النسور يكتب: لا نريد رقما يرضي المسؤول .. نريد رقما يرضي الضمير

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 13756
  النسور يكتب: لا نريد رقما يرضي المسؤول ..  نريد رقما يرضي الضمير
الدكتور جاسر عبدالرزاق النسور

الدكتور جاسر عبدالرزاق النسور

الأرقام مهمة، والاستطلاعات أداة أساسية لمعرفة اتجاهات الرأي العام، لكن الرقم لا يصبح حقيقة لمجرد أنه ظهر في استطلاع. الحقيقة تبدأ من المنهجية، ومن السؤال الأهم: كيف وصلنا إلى هذه النتيجة؟

عندما يقال إن غالبية الأردنيين راضون عن الخدمات الطبية، فمن حق الباحث والمواطن أن يسأل: كيف اختيرت العينة؟ أين جرى الاستطلاع؟ هل كان ميدانيا أم إلكترونيا؟ وهل شملت العينة بصورة كافية المواطنين الذين يعيشون تجربة العلاج فعليا داخل المستشفيات والمراكز الصحية؟
هذه ليست أسئلة تشكيك، وإنما أسئلة علمية مشروعة. فحجم العينة وحده لا يكفي للحكم على مجتمع كامل، مهما كان عدد المشاركين كبيرا. المهم هو طريقة اختيارهم، ومدى تمثيلهم لمختلف المحافظات والفئات العمرية والاجتماعية، ونوعية الأسئلة التي طرحت عليهم.
إذا أردنا قياس رضا المواطن عن الخدمات الصحية، فعلينا أن نسمع المواطن في المكان الذي يحصل فيه على الخدمة.
ومن خلال ما قمت به من رصد وأسئلة ميدانية في مستشفى البشير ومستشفى الأمير حمزة، والحديث مع عدد من المراجعين وكبار السن والمرافقين، وجدت أن الصورة أكثر تعقيدا من أن تختصرها نسبة واحدة.
نعم، هناك مواطنون أكدوا توفر الأدوية، وهذه نقطة إيجابية يجب تسجيلها بكل وضوح. لكن المواطن لا يقيس الخدمة الصحية بتوفر الدواء وحده.
هو يسأل عن الطبيب، والموعد، ومدة الانتظار، وسهولة الإجراءات، وطريقة التعامل، والمتابعة، والنظافة، وسرعة إنجاز معاملته، والأهم: هل شعر أن كرامته واحتياجه الصحي كانا محل اهتمام؟
أما الحديث عن احترام خصوصية المريض وشرح الطبيب لحالته، فهو في الأساس من أبجديات العمل الطبي وواجباته المهنية، ولا ينبغي تقديمه وكأنه إنجاز استثنائي أو معيار كاف للحكم على جودة الخدمات الصحية. القضية الأهم التي تهم المواطن هي قدرته على الوصول إلى الخدمة في الوقت المناسب، والحصول على موعد دون صعوبة، وتقليص فترات الانتظار التي قد تشكل عبئا حقيقيا على المريض. لذلك، فإن تقييم مستوى الرضا يجب أن يركز على جوهر الخدمة وفاعليتها وسرعة الوصول إليها، لا على مؤشرات روتينية يفترض أن تكون متحققة أصلا.
فالدواء جزء من الخدمة، وليس الخدمة كلها.
وفي المقابل، وجدت من خلال حديثي مع مواطنين مستفيدين من الإعفاءات الطبية الصادرة عن الديوان الملكي الهاشمي، مستوى مرتفعا جدا من الرضا عن تجربتهم.
كان حديثهم واضحا عن سهولة الإجراءات ويسر الحصول على الخدمة، وعن المعاملة التي تلقوها، وكان لافتا حجم الشكر والتقدير الذي عبروا عنه تجاه جلالة الملك عبدالله الثاني، لما لمسوه من اهتمام بالمرضى وأصحاب الحاجة، وكذلك تجاه رئيس الديوان الملكي والعاملين والموظفين الذين يتابعون هذه المعاملات.
وهذه شهادة ميدانية تستحق أن تسجل كما هي، تماما كما نسجل أي ملاحظة سلبية.
فالإنصاف يقتضي ألا نرى السلبيات وحدها، وألا نتجاهل الجوانب المضيئة أيضا.
لكن السؤال الذي أطرحه هنا بكل وضوح: هل الاستطلاع هدفه قياس رضا المواطن، أم يمكن أن يتحول، من حيث لا ندري، إلى وسيلة لإرضاء المسؤول؟
أتمنى ألا يكون الأمر كذلك.
أنا لا أتهم جهة بعينها، ولا أملك دليلا على وجود تدخل في نتائج الاستطلاع. لكنني أؤمن أن الاستطلاع الذي يحترم المواطن يجب أن ينقل الحقيقة كما هي، لا أن يبحث عن نتيجة مريحة للمسؤول أو الوزير.
المسؤول الناجح لا يحتاج إلى استطلاع يجامل أداءه، بل يحتاج إلى استطلاع يقول له أين نجح، وأين أخفق، وأين ينتظر المواطن منه مزيدا من العمل.
الاستطلاع الحقيقي قد يزعج المسؤول، لكنه يساعده على الإصلاح. أما الاستطلاع الذي يبحث عن إرضائه، فلا يخدم المواطن ولا المؤسسة ولا الدولة.
ولذلك، فإن المطلوب ليس رفض نتائج أي استطلاع، وإنما تقديم منهجيته للرأي العام بكل شفافية: كيف اختيرت العينة؟ كيف أجريت المقابلات؟ كم منها كان ميدانيا وكم منها إلكترونيا؟ وما نسبة المراجعين الفعليين للمؤسسات الصحية داخل العينة؟
عندها يستطيع القارئ والباحث أن يحكم على الرقم قبل أن يحكم على النتيجة.
نحن لا نريد أرقاما جميلة تعلق على جدران المؤسسات، ولا نسبا تمنح شعورا بالرضا.
نريد أرقاما ترضي الضمير، وترضي الله سبحانه وتعالى، وتعكس الحقيقة كما هي، بلا تجميل ولا مبالغة.
نريد رقما يشعر المواطن أنه يعبر عن تجربته، ويستطيع الباحث أن يدافع عنه، ويستطيع المسؤول أن يبني عليه قرارا صحيحا.
لأن المسؤولية في النهاية ليست أمام الناس فقط، وإنما أمام الله سبحانه وتعالى قبل كل شيء.
فالمواطن لا يحتاج إلى استطلاع يرضي المسؤول، وإنما يحتاج إلى خدمة ترضيه.

سيبقى الوطن راسخا في نزاهته وشامخاً بقيادته وشعبه
حمى الله الاردن وقيادته وشعبه




شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم