م. صلاح طه عبيدات يكتب: ضحايا الحروب الباردة: كيف تطحن تصفية الحسابات مؤسسات الدولة؟

منذ 13 ساعة
المشاهدات : 11742
م. صلاح طه عبيدات يكتب: ضحايا الحروب الباردة: كيف تطحن تصفية الحسابات مؤسسات الدولة؟
م. صلاح طه عبيدات

م. صلاح طه عبيدات

في دهاليز مؤسسات الدولة، حيث يُفترض أن تُبنى القرارات على المصلحة الوطنية العليا، يدور محرك آخر أكثر ضراوة وقسوة؛ محرك تصفية الحسابات الشخصية وصراع النفوذ بين مواقع القرار. هناك، في المكاتب المغلقة، تتحول الكراسي والمناصب إلى حلبات لتسديد الفواتير القديمة، وتغدو الإدارة أداةً للانتقام المؤجل بدل أن تكون محرّكاً للتقدم والبناء.


تدور عجلة الزمن بسرعة لا ترحم؛ فمن كان الأمس صاحب السطوة والقرار يجد نفسه اليوم في الهامش، ومن تجرّع مرارة الإقصاء بالأمس يرتقي اليوم إلى منصة التأديب. إنه التبدل الأبدي بين الصعود والتردي، غير أن خطورة هذا التداول لا تكمن في تغيّر الوجوه، بل في الثقافة الانتقامية التي تطبع كل مرحلة جديدة؛ حيث يُمارس الظلم والتعسف الإداري ليس كخطأ تقني، بل كفعل متعمد لإزاحة الخصوم وتجريدهم من مكتسباتهم.


غير أن المأساة الحقيقية تكمن في تلك الدائرة المغلقة من الشماتة ورد الصاع؛ حين يسكر الظالم الجديد بنخبه، متناسياً أنه يشرب من ذات الكأس المسمومة التي سقاها لغيره بالأمس القريب. إنها نشوة عابرة بالانتصار الشخصي، تتستر برداء "الإصلاح والتطوير"، بينما هي في جوهرها لا تتعدى إعادة توزيع لأدوار البطش والهيمنة داخل الهيكل الإداري.


وفوق هذا المسرح القائم على التنابز الإداري وتصفية الضغائن، تقف المؤسسة – ومن خلفها الوطن – كالخاسر الأكبر والوحيد. تُطحن الطاقات الشابة، وتتجمّد المشاريع الاستراتيجية، وتُهدر الكفاءات الوطنية في رحى المعارك الجانبية التي لا تُبقي ولا تذر. حين يتحول القرار الإداري إلى سيف لمواجهة الخصوم الشخصيين، تُنتزع الهيبة من المؤسسة، ويتحول الوطن من غاية أسمى تُصان إلى ساحة مشاع لتصفية الأحقاد الذاتية.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم