نوفل يكتب: عندما زار الملك المؤسس عبدالله الأول قلقيلية .. زيارة بقيت في ذاكرة المدينة

منذ 59 دقيقة
المشاهدات : 10139
 نوفل يكتب: عندما زار الملك المؤسس عبدالله الأول قلقيلية ..  زيارة بقيت في ذاكرة المدينة
الصيدلي عدوان قشمر نوفل

الصيدلي عدوان قشمر نوفل

تحتفظ مدينة قلقيلية في ذاكرتها التاريخية بصفحات مشرقة من العلاقات الأردنية الفلسطينية، ومن أبرزها زيارة الملك المؤسس عبدالله الأول بن الحسين إلى المدينة عام 1950، في مرحلة دقيقة من تاريخ فلسطين، أعقبت حرب عام 1948 واتفاقيات الهدنة عام 1949، وما رافقها من تحولات سياسية وجغرافية عميقة أثرت في حياة الفلسطينيين ومستقبل مدنهم وقراهم.

لم تكن تلك الزيارة مجرد مناسبة رسمية عابرة، بل حملت دلالات وطنية وسياسية وإنسانية، خصوصًا أن قلقيلية كانت من المدن الحدودية التي دفعت ثمنًا باهظًا للتحولات التي أعقبت النكبة، بعدما فقدت مساحات واسعة من أراضيها الزراعية نتيجة ترسيم خطوط الهدنة، وأصبحت على تماس مباشر مع إسرائيل، وسط مخاوف حقيقية على مستقبل المدينة وهويتها العربية.

وتشير الروايات التاريخية المحلية وشهادات أبناء المدينة إلى أن أهالي قلقيلية خرجوا لاستقبال الملك عبدالله الأول بحفاوة كبيرة، وزُيّنت الشوارع بالأعلام الأردنية والأقواس الترحيبية، واصطف طلاب المدارس حاملين الأعلام وباقات الزهور وصور الملك، في مشهد جسّد عمق الروابط التاريخية والوجدانية بين الأردنيين والفلسطينيين.

وكان في مقدمة المستقبلين الحاج عبد الرحيم السبع، رئيس المجلس المحلي آنذاك، إلى جانب وجهاء المدينة ومخاتير القرى المجاورة وعدد من الشخصيات الوطنية. وقد استضاف الحاج السبع الملك المؤسس في منزله، في مناسبة بقيت تفاصيلها حاضرة في ذاكرة العائلات القلقيلية التي عايشت تلك المرحلة.

كما ألقى شاعر قلقيلية الأستاذ حسن الأحمد الحسن، المعروف بأبي سفيان، قصيدة ترحيبية عبّر فيها عن مشاعر الأهالي وهموم فلسطين وما أصابها من نكبة وضياع، لتكون الكلمات الشعرية شاهدًا آخر على الظروف الوطنية التي أحاطت بالزيارة.

ومن أبرز المواقف التي حفظتها الذاكرة الشعبية لقلقيلية ما يُروى عن لقاء الحاج عبد الرحيم السبع بالملك عبدالله الأول في سياق المباحثات التي سبقت تثبيت خطوط الهدنة عام 1949، حين حمل السبع مخاوف أبناء مدينته من احتمال ضمها إلى إسرائيل، وطالب بالحفاظ على عروبتها وأراضيها.

وجاء رد الملك المؤسس، وفق الرواية التاريخية المتداولة، مخاطبًا الحاج عبد الرحيم السبع: «يا سبع، ستبقى قلقيلية عربية».

ولم تكن هذه العبارة مجرد وعد سياسي في ظرف استثنائي، بل تحولت في ذاكرة الأهالي إلى رمز للتمسك بالمدينة وهويتها، في وقت كانت فيه خرائط المنطقة تُعاد صياغتها، وتعيش المدن الفلسطينية على وقع القلق من فقدان الأرض والمصير.

وتكتسب زيارة الملك المؤسس أهميتها أيضًا من توقيتها، إذ جاءت في العام الذي شهد إعلان وحدة الضفتين في الرابع والعشرين من نيسان 1950، لتشكل إحدى المحطات البارزة في التاريخ المشترك بين الأردن وفلسطين، وتعكس المكانة التي احتلتها قلقيلية ضمن الاهتمام الهاشمي بالمدن والقرى الفلسطينية.

ومن الملك المؤسس إلى الملك الحسين... ذاكرة تتواصل

لم تتوقف العلاقة التاريخية بين قلقيلية والقيادة الهاشمية عند زيارة الملك المؤسس، بل امتدت في عهد حفيده الملك الحسين بن طلال.

في عام 1956، حين تعرضت المدينة لهجوم عسكري إسرائيلي واسع استهدف مخفرها وكل البلد ومواقع الدفاع عنها، ودارت مواجهات عنيفة وغير متكافئة شارك فيها جنود الجيش العربي الأردني معركه طاحنة .وكان الملك حسين يتابع الاحداث و يشيد بصمود المدافعين من الجيش العربي وأبناء المدينة والحرس الوطني، وسقط خلالها عشرات الشهداء.

وقد شكّلت معركة قلقيلية واحدة من المحطات المؤلمة والمشرّفة في تاريخ المدينة، بما شهدته من تضحيات جسيمة وصمود في مواجهة قوة عسكرية متفوقة في العدد والعتاد.

وتحتفظ الروايات والصور التاريخية المرتبطة بتلك المرحلة بذكرى المخفر الذي تعرض للدمار، فيما تتداول الذاكرة المحلية روايات عن تفقد الملك الحسين للمخفر الذى شهد مواجهات شرسه ولمواقع المدينة المتضررة و زيارة الجرحى في مستشفى الوكالة و زياره الجنود البواسل و ذلك في ثاني يوم للمعركه. وتبقى تفاصيل هذه الزيارة وتاريخها الدقيق من الوقائع التي تستحق مزيدًا من التوثيق،.
ولم تكن معركة قلقيلية حدثًا عسكريًا منفصلًا عن تاريخ العلاقة الأردنية الفلسطينية، بل جسدت حقيقة التضحيات المشتركة، حين امتزجت دماء جنود الجيش العربي الأردني بدماء أبناء المدينة دفاعًا عن الأرض والأهل.

ولا تزال قلقيلية تحتفظ برفات شهداء الجيش العربي الذين ارتقوا في الدفاع عنها، وبأسماء رجالها الذين حملوا السلاح ووقفوا في مواجهة الاعتداءات، وتم عمل نصب تذكاري لهم في صوفين لتبقى تلك التضحيات جزءًا من سجل المدينة الوطني وتاريخها الإنساني ويبرز التضحيات المشتركه
قلقيلية... ذاكرة الوفاء والتاريخ المشترك

وكانت الزيارة الثانيه لجلالته 1962
مرحلة اتسمت بتصاعد الاعتداءات الإسرائيلية على المناطق الحدودية، وما رافقها من تحديات أمنية وإنسانية.
وقد استقبل أهالي قلقيلية الملك الحسين بحفاوة كبيرة، كما فعلوا مع جده الملك المؤسس، تعبيرًا عن عمق العلاقة التي ربطت المدينة بالقيادة الهاشمية والجيش العربي الأردني.
وتحتفظ الذاكرة المحلية بشهادات حية عن استقبال الملك الحسين، ومنها اصطفاف طلاب المدرسة السعدية والمدرسة الابتدائية التي عُرفت لاحقًا باسم مدرسة المرابطين، للمشاركة في الترحيب بجلالته
إن استحضار زيارتي الملك المؤسس عبدالله الأول والملك الحسين بن طلال إلى قلقيلية لا يهدف إلى تسجيل مناسبتين ملكيتين في تاريخ المدينة فحسب، وإنما إلى قراءة مرحلة كاملة من التاريخ الأردني الفلسطيني، كانت فيها قلقيلية شاهدًا على التحولات السياسية والعسكرية، وعلى صلابة الروابط التي جمعت الشعبين.
ففي زيارة الملك المؤسس تجلت معاني الحفاظ على الهوية العربية والتمسك بالأرض، وفي زيارة الملك الحسين وما أعقبها من أحداث تجسدت معاني التضامن والتضحيات المشتركة والصمود في وجه الاعتداءات.
واليوم، وبعد مرور أكثر من سبعة عقود على تلك الأحداث، تبرز أهمية جمع الشهادات الشخصية والصور والوثائق والروايات المحلية، وحفظها في سجل تاريخي موثق، حتى لا تضيع تفاصيل تلك المرحلة برحيل من عاشوها وشهدوا وقائعها.
فالمدن لا تحفظ تاريخها بالحجارة والشوارع والمباني وحدها، وإنما تحفظه أيضًا بذاكرة أبنائها، وبالمواقف التي صنعت وجدانهم، وبالرجال الذين وقفوا دفاعًا عن أرضهم وكرامتهم.
وستبقى قلقيلية، بتاريخها ورجالها وشهدائها، شاهدًا حيًا على عمق العلاقة الأردنية الفلسطينية، وعلى حقيقة أن الروابط التي صاغتها التضحيات والمواقف لا تمحوها السنوات ولا تبددها التحولات السياسية.

إنها ذاكرة مدينة استقبلت الملك المؤسس بالمحبة، واستقبلت الملك الحسين بالوفاء، وحفظت في ترابها تضحيات الجيش العربي الأردني وأبنائها؛ ذاكرة تستحق أن تُروى، وأن تُوثق، وأن تبقى أمانة في أعناق الأجيال القادمة.
saraya news
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم