شعرية النسق الروائي للرواجفة: قراءة جديدة للأنساق الثقافية

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 6678
شعرية النسق الروائي للرواجفة: قراءة جديدة للأنساق الثقافية

سرايا - في مشهدٍ نقديٍّ عربيٍّ تَزَّاحَمُ فيه المناهج وتتقاطع المرجعيات، يُزْجِي الدكتور ليث سعيد الرواجفة في كتابه «شعريّة النَّسَق الرّوائي: تمثّلات الأنساق الثقافيّة في هوامش السّرد المُعتمة» الصادر عن دار «الآن» للنشر والتوزيع، مشروعًا نقديًا يطمح إلى إعادة قراءة السرد العربي المعاصر في ضوء تحوّلات الثقافة وأسئلتها الكبرى. هذا العمل، الذي بلغ القائمة الطويلة لجائزة كتارا للرواية العربية 2025 – فئة الدراسات النقدية، لا يكتفي بتتبّع البُنية الجمالية للنصوص الروائية، بل ينفذ إلى عمقها الثقافي ليكشف ما تضمره من صراعاتٍ رمزيةٍ ومرجعياتٍ فكريةٍ متشابكة، مبيّنًا أن الرواية ليست مرآة للواقع، وإنما فضاء لإعادة تأويله.

وينطلق الرواجفة من فرضيةٍ مؤدّاها أن السرد العربي الحديث لا يُفهم إلا عبر الأنساق الثقافية التي تتحرّك في داخله وتوجّه خطابه، فالنص الأدبي -في رأيه- يتكوّن من شبكة علاقاتٍ معرفية وتاريخية تحكم لغته وتوجّه رؤيته. ومن هنا، يستقرئ المؤلف ثلاث مرجعياتٍ كبرى تشكّل خلفية الوعي السردي العربي: المرجعية الكلاسيكية التي تُعيد إنتاج التراث وتؤسس لحضوره بوصفه قيمةً مقدّسة، والمرجعية الحداثية التي تسعى إلى تفكيك تلك القداسة لصالح رؤيةٍ عقلانيةٍ جديدة، ثم مرجعية ما بعد الحداثة التي تقوّض كلا المرجعيتين لتفتح النص على تعدّد المعاني وتفكّك الهُويات المألوفة. وبهذا الوعي، يصبح السرد العربي ميدانًا لتفاعل المرجعيات وتصارعها، لا مجرّد مساحة للتعبير عن الواقع أو تصويره.

في القسم التطبيقي من الكتاب، يمارس الرواجفة نقدًا تفكيكيًا دقيقًا يستكشف من خلاله تحوّلات الوعي الثقافي في عددٍ من الروايات العربية المعاصرة. ففي «شمس بيضاء باردة» لكفى الزعبي تتجلّى تجربة الاغتراب بوصفها احتجاجًا على خُواء الحداثة وانكسار الحلم الفردي، بينما تتجسّد في «فستق عبيد» لسميحة خريس أنساق العبودية والعنصرية باعتبارها امتدادًا لتاريخ اجتماعي مكبوت. وتظهر في «حرب الكلب الثانية» لإبراهيم نصر الله ملامح التوحّش وما بعد الإنسان، حيث تتعرّى الحداثة من إنسانيتها لتغدو أداة دمارٍ وإقصاء. أمّا «دفاتر الورّاق» لجلال برجس فتنكشف فيها الذاكرة بوصفها ساحةً للصراع بين الأرشيف الرسمي والمكبوت، بينما تُبرز «بوهيميا» لخالدة مصاروة الصوت الأنثوي وقدرته على مساءلة النسق الذكوري السائد، وتقدّم «هنا الوردة» لأمجد ناصر نصًّا يعيد صياغة الذات في فضاءٍ من التشتّت والانفصال. وبهذه النماذج، يبرهن الكتاب على أنّ الرواية العربية ليست مجرّد جنسٍ أدبي، بل ممارسة فكرية توازي الفلسفة في مساءلة الثقافة وتفكيك أنساقها.

ويمتاز العمل -كما في أعمال الرواجفة السابقة- بقدرته على الجمع بين التحليل النصي العميق والرؤية الثقافية الرحبة؛ إذ يستعير الرواجفة مفاهيم النقد الثقافي الغربي، غير أنه يعيد صياغتها داخل الوعي العربي لتغدو أدواتٍ لتفكيك الذات لا محاكاة للآخر. وتكمن أهمية هذا المسار في أنّه لا يكتفي بتوظيف المناهج، بل يدعو ضمنيًا إلى بناء أدوات نقدية عربية تنبع من خصوصية التجربة الأدبية والثقافية في العالم العربي، أدواتٍ تستلهم من تراثها دون أن تنغلق عليه، وتتحاور مع المناهج العالمية دون أن تستسلم لها. بهذا المعنى يصبح الكتاب محاولةً لتأسيس وعيٍ نقديٍّ مستقلٍّ يوازن بين الانفتاح والتأصيل، وبين الجمالي والمعرفي.

أما الغلاف فيأتي امتدادًا دلاليًا لروح الكتاب؛ إذ تحضر فيه ألوان الورق العتيق التي تستدعي الذاكرة الثقافية، وتقطع المشهد كتلةٌ حمراء حادّة تماثل جرحًا رمزيًا يذكّر بتوتر الخطاب السردي. وتبدو القصاصات والملامح المتكسّرة كأنها تمثّل الهامش الذي يتكلّم ويعلن حضوره، بينما يتقدّم العنوان بخطّه الواضح ليعيد المركز إلى اللغة. وبرأيي، فإن هذا التكوين البصري يُجسّد الفكرة الجوهرية للكتاب: المعنى لا يُولد من الضوء وحده، بل من احتكاكه بالعتمة.

في الختام، يقدّم «شعرية النسق الروائي» قراءةً ناضجة تزاوج بين الجمال والمعرفة، وتكشف أن الرواية العربية لم تعد تُروى لأجل المتعة الجمالية وحدها، بل لأنها أداة لاكتشاف الذات وإعادة النظر في الأسئلة الكبرى للثقافة العربية. ويمكن القول: إنه لكتاب يذكّر القارئ بأن النقد فعلُ وعيٍ قبل أن يكون وصفًا لأسلوب، وأن مهمة الناقد ليست الإمساك بالنصّ، بل الإصغاء إلى ما يقوله حين يصمت.

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم