسها شهادات التفوق استنادًا إلى قدرتها على الإنتاج والتنظيم والسيطرة. ورغم أنها تحمل قيمة حقيقية، غير أن قيمتها الإنسانية تتحدد بطريقة استخدامها، وبالحدود التي تفرضها على القوة. تظهر المأساة عندما تتحول المعرفة إلى خدمة القتل، وتصبح الإدارة مهارة في تنظيم الحصار، وتغدو دقة التقنية قدرة على إصابة غرفة في بيت ينام فيه أطفال. عند ذلك ينكشف مقدار الخلل في تعريف التقدم، وفي المعيار الذي يمنح أصحابه حق تعليم الآخرين معنى التحضر.


تبلغ كذبة المدنية مداها عندما نشاهد الجريمة مع قدرتنا على إيقافها، أم منع تكرارها ولكن نستمر في ارتكابها. وعندما تصبح صور الموت على الشاشات فور وقوعها سبقاً صحفياً أو إعلامياً، وتُعرف أسماء الضحايا، وتُرى الوجوه، وتُسمع استغاثات المحاصرين، وتُحصى المستشفيات التي خرجت من الخدمة، عندها تصبح المعرفة متاحة، بينما تُستهلك الإرادة في حسابات المصالح. يمر الزمن هنا على نحو مختلف؛ ساعة في اجتماع سياسي تقابل عمرًا تحت الأنقاض، ويوم من المداولات يعني أيامًا من الجوع والخوف لمن ينتظرون أثر القرار.


ولعل المهزلة المأساوية أن تخضع الضحية لامتحان لغوي قاسٍ؛ فتُستبدل بالقتل عبارات عابرة، يُختزل اقتلاع الناس في ترتيبات أمنية، تُحجب مسؤولية الفاعل خلف جمل مبنية للمجهول. يصل الخبر إلى المتلقي وقد نُزعت منه حرارة الإنسان وثقل الجريمة. تؤدي هذه اللغة وظيفة سياسية وأخلاقية؛ تمنح القوة وقتًا إضافيًا، وتمنح الجمهور مسافة مريحة، وتحوّل المأساة إلى مادة قابلة للتداول. هكذا تُقتل الحياة مرة بالقذيفة، وتُمحى ملامحها عندما يُعرض أصحابها أرقامًا عابرة في موجز الأخبار.


يكشف الدمار عن فهم مبتور للإنسان، وتتفاوت قيمة الدم بحسب الجغرافيا والهوية والتحالف، فيصبح التعاطف جزءًا من نظام القوة نفسه. تحمل هذه الانتقائية أثرًا أبعد من الواقعة؛ تهدم الثقة في اللغة المشتركة، وتجعل الحديث عن الحقوق عرضة للشك، وتترك الأجيال أمام عالم يطلب منها الإيمان بمبادئ يعلّق تطبيقها عند أول تعارض مع منفعة الأقوياء.
يمتد الموت إلى ما يبقى حيًّا. ينجو الطفل حاملًا أصوات الانفجارات إلى نومه، وتنجو الأم وقد تحولت حياتها إلى بحث عن قبر، وينجو البيت في ذاكرة أصحابه بعدما زال من الأرض. تُصاب علاقة الإنسان بالمستقبل، تتقلص قدرته على الاطمئنان، يصبح الباب احتمالًا للخطر، والسماء مصدرًا للتهديد. يحتاج هذا الخراب إلى زمن طويل من الرعاية والإنصاف كي تبدأ الحياة باستعادة توازنها. أما إعادة البناء بالحجر وحده فتترك داخل الجدران الجديدة بشرًا يعيشون في أنقاضهم القديمة.
تقتضي مواجهة هذه الفضيحة إعادة النظر في معنى المدنية ذاته. تُقاس المدنية بقدرة المؤسسات على تقييد العنف، وبمقدار الحماية التي توفرها لمن يفتقرون إلى القوة، وباستعدادها لتحميل المسؤولية لأصحاب القرار مهما ارتفعت مكانتهم. يظهر الاختبار في السجن والمعبر والمستشفى ومخيم النزوح، وفي اللحظة التي يستطيع فيها صاحب السلطة أن يقتل ثم تختار المؤسسة ردعه. يمنح هذا الفهم المنجز العلمي والاجتماعي غايته، ويصل التقدم بمصير الناس الذين يفترض أن يخدمهم.


يحمل المثقف والإعلامي والأكاديمي مسؤولية خاصة أمام هذا الانهيار؛ يستطيع كل منهم أن يحفظ للجريمة اسمها، وللضحية وجهها، وللتاريخ شهادته. تبدأ المسؤولية من مقاومة التبلد، ومن إخضاع الروايات لمعيار الدليل، ومن رفض تحويل التفوق التقني إلى تفوق أخلاقي تلقائي. تحتاج المجتمعات إلى تربية تجعل حياة الإنسان قيدًا على الطموح السياسي، وتربط النجاح بمقدار الأذى الذي جرى منعه. يتحول الصمت، مع تكرار الفظائع، إلى عادة اجتماعية تسمح للموت بأن يتمدد داخل الحس العام.


تبدأ استعادة معنى المدنية من قرارات يمكن امتحان أثرها: حماية المدنيين، إيصال الغذاء والدواء، فتح سبل النجاة، توثيق الجرائم، ومحاسبة المسؤولين عنها. تمنح هذه الأفعال الكلمات وزنها، وتعيد وصل القانون بحياة الناس. يحتاج الناجي إلى عدالة تسند ذاكرته، وإلى اعتراف يرد إليه مكانه بين البشر. يحتاج العالم بدوره إلى مؤسسات تستطيع أن تقف في وجه من يملك السلاح والمال والنفوذ. هناك، في مقدار ما تنقذه من حياة، تتحدد صدقية المدنية التي تعلنها هذه المؤسسات.


ينظر الطفل الخارج من الركام إلى أيدٍ تمتد نحوه. في تلك اللحظة تتكثف المسألة كلها: قدرة بشرية سببت الخراب، وقدرة بشرية تحاول انتشاله. يتوقف مستقبل المدنية على اليد التي يمنحها العالم سلطته وموارده وثقته. يستحق الإنسان أن يجد، بعد كل هذا التاريخ، أرضًا يأمن عليها وبيتًا يعود إليه. يستحق أن يكبر أطفاله، وأن تبقى أسماء أحبته أسماء أحياء. أمام هذا الحق البسيط والعميق تُختبر حضارة العالم، وتنكشف كذبتها كلما استمر الموت تحت حمايتها.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم