سرايا - تتسع في الكواليس السياسية والإدارية دائرة النقاش حول طبيعة وحجم التغطية الإعلامية المرافقة لجولات رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان الميدانية، في وقت تبدو فيه هذه الجولات واحدة من أبرز الأدوات التي اختارتها الحكومة لتقديم برنامجها التنفيذي بصورة مباشرة أمام الرأي العام.
وبحسب أوساط سياسية وإدارية مطلعة، فإن الجولات الميدانية باتت تتجاوز في بعض الحالات وظيفة الزيارة التفقدية التقليدية، لتتحول إلى منصة لاتخاذ ملاحظات وإصدار توجيهات وتكليفات مرتبطة بأداء مؤسسات وقطاعات خدمية، وهو ما يفتح نقاشًا موازيًا حول حدود الأدوار بين رئيس الحكومة والوزراء والقيادات التنفيذية في الميدان.
وتقول الأوساط ذاتها إن حجم التغطية الإعلامية المصاحبة لبعض الجولات، بما فيها حضور التلفزيون الأردني وفرق إعلامية متخصصة، يثير تساؤلات داخل بعض المؤسسات الرسمية حول جدوى تخصيص موارد بشرية وإعلامية كبيرة لتغطية تحركات تدخل، في جانب منها، ضمن نطاق العمل التنفيذي المعتاد للوزارات والجهات المعنية.
ولا يتعلق النقاش، وفق المتابعين، بمبدأ الجولات الميدانية ذاته؛ إذ لا خلاف على أهميتها في اختبار مستوى الخدمات والوقوف على احتياجات المواطنين خارج المكاتب الرسمية، وإنما يدور حول وظيفة الجولة وحدودها ومآلات التوجيهات التي تخرج منها، خصوصًا عندما تتحول الملاحظات الميدانية إلى التزامات معلنة أمام الجمهور.
وتبرز هنا واحدة من أكثر النقاط حساسية في المشهد؛ فحين يزور رئيس الحكومة مستشفى أو مركزًا شبابيًا أو منشأة خدمية، فإن أي توجيهات تصدر خلال الزيارة لا تبقى بالضرورة في إطار الملاحظة السياسية، بل قد تتحول إلى مسار تنفيذي يحتاج إلى قرارات إدارية وتمويل ومخصصات مالية.
وتشير مصادر وزارية، بحسب ما نقلته الأوساط المتابعة، إلى أن بعض الوزراء قد يجدون أنفسهم أمام توجيهات أو ملاحظات جرى الإعلان عنها خلال الجولة، دون أن يكونوا حاضرين في بعض الحالات أو على اطلاع مسبق بكل تفاصيلها، الأمر الذي يفرض عليهم لاحقًا مهمة تحويل ما قيل أمام الكاميرات إلى إجراءات قابلة للتنفيذ.
وهنا تظهر المعضلة الأكثر تعقيدًا: الفارق بين القرار الذي يصدر في الميدان والقدرة الفعلية على تمويله وتنفيذه.
فالموازنات الوزارية محدودة بطبيعتها، وأي التزام جديد يحتاج إلى غطاء مالي وإداري، فيما قد يجد الوزير نفسه أمام معادلة دقيقة بين الالتزام بتوجيهات معلنة أمام المواطنين ووسائل الإعلام، وبين السقوف المالية والتنظيمية التي تحكم وزارته.
وتتحدث مصادر مطلعة عن حالات أفضت فيها الجولات إلى مطالبات بإجراء تصويبات في مؤسسات أو مرافق خدمية، أو معالجة أوضاع وظيفية وإدارية، في وقت تحتاج فيه هذه الإجراءات إلى مسارات قانونية ومالية لا يمكن اختصارها بمجرد توجيه ميداني.
وهذا لا يعني، وفق القراءة ذاتها، أن الوزراء يعترضون على مبدأ الرقابة الميدانية أو متابعة مستوى الخدمات، وإنما يعكس إشكالية أكثر عمقًا تتعلق بالتنسيق بين القرار السياسي والقدرة التنفيذية.
فالحكومة، في نهاية المطاف، لا تدير الدولة عبر الكاميرات، وإنما عبر الموازنات والأنظمة والتعليمات وسلاسل القرار المؤسسية؛ ولذلك فإن نجاح أي توجيه ميداني يتوقف على قدرة الجهاز التنفيذي على ترجمته إلى برنامج ممول ومحدد المسؤوليات والجدول الزمني.
وفي هذه النقطة تحديدًا، يصبح حضور وزير المالية أو الفريق الاقتصادي في الصورة أكثر أهمية، إذ إن أي توجيه يحمل كلفة مالية لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد استجابة فورية لمطلب شعبي.
وتشير القراءة الوزارية المتداولة إلى أن بعض الالتزامات التي تبرز خلال الجولات الميدانية قد تصطدم لاحقًا بواقع الموازنات المحدودة، الأمر الذي يخلق فجوة بين التوقع الذي يصنعه الإعلان أمام الجمهور وبين القدرة التنفيذية المتاحة.
وهذه الفجوة، إن اتسعت، قد تتحول إلى عبء سياسي على الحكومة نفسها؛ فالمواطن الذي يسمع توجيهًا من رئيس الوزراء ينتظر نتيجة، بينما الوزير المعني يبدأ بعدها رحلة البحث عن المخصصات والإجراءات والموافقات اللازمة لتنفيذ ما أُعلن.
الجولات الميدانية، بحسب مراقبين، تظل إحدى أدوات التواصل المباشر بين الحكومة والمواطن، لكنها تحتاج إلى أن تكون جزءًا من منظومة أوسع لا مجرد نشاط متكرر؛ أي أن تنتهي كل جولة بخطة تنفيذية واضحة، ومسؤوليات محددة، ومصادر تمويل معلومة، وجدول زمني قابل للقياس.
وفي هذا السياق، يبرز انعقاد جلسات لمجلس الوزراء في المحافظات باعتباره مسارًا أكثر مؤسسية لمناقشة الملفات التنموية والخدمية، خصوصًا أن جلسات حكومية عقدت في محافظات مثل معان وجرش وإربد، بما يسمح بانتقال النقاش من مستوى "الملاحظة الميدانية" إلى مستوى القرار الحكومي الجماعي.
كما أن إشراك الوزراء المعنيين والجهات المحلية وممثلي المناطق في صياغة الحلول قد يخفف من الفجوة بين المركز والميدان، ويمنع تحول التوجيهات المفاجئة إلى التزامات يصعب تنفيذها لاحقًا.
وفي المحصلة، فإن الجدل الدائر لا يبدو متعلقًا بالكاميرا بقدر ما يتعلق بما بعد الكاميرا: ماذا يحدث للتوجيه عندما تنتهي الجولة؟ ومن يمول القرار؟ ومن يملك صلاحية تنفيذه؟ ومن يحاسب إذا تعذر التنفيذ؟
أسئلة تبدو إدارية في ظاهرها، لكنها في العمق تمس جوهر إدارة الدولة: هل تستطيع الحكومة أن تجعل من الجولة الميدانية أداة لصناعة القرار والتنفيذ، أم تبقى الجولة في بعض الحالات أقرب إلى منصة لإنتاج التوجيهات قبل أن تصطدم هذه التوجيهات بحدود المؤسسة والميزانية؟
وتلك، في النهاية، هي المسافة الفاصلة بين صورة الحكومة في الميدان وقدرتها الفعلية على تحويل ما تقوله أمام المواطنين إلى نتائج ملموسة.
"وزراء أقل حظًا" .. جولات حسان الميدانية تفتح نقاشًا خلف الكواليس حول التغطية الإعلامية و"فاتورة التوجيهات"
منذ 1 دقيقة
المشاهدات :
57649
إقرأ ايضاَ
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
الأردن اليوم
مطعم في عمان يصطف العشرات أمامه يوميا فجرا .. ما سر مطعم العقيلي بوسط البلد .. شاهد
منذ 1 يوم
02
03
04
ملفات ساخنة
جرش تستيقظ على فاجعة .. 3 من خيرة شباب البلدة يرحلون بحادث سير على طريق العقبة
منذ 2 يوم
آخر الأخبار
الأردن اليوم
الإمارات: التحقيق في ملابسات رحلة "فلاي دبي" من اختصاصنا وقانون الدولة هو الفيصل
منذ 7 دقائق
الأردن اليوم
الملكة رانيا العبدالله تنشر صورة عفوية تجمعها بسمو الأمير هاشم بن عبدالله الثاني
منذ 50 دقيقة
الأردن اليوم
تأشيرة المغرب للأردنيين مجانًا .. السفارة المغربية في عمّان تكشف آلية التقديم وتحذر من مكاتب التأشيرات
منذ 1 ساعة
الأردن اليوم
هام من وزارة العمل بشان توفيق أوضاع العمالة الوافدة
منذ 1 ساعة
أخبار فنية
فن
لقطات مؤثرة تتصدر الترند .. دموع ورقص غادة عادل في خطوبة ابنتها مريم
منذ 3 ساعات
فن
بسبب أغنية .. الكشف عن تفاصيل الدعوى القضائية الجديدة بحق محمد رمضان
منذ 5 ساعات
فن
أول صورة مع شريكها .. خطوبة زينة مكي تشعل مواقع التواصل
منذ 5 ساعات
فن
أحمد الرافعي: خيال مريض تجربة أسعدتني .. والكوميديا مهمة جدًا وصعبة
منذ 12 ساعة
فن
فلورنس بيو تطالب الرجال بالتحدث عن العنف بعد واقعة جامعة كورنيل
منذ 12 ساعة
أخبار رياضية
رياضة
الحسين أمام "شهر الحسم" .. المدرب الجديد يصل من إسبانيا لإنقاذ بطل الأردن من قاع الدوري
منذ 35 دقيقة
رياضة
زياد عشيش يواجه الكازاخي صابيرخان بحثا عن ذهبية تاريخية في آسياد ناغويا
منذ 3 ساعات
رياضة
رعد هارون يعلن استقالته من رئاسة الاتحاد الأردني للمبارزة
منذ 3 ساعات
رياضة
كم ألف متابع خسرهم حساب منتخب البرتغال بعد أزمة رونالدو؟
منذ 3 ساعات
رياضة
كم ألف شخص شاهد رحلة طائرة كريستيانو رونالدو من الدنمارك إلى مدريد؟
منذ 3 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
سجن سوري 7 سنوات وتغريمه 1.8 مليون دينار كويتي في قضية تزوير جنسية
منذ 12 ساعة
منوعات من العالم
الهند .. قرود المعابد تتحول إلى مافيا تسيطر على الأحياء وتطلب الفدية!
منذ 12 ساعة
منوعات من العالم
ابتداء من 2027 .. فئة 500 جنيه تفقد صفتها القانونية في جميع أنحاء السودان
منذ 12 ساعة
منوعات من العالم
إيطاليا تمدد الرقابة على حدودها مع إسبانيا 15 يوما إضافية بسبب الوضع في سبتة
منذ 12 ساعة
منوعات من العالم
بعد 7 حالات توقف للطيران .. ألمانيا تشغل نظام رصد الطائرات المسيّرة في مطار برلين
منذ 13 ساعة
الرجاء الانتظار ...
التعليقات