العمارات يكتب: الحال المروري في ظل تعنت السائقين لقواعد المرور وعدم القبول بالمُخالفات

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 8174
العمارات يكتب: الحال المروري في ظل تعنت السائقين لقواعد المرور وعدم القبول بالمُخالفات
الدكتور فارس العمارات

الدكتور فارس العمارات

ما نراه في العديد من الطرق خلال السنتين الماضيتين لم يعد يُعتبر ازدحاماً مرورياً، بل تحول إلى فوضى مرورية. هناك سيارتان تتصارعان على نفس الممر، وحافلة تتجاوز إشارة المرور، وشخص يسير عكس الاتجاه لأنه مستعجل. وإذا قام الشرطي بفرض غرامة على أحدهم، يبدأ الشخص بالصراخ والتذمر قائلًا "لماذا فقط أنا؟ الجميع يفعل ذلك! " المشكلة أصبحت تتلخص في حالتين: أن لا نرغب في اتباع القوانين، ولا نريد دفع ثمن المخالفات. لماذا وصلنا إلى هذه الحالة؟ هناك ثلاثة أسباب رئيسية: الأول: ثقافة "الذكاء" بدلاً من "المسؤولية". حيث يعتقد العديد من السائقين أن الشخص الذي يلتزم بالإشارة غير مُدرك للوقت، بينما يُعتبر السائق الذي يتجاوزها ذكيًا وماهراً. ومن يتبع القواعد يظهر كأنه ضعيف، بينما من يدخل من الجانب الآخر يبدو كأنه بطل. وهذه ليست طريقة صحيحة للقيادة، بل تعكس عقلية "أنا أهم من القانون" ، والثاني: انتهاك القواعد أصبح شخصياً وليس قانونياً. وعندما يُحرر شرطي المرور مخلفة على سائق، لا يرى السائق ذلك كخرق للقانون، بل كأنه "إهانة لكرامته". لذا، يقوم بتصوير الموقف أو يصرخ أو يحاول بطرق مختلفة لإلغاء الغرامة. لقد فصلنا بين الفعل ونتيجته، وأصبح من العيب أن يتعرض الشخص للغرامة بدلاً من اعتباره خطأ.
أما السبب الثالث: فيعتبر بعض الناس أن الشارع هو مكان لتفريغ الضغوط. وهناك ضغوط من الدراسة والعمل والالتزامات المالية وارتفاع أسعار الوقود. ويُعبر الناس عن إحباطهم في الطرق من خلال القيادة المتهورة. فتسمع أبواق السيارات في كل مكان، والأضواء تضيء بشكل مفرط، وتداول الشتائم. والشارع أصبح ساحة لإظهار القوة، حيث يشعر البعض بالضعف في مجالات أخرى.
وإذا نظرنا إلى الوضع المروري في الأردن، نجد أن هناك أكثر من 120 ألف حادث كل عام، و60% من هذه الحوادث تحدث بسبب عدم الالتزام بالقوانين. كما زاد تأمين السيارات بنسبة 30% بسبب الارتفاع في الحوادث. والأكثر أهمية: أصبح لدينا نفور من الشارع. فالطالب يخرج قبل المحاضرة بساعة خوفاً من السائقين المتهورين، والأم تمنع طفلها من عبور الشارع بمفرده بسبب تهور وطيش السائقين.

وعلى الرغم من تشديد العقوبات المرورية وزيادة قيم المٌخالفات، إلا أن المستوى المروري يزداد سوءاً كل يوم. وهذا يتطلب أن تكون مادة التعليم المروري مادة أساسية للنجاح، وليست مُجرد عرض قصير في يوم الامتحان. ويجب على الطالب الذي يدرس الفيزياء والكيمياء أن يفهم أن سرعة 100 تُعني مسافة توقف قدرها 70 مترًا، وهذا يعكس حياة إنسان. والشارع يعكس صورة المُجتمع. وإذا لم نحترم القيم المرورية ومنظومتها الأخلاقية ، فلن نحترم النظام في أي مكان آخر. وإذا لم نقبل أن نتعرض للعقاب عند ارتكاب خطأ في الشارع، فلن نقبل أيضاً بالمسُاءلة عن أخطائنا في أماكن أخرى. لذا فإن الفوضى المرورية ليست مُجرد مشكلة في السير، بل هي قضية أخلاقية عامة.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم