النواب الحزبيون .. هل يدخلون الحكومة بتعديلات مقبلة؟

منذ 28 دقيقة
المشاهدات : 29433
النواب الحزبيون ..  هل يدخلون الحكومة بتعديلات مقبلة؟

سرايا - قد لا يكون السؤال الأهم في أي تعديل وزاري مقبل على الحكومة الحالية هو: من سيخرج ومن سيدخل إليها، بل ما إذا كان التعديل، إن وقع، سيقدم اختبارًا عمليًا للتجربة الحزبية الجديدة، خصوصًا إذا شمل نوابًا حزبيين ينتقلون من مجلس النواب إلى مجلس الوزراء.


فدخول نائب حزبي للحكومة واستقالته من عضوية "النواب"، وحلول نائب آخر مكانه وفق أحكام القانون، يتجاوز في دلالته مسألة شغور مقعد نيابي. فهو يختبر قدرة الحزب على الانتقال بين مواقع المسؤولية من دون أن يرتبط حضوره بشخص واحد.


وفي هذا الجانب فإن الدستور واضح؛ إذ تمنع المادة (76) الجمع بين عضوية "النواب" ومنصب الوزارة، بينما تجيز المادة (72) للنائب الاستقالة، وتنظم المادة (88) التعامل مع شغور المقعد النيابي وفق أحكام قانون الانتخاب. وبالتالي، فإن انتقال النائب للحكومة، إذا حدث، يجري ضمن مسار دستوري وقانوني قائم، وليس أمام استثناء يحتاج لمعالجة خاصة.


لكن الاختبار السياسي يقع في مكان آخر، فالقوائم الحزبية التي دخلت "النواب" لم تكن في فلسفة ومنظور التحديث السياسي تشكيلات انتخابية عابرة، أو قوائم بنيت على أسماء بلا حساب، وإنما يفترض بأنها جاءت نتيجة خيارات سياسية وتنظيمية وبرامجية. والحزب الذي يقدم قائمة للناخبين، قادر على إنتاج شخصيات لا الاعتماد على مرشح واحد.


وهنا يمكن لأي تعديل وزاري، أن يكشف مدى نجاح هذه الفكرة على أرض الواقع، فإذا انتقل نائب حزبي للحكومة، وبقي الحزب قادرًا على الحفاظ على حضوره النيابي عبر البديل الذي يحدده القانون، فإن ذلك يعني أن الحزب يمتلك مساحة أوسع من شخص واحد، أما إذا أدى خروج شخصية واحدة لإرباك الكتلة أو إضعاف حضورها، فهذه مسألة تستحق مراجعة تجربة الحزب وقدرته على بناء كوادر متعددة.



لا يعني ذلك أن النائب الحزبي الذي يدخل الحكومة، هو بالضرورة كفاءة تنفيذية جاهزة للوزارة؛ فالعضوية الحزبية لا تكفي وحدها، كما أن الفوز النيابي ليس معيارًا منفردًا لاختيار الوزير.


من هنا، فإن المنصب التنفيذي يحتاج لخبرة وكفاءة وقدرة على إدارة الملفات، وتحمل مسؤولية القرار، وإذا اختير نائب حزبي، فيفترض بأن يكون اختياره مستندًا لهذه المعايير، إلى جانب الاعتبارات السياسية. وهنا تصبح الأحزاب نفسها أمام سؤال أكبر: هل أنتجت في المرحلة الماضية قيادات وكفاءات متعددة تستطيع العمل في البرلمان والحكومة، أم أن التجربة ما تزال مرتبطة بعدد محدود من الأسماء؟
هذا السؤال مهم، فمشروع التحديث السياسي يفترض الانتقال تدريجيًا من النائب الفرد إلى المؤسسة الحزبية. والحزب الذي يريد أن يكون شريكًا في العملية السياسية، يحتاج لكوادر تشريعية وتنفيذية وسياسية، وليس فقط إلى كتلة نيابية.


كما أن مشاركة أحزاب في الحكومة، يمكن أن تجعل العلاقة بينها وبين السلطة التنفيذية أكثر وضوحًا. فالحزب الذي يؤيد الحكومة من خارجها، قد يجد نفسه مطالبًا بالدفاع عن سياسات لا يتحمل مسؤولية تنفيذها مباشرة. أما إذا شارك في الحكومة، فإن تأييده يصبح مرتبطًا بمسؤولية سياسية وتنفيذية، ويصبح أكثر قدرة على شرح السياسات التي شارك في صناعتها، وأكثر عرضة للمساءلة عن نتائجها.


في المقابل، يمكن للأحزاب التي لا تشارك في الحكومة، أن تبني موقعًا معارضًا واضحًا إذا اختارت ذلك، وأن تقدم بدائل للسياسات المطروحة. وليس معنى ذلك أن كل حزب خارج الحكومة، هو تلقائيًا حزب معارضة؛ فالمعارضة موقف سياسي وبرنامج وممارسة، وليست مجرد عدم الحصول على حقيبة وزارية.


بهذا المعنى، قد يساعد اتساع المشاركة الحزبية في الحكومة على إعادة تعريف العلاقة بين الموالاة والمعارضة: المشاركة تعني مسؤولية أكبر عن القرار، وخارج الحكومة يعني مساحة أوسع للرقابة وتقديم البدائل، مع بقاء حق النقد والمراجعة قائمًا في الحالتين.
لكن نجاح هذا المسار، لا يقاس بعدد الوزراء الحزبيين، بل بقدرة الأحزاب على إنتاج قيادات يمكنها الانتقال بين المواقع من دون أن تفقد مؤسساتها توازنها.


وهذا هو الاختبار الحقيقي للقوائم الحزبية التي دخلت البرلمان. فقد انتهت مرحلة إثبات القدرة على الوصول للمجلس، وبدأت مرحلة أصعب: إثبات القدرة على العمل داخله، وإنتاج قيادات جديدة، وتحمل المسؤولية خارجه.


لذلك، فإن أي تعديل وزاري مقبل، قد يكون مهمًا، ليس بسبب عدد من ينتقلون للحكومة، وإنما بسبب ما سيكشفه عن الأحزاب نفسها. فهل تستطيع الحكومة استبدال نائب بآخر والمحافظة على حضورها؟ وهل لديها شخصيات قادرة على تحمل مسؤوليات مختلفة؟ وهل تستطيع الشرح للشارع لماذا شاركت في الحكومة وماذا ستتحمل من مسؤولية؟


هذه الأسئلة، تحدد ما إذا كانت الحزبية قد بدأت تتحول لممارسة سياسية حقيقية، أم أنها ما تزال في مرحلة بناء الهياكل والأسماء.
فالحزب الذي يدخل البرلمان بقائمة يفترض أنها مدروسة، ثم يعجز عن تعويض أحد أعضائها، يواجه مشكلة تتجاوز المقعد النيابي. أما الحزب الذي يستطيع أن ينتج البديل ويحافظ على برنامجه وكتلته ومواقفه، فإنه يكون قد قطع خطوة في اتجاه المؤسسة السياسية التي يفترض أن يكونها.


وفي النهاية، فإن التحدي أمام الأحزاب لم يعد الوصول للبرلمان فقط، بل إثبات أنها أكبر من أعضائها، وأن لديها من الكفاءات والقيادات ما يسمح لها بأن تكون حاضرة في التشريع والرقابة، وقادرة ــ حين تتوافر شروط الكفاءة والاختيار ــ على تحمل المسؤولية التنفيذية أيضًا.


عندها فقط، يمكن انتقال الكتل الحزبية من التأييد إلى المسؤولية، وأن يصبح التعديل الوزاري، إن وقع، اختبارًا لمسار التحديث السياسي لا مجرد تغيير في أسماء الوزراء.


الغد

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم