في محاضرته الشهيرة حول العدالة في جامعة هارفارد، يروي البروفيسور مايكل ساندل قصة تبدو أقرب إلى الخيال. ففي عام 2001 كانت الحكومة التشيكية تدرس رفع الضرائب على السجائر، فبادرت إحدى شركات التبغ المعروفة إلى تكليف مؤسسة استشارية بدراسة الأثر المالي للتدخين على الخزينة العامة للدولة.
جاءت النتيجة صادمة، بأن التدخين يحقق للدولة ربحاً صافياً يقارب 147 مليون دولار سنوياً، ولم يكن مصدر هذا الربح من عوائد الضرائب وحدها، بل من الوفاة المبكرة للمدخنين. فبحسب الدراسة فإن الدولة سوف توفّر ما كانت ستنفقه على تقاعدهم ورعايتهم الصحية وسكنهم في الشيخوخة،
ثار الرأي العام حينها واضطرت الشركة إلى الاعتذار. لكن ساندل لم يروِ هذه القصة ليدين شركة تبغ فحسب، بل ليُرينا ما يمكن أن يحدث حين نختزل حياة الإنسان في جدول أرباح وخسائر.
أستعيد هذه القصة اليوم ونحن نتابع الجدل حول السماح بتقديم الأرجيلة داخل المطاعم والمقاهي، بحجة تشجيع السياحة وجذب الاستثمار وإنقاذ قطاع يعاني. وأنا هنا لا أشكك في صعوبة ظروف هذا القطاع، فالمنطقة برمتها تمر بأوقات عصيبة، والعاملون فيه أبناؤنا وأرزاقهم تهمّنا جميعاً.
لكن الحجة في جوهرها تعيد إنتاج حساب شركة التبغ تلك بلغة أكثر دبلوماسية، لكن ذلك لا يطمس الحقيقة بأن أي دخلٌ إضافي نحققه اليوم من عائدات التبغ، هو فاتورة صحية مؤجلة ندفعها لاحقاً، علما أن هذه الفاتورة لن تُدفع بالدنانير وحدها، بل بأعمار الناس وصحتهم.
كما أن التجارب الدولية لا تسند هذا الادعاء، فعندما قامت إيرلندا بسن قانون لمنع التدخين في الأماكن المغلقة عام 2004، توقّع أصحاب المطاعم والحانات خرابا لم يقع. وأظهرت دراسات متتالية أن إيرادات قطاع الضيافة لم تتراجع، بل استقطبت المطاعم زبائن جدداً كانوا يتجنبونها بسبب الدخان.
والسائح الذي نريد استقطابه يأتي في الغالب من بلدان تحظر التدخين في الأماكن المغلقة منذ زمن، فالعائلة الأوروبية أو الخليجية التي تبحث عن مطعم في عمّان لن تختار قاعة يغطيها الدخان، ومن يرغب بالأرجيلة يجدها في الشرفات والساحات المفتوحة.
لا نملك في الأردن ترف التجربة، فجميع الإحصاءات الدولية تصنفنا من ضمن الدول الأكثر استخداما لمنتجات التبغ وهذا ما نلمس نتائجه مركز الحسين للسرطان يوميا من خلال التزايد الملحوظ في أعداد حالات السرطان المرتبطة بالتدخين.
ناهيك عن أن قانون الصحة العامة الأردني يحظر التدخين في الأماكن العامة المغلقة، والأردن من أوائل الدول التي صادقت على الاتفاقية الإطارية لمنظمة الصحة العالمية بشأن مكافحة التبغ، وهذه الاتفاقية تُلزمنا بحماية الناس من التدخين السلبي، وتلزمنا كذلك بحماية السياسات الصحية من تأثير مصالح صناعة التبغ. والسؤال الذي يستحق أن يُطرح بوضوح: من المستفيد الحقيقي من فتح الأبواب المغلقة أمام الأرجيلة؟ قطعا ليس العامل الشاب الذي يقضي ثماني ساعات يومياً في قاعة مشبعة بالدخان، ولا الطفل الذي يرافق أسرته إلى العشاء، فحمايتهما ليست ترفاً تنظيمياً، بل حقا أساسيا في بيئة عمل وبيئة عامة آمنة.
دعم قطاع السياحة والمطاعم واجب، وهناك أدوات كثيرة لذلك، من خلال منح حوافز ضريبية، وتسهيلات في الترخيص، وتوسيع الجلسات الخارجية، وحملات ترويج ذكية. أما أن نشتري بضعة دنانير إضافية بصحة العاملين والزبائن، فهذا هو الحساب ذاته الذي اعتذرت عنه شركة التبغ في القصة التي افتتحت بها هذا المقال.
جاءت النتيجة صادمة، بأن التدخين يحقق للدولة ربحاً صافياً يقارب 147 مليون دولار سنوياً، ولم يكن مصدر هذا الربح من عوائد الضرائب وحدها، بل من الوفاة المبكرة للمدخنين. فبحسب الدراسة فإن الدولة سوف توفّر ما كانت ستنفقه على تقاعدهم ورعايتهم الصحية وسكنهم في الشيخوخة،
ثار الرأي العام حينها واضطرت الشركة إلى الاعتذار. لكن ساندل لم يروِ هذه القصة ليدين شركة تبغ فحسب، بل ليُرينا ما يمكن أن يحدث حين نختزل حياة الإنسان في جدول أرباح وخسائر.
أستعيد هذه القصة اليوم ونحن نتابع الجدل حول السماح بتقديم الأرجيلة داخل المطاعم والمقاهي، بحجة تشجيع السياحة وجذب الاستثمار وإنقاذ قطاع يعاني. وأنا هنا لا أشكك في صعوبة ظروف هذا القطاع، فالمنطقة برمتها تمر بأوقات عصيبة، والعاملون فيه أبناؤنا وأرزاقهم تهمّنا جميعاً.
لكن الحجة في جوهرها تعيد إنتاج حساب شركة التبغ تلك بلغة أكثر دبلوماسية، لكن ذلك لا يطمس الحقيقة بأن أي دخلٌ إضافي نحققه اليوم من عائدات التبغ، هو فاتورة صحية مؤجلة ندفعها لاحقاً، علما أن هذه الفاتورة لن تُدفع بالدنانير وحدها، بل بأعمار الناس وصحتهم.
كما أن التجارب الدولية لا تسند هذا الادعاء، فعندما قامت إيرلندا بسن قانون لمنع التدخين في الأماكن المغلقة عام 2004، توقّع أصحاب المطاعم والحانات خرابا لم يقع. وأظهرت دراسات متتالية أن إيرادات قطاع الضيافة لم تتراجع، بل استقطبت المطاعم زبائن جدداً كانوا يتجنبونها بسبب الدخان.
والسائح الذي نريد استقطابه يأتي في الغالب من بلدان تحظر التدخين في الأماكن المغلقة منذ زمن، فالعائلة الأوروبية أو الخليجية التي تبحث عن مطعم في عمّان لن تختار قاعة يغطيها الدخان، ومن يرغب بالأرجيلة يجدها في الشرفات والساحات المفتوحة.
لا نملك في الأردن ترف التجربة، فجميع الإحصاءات الدولية تصنفنا من ضمن الدول الأكثر استخداما لمنتجات التبغ وهذا ما نلمس نتائجه مركز الحسين للسرطان يوميا من خلال التزايد الملحوظ في أعداد حالات السرطان المرتبطة بالتدخين.
ناهيك عن أن قانون الصحة العامة الأردني يحظر التدخين في الأماكن العامة المغلقة، والأردن من أوائل الدول التي صادقت على الاتفاقية الإطارية لمنظمة الصحة العالمية بشأن مكافحة التبغ، وهذه الاتفاقية تُلزمنا بحماية الناس من التدخين السلبي، وتلزمنا كذلك بحماية السياسات الصحية من تأثير مصالح صناعة التبغ. والسؤال الذي يستحق أن يُطرح بوضوح: من المستفيد الحقيقي من فتح الأبواب المغلقة أمام الأرجيلة؟ قطعا ليس العامل الشاب الذي يقضي ثماني ساعات يومياً في قاعة مشبعة بالدخان، ولا الطفل الذي يرافق أسرته إلى العشاء، فحمايتهما ليست ترفاً تنظيمياً، بل حقا أساسيا في بيئة عمل وبيئة عامة آمنة.
دعم قطاع السياحة والمطاعم واجب، وهناك أدوات كثيرة لذلك، من خلال منح حوافز ضريبية، وتسهيلات في الترخيص، وتوسيع الجلسات الخارجية، وحملات ترويج ذكية. أما أن نشتري بضعة دنانير إضافية بصحة العاملين والزبائن، فهذا هو الحساب ذاته الذي اعتذرت عنه شركة التبغ في القصة التي افتتحت بها هذا المقال.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات