م. صلاح طه عبيدات يكتب: حين تتحوّل الخدمة إلى دعاية انتخابية: من يخدم الناس أم يستثمر حاجاتهم؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 20268
م. صلاح طه عبيدات يكتب: حين تتحوّل الخدمة إلى دعاية انتخابية: من يخدم الناس أم يستثمر حاجاتهم؟
م. صلاح طه عبيدات

م. صلاح طه عبيدات

ليست المشكلة أن يخدم المسؤول الناس، فذلك جوهر الوظيفة العامة وغايتها، وإنما تبدأ المشكلة حين تتحوّل الخدمة من واجب مؤسسي مستمر إلى أداة انتخابية موسمية، وحين يصبح إنجاز ما يجب إنجازه أصلاً وسيلةً لاستدرار الأصوات، وكأن المواطن مدين بالولاء لمن أدى واجبه، لا صاحب حقٍّ في خدمة عامة تُقدَّم له بعدالة ودون مِنّة.


في فلسفة الإدارة العامة، ثمة فرق جوهري بين من يخدم المواطن لأنه يؤمن بأن الخدمة حق، ومن يخدمه لأنه يرى في حاجته فرصة انتخابية. الأول يمارس مسؤوليته انطلاقاً من الضمير المهني، والثاني قد يحوّل المسؤولية إلى استثمار سياسي، ويستبدل منطق المؤسسة بمنطق الحملة، ومعيار الإنجاز بمعيار ما يمكن تصويره وتداوله وحصاد ثماره في صناديق الاقتراع.


إن تقديم الخدمات أثناء تولّي المسؤولية العامة ليس فضلاً شخصياً، ولا رصيداً خاصاً يملكه المسؤول ليوزّعه على الناخبين متى شاء؛ فالمال مال عام، والصلاحيات أمانة، والوظيفة تكليف لا امتياز. وما يُنجز من أعمال تدخل ضمن اختصاص البلدية وواجباتها لا ينبغي أن يُقدَّم بوصفه هبةً من الرئيس، بل بوصفه حقاً للمواطن ونتيجةً طبيعية لعمل المؤسسة.


وهنا يظهر الانحراف في وتيرة العمل: حين تتسارع الاستجابات مع اقتراب الانتخابات، وتتصدر المشهد الأعمال القابلة للاستعراض، بينما تبقى الملفات الهيكلية معلّقة؛ وحين تُقدَّم الأولويات وفق قدرتها على كسب التأييد، لا وفق أهميتها وحاجة المجتمع إليها. عندئذٍ لا يعود السؤال: ماذا تحتاج المنطقة؟ بل يصبح: ماذا يمكن أن ننجز ليُحسب لنا انتخابياً؟
إن خطورة هذا السلوك لا تكمن في الخدمة ذاتها، بل في الدافع الذي يوجّهها، وفي العدالة التي تحكم توزيعها، وفي ما إذا كانت جزءاً من خطة تنموية معلنة أم استجابةً انتقائية تحكمها الحسابات الانتخابية. فالخدمة العادلة تصل إلى مستحقيها بصرف النظر عن قربهم من المسؤول أو تأييدهم له، أما حين يصبح الانتماء الانتخابي معياراً ضمنياً للاستجابة، فإن المرفق العام يفقد حياده، ويُختزل المواطن من صاحب حق إلى صوت يُستمال.
وليس من الإنصاف أن نحكم على كل نشاط يسبق الانتخابات بأنه دعاية، أو أن نتهم كل مسؤول يعمل في هذه الفترة بسوء النية؛ فقد تتزامن الانتخابات مع إنجازات حقيقية تأخرت لأسباب إدارية أو مالية. لكن من حق المواطن أن يسأل: لماذا نُفّذ هذا العمل الآن؟ هل كان مقرراً في خطة سابقة؟ هل خُصّصت له الموازنة وفق الأولويات؟ وهل استفاد منه الجميع بعدالة؟ وهل توجد مؤشرات موثقة تثبت أن ما تحقق إنجاز مستدام، لا مشهد عابر صُمّم ليبقى في الذاكرة حتى يوم التصويت؟
فالوعي الانتخابي لا يُقاس بعدد الخدمات التي يتذكرها الناخب، بل بقدرته على التمييز بين الحق الذي أُدّي والفضل الذي يُدّعى، وبين الإنجاز المؤسسي والدعاية الشخصية.
ومن هنا تبرز مسؤولية الناخب في اختيار رئيس البلدية القادم. فالرئاسة البلدية ليست وجاهة اجتماعية، ولا لقباً تشريفياً، ولا ساحةً لتوزيع الوعود؛ إنها مسؤولية إدارية ومالية وتنظيمية وتنموية، تتطلب فهماً للتشريعات، وقدرةً على قراءة الموازنات، وإدارة الموارد البشرية، وتحديد الأولويات، ومتابعة المشروعات، وضبط الإنفاق، وإدارة المخاطر، والتعامل مع الجهات الرقابية، وتحويل حاجات الناس إلى خطط قابلة للتنفيذ والقياس.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق التصويت ليس فقط: من خدمنا؟ بل أيضاً: من يمتلك التأهيل والكفاءة لإدارة البلدية؟
ما مستوى التأهيل العلمي والعملي للمرشح؟ ما خبرته في الإدارة واتخاذ القرار؟ هل يفهم الفرق بين الإيراد المتكرر والتمويل الاستثنائي؟ هل يستطيع تفسير الموازنة ومصادر العجز وأعباء الديون؟ هل يملك تصوراً واقعياً لتحسين الخدمات وتنمية الإيرادات واستثمار الأصول المتاحة؟ هل لديه خطة واضحة بأهداف ومؤشرات زمنية، أم يكتفي بوعود عامة وشعارات عاطفية؟ وكيف سيختار فريقه، ويضمن النزاهة والشفافية، ويخضع قراراته للمساءلة؟
ولا يعني ذلك أن الشهادة العلمية وحدها تكفي، أو أن الخبرة العملية وحدها تضمن النجاح؛ فالكفاءة الحقيقية تتكون من معرفة متخصصة، وخبرة مناسبة، ونزاهة، وقدرة على القيادة والتخطيط، واستعداد للاستعانة بأصحاب الاختصاص. وقد يكون المرشح حسن النية، محباً للناس، لكنه يفتقر إلى أدوات الإدارة؛ وحسن النية، على أهميته، لا يسدّ فجوة المعرفة، والمحبة لا تعوّض غياب التخطيط، والشعبية لا تحمي المال العام من قرار غير مدروس.
إن البلدية ليست تجربةً شخصية يتعلم الرئيس من أخطائها على حساب المواطنين؛ إنها مؤسسة لها التزامات وموظفون وموارد وديون ومرافق ومصالح عامة. وكل قرار غير مدروس قد لا تنتهي كلفته بانتهاء ولاية الرئيس، بل قد تمتد آثاره سنوات، وتتحملها إدارة لاحقة وموازنة عامة ومواطن لا ذنب له سوى أنه وثق بوعود لم تُختبر.
أما الناخب، فليس مجرد رقم في معادلة الفوز، بل شريك في تحديد اتجاه الإدارة المحلية. وصوته لا يمنح المرشح سلطةً فحسب، وإنما يحمّله مسؤوليةً أمام المجتمع. ومن ثمّ، فإن الاختيار القائم على القرابة أو المجاملة أو الخدمة الفردية العابرة قد يحقق رضاً مؤقتاً، لكنه لا يضمن طريقاً آمناً لمستقبل البلدة. فالخدمة التي تنتهي بانتهاء موسم الانتخابات لا تبني مؤسسة، والوعود التي لا تستند إلى موارد وخطة لا تصنع تنمية.
ولكي يكون الاختيار مسؤولاً، ينبغي أن يطالب المواطن كل مرشح ببرنامج معلن، وأولويات محددة، وتقدير واقعي للكلفة ومصادر التمويل، ومؤشرات لقياس الأداء، وآلية واضحة لنشر النتائج ومراجعتها. كما ينبغي أن يقارن بين المرشحين على أساس ما يستطيعون إثباته، لا ما يستطيعون قوله، وأن يميز بين إنجاز موثق يُنسب إلى المؤسسة، وخطاب انتخابي ينسب كل ما تحقق إلى شخص واحد.
إن رئيس البلدية الذي يستحق الثقة ليس من يكثر من إظهار ما يقدمه اليوم، بل من يستطيع أن يشرح كيف ستعمل البلدية غداً، وبأي موارد، ووفق أي أولويات، وتحت أي معايير للمساءلة.
في نهاية المطاف، لا تُقاس نزاهة العمل العام بحجم الضجيج المحيط به، بل بمدى التزامه بالحق والعدالة والمصلحة العامة. ولا تُقاس كفاءة المرشح بقدرته على استمالة الناخب، بل بقدرته على إدارة المؤسسة التي سيأتمنه الناس عليها.
فلنمنح الخدمات حقها بوصفها واجباً، وللإنجاز حقه بوصفه نتيجةً تستحق التقدير، لكن لا نسمح بتحويل الواجب إلى مِنّة، أو المال العام إلى دعاية، أو حاجة المواطن إلى وسيلة ضغط انتخابي.
فالانتخابات الواعية لا تختار من يُرضي الناس مؤقتاً، بل من يمتلك الكفاءة والنزاهة والرؤية ليخدمهم بعدالة واستدامة. وحين يختار الناخب على أساس التأهيل والبرنامج والإنجاز القابل للتحقق، يصبح صوته أداةً لبناء المؤسسة، لا مجرد وسيلةٍ لتجديد الوجوه.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم