فيصل تايه يكتب: "حل الدولتين" في مواجهة سياسة الأمر الواقع

منذ 36 دقيقة
المشاهدات : 7061
فيصل تايه يكتب: "حل الدولتين" في مواجهة سياسة الأمر الواقع
فيصل تايه

فيصل تايه

لا أعرف كيف يمكن للمرء أن يتحدث اليوم عن مستقبل المنطقة من دون أن يتوقف طويلاً أمام تلك المفارقة التي تكبر أمام أعيننا كل يوم: العالم يتحدث عن حل الدولتين باعتباره الطريق الواقعي والأكثر عدلاً لإنهاء الصراع، وجلالة الملك عبدالله الثاني يكرر، بوضوح وثبات، أن لا استقرار دائماً في المنطقة من دون قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على أساس هذا الحل، بينما يجري على الأرض ما يدفع بهذا الحل في الاتجاه المعاكس تماماً.

ففي الوقت الذي يدعو فيه جلالته إلى حماية أفق الدولة الفلسطينية، تتسارع إجراءات تجعل هذا الأفق أضيق، والأرض التي يفترض أن تقوم عليها الدولة أكثر تجزؤاً. وليس هذا التحذير الملكي منفصلاً عن حقيقة ما يجري على الأرض؛ بل يأتي في مواجهة مسار تتراكم مؤشراته يوماً بعد يوم، الأمر الذي يجعل التأكيد على حل الدولتين أكثر إلحاحاً، لا أقل.

ولأن هذا التحذير لا يأتي من فراغ، فقد أكد جلالته ، في لقائه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ٢٢ أيلول، أن الاستقرار الإقليمي الدائم مستحيل من دون ضمان الحقوق المشروعة للفلسطينيين وإقامة دولتهم المستقلة على أساس حل الدولتين، محذراً من إجراءات ضم الأراضي وتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية.

المفارقة، إذن، ليست في أن هناك خلافاً سياسياً حول شكل الحل، وإنما في أن الحديث عن الحل ما زال قائماً بينما تتغير شروطه على الأرض. ففي إحاطتها أمام مجلس الأمن في ٢٨ أيلول، وثقت الأمم المتحدة تقدم أو إقرار نحو ٤,٦٧٠ وحدة استيطانية في المنطقة (ج) من الضفة الغربية، و٣,٦١٥ وحدة في القدس الشرقية، إلى جانب مناقصات لنحو ٢,٢٤٠ وحدة في المنطقة «ج»، بينها ١,٢٣٤ وحدة في منطقة E1.

كما أشارت إلى مصادرة أراضٍ فلسطينية خاصة في المنطقة (أ) لإنشاء طريق مرتبط بمستوطنات، وإلى هدم أو مصادرة ٥٣٦ منشأة فلسطينية، ما أدى إلى تشريد ٧٣٦ شخصاً، بينهم ٣٤٧ طفلاً.

ولم تتعامل الأمم المتحدة مع هذه الوقائع باعتبارها أحداثاً منفصلة، بل ربطتها بتعميق السيطرة الإسرائيلية وتقويض حق الفلسطينيين في تقرير المصير وإضعاف فرص الحل القائم على دولتين.

لكن بين هذه الأرقام كلها تبرز منطقة E1 باعتبارها أكثر من مشروع استيطاني جديد؛ فهي تكشف بوضوح معنى الصراع على الجغرافيا نفسها. فقد حذرت الأمم المتحدة من أن تنفيذ مخطط E1 سيقطع الاتصال بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، ويزيد عزل القدس الشرقية عن بقية الضفة، واعتبرت أن تنفيذه ستكون له عواقب شديدة على الترابط الإقليمي، بما يشكل تهديداً وجودياً لحل الدولتين.

وفي الوقت نفسه، ارتفع عدد الوحدات السكنية المشمولة في مناقصات المشروع إلى ٣,٤٠١ وحدة، بعد إضافة مناقصة جديدة لـ٢,١٦٧ وحدة إلى مناقصة سابقة لـ١,٢٣٤ وحدة.

والأكثر دلالة أن معنى المشروع لم يأتِ فقط من منتقديه. فقد وصف وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إقرار مخطط E1 بأنه خطوة "تمحو عملياً وهم الدولتين".

وبصرف النظر عن الموقف السياسي من هذا التصريح، فإن دلالته واضحة: المشروع، في خطاب أحد أبرز مؤيديه، لا يُقدَّم باعتباره مجرد توسع عمراني، وإنما باعتباره جزءاً من معركة على شكل الأرض ومستقبل الحل السياسي.

وهنا ينبغي التمييز بين أمرين كثيراً ما يختلطان: فشل المفاوضات شيء، وإجهاد شروط المفاوضات شيء آخر. قد تتعثر المفاوضات بسبب الحدود أو الأمن أو القدس أو اللاجئين، ثم تعود الأطراف إلى الطاولة. أما أن تتغير الأرض نفسها أثناء انتظار الحل، فذلك يخلق مشكلة مختلفة تماماً.

فالدولة ليست اسماً على ورق؛ تحتاج إلى أرض متصلة، وإلى قدرة على الحركة، وإلى مجال اقتصادي وجغرافي قابل للحياة. وكلما تحولت مساحة جديدة إلى واقع استيطاني أو فُصلت منطقة عن أخرى، أصبح الوصول إلى التسوية أكثر تعقيداً، لا لأن فكرة الحل تغيرت، بل لأن شروط تحقيقها تتآكل.

وهذا هو جوهر المسألة. حل الدولتين لا يجري رفضه فقط بالكلام؛ يمكن أيضاً إجهاده بالوقائع. مستوطنة هنا، طريق هناك، مصادرة أرض، هدم منزل، إخلاء عائلة، وتغيير في طبيعة المجال المحيط بالمدن والقرى الفلسطينية. وقد تبدو كل خطوة منفردة قابلة للنقاش، لكن تراكمها يصنع أثراً جغرافياً وسياسياً واحداً: تقليص المساحة التي يمكن أن تقوم عليها دولة فلسطينية قابلة للحياة.

ومن هنا أيضاً لا يصح النظر إلى الهدم والتهجير باعتبارهما ملفاً إنسانياً منفصلاً عن ملف الدولة. فعندما تُهدم منشآت فلسطينية أو تُصادر، وعندما تُدفع عائلات أو تجمعات إلى مغادرة أماكنها، فإن القضية لا تتعلق فقط بما يخسره فرد أو مجتمع في لحظة معينة، وإنما بما إذا كان الفلسطينيون قادرين على البقاء في المناطق التي يفترض أن تشكل جزءاً من دولتهم المستقبلية.

والأمم المتحدة وثقت خلال الفترة الأخيرة مئات عمليات الهدم والمصادرة والتشريد، كما أشارت إلى نزوح مجتمعات فلسطينية كاملة نتيجة العنف المتكرر من المستوطنين.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم ما قد يسميه المراقب "الصلف" في سياسة الأمر الواقع: ليس مجرد تجاهل لاعتراض دولي أو لبيان دبلوماسي، وإنما الاستمرار في إنتاج الوقائع نفسها رغم التحذير من آثارها على مستقبل التسوية.

فالأمم المتحدة تقول إن التوسع الاستيطاني يهدد قابلية قيام دولة فلسطينية مستقلة ومتصلة وقابلة للحياة، وإن تعميق السيطرة الإسرائيلية على الضفة يقوض بصورة خطيرة فرص الحل التفاوضي القائم على دولتين.

وفي الجهة الأخرى، يواصل الأردن طرح معادلة مختلفة: لا إدارة للصراع إلى ما لا نهاية، ولا استبدال للحل السياسي بتكريس واقع جديد، وإنما معالجة أساس الصراع عبر إنهاء الاحتلال وتحقيق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وقيام دولته المستقلة.

وفي هذا السياق، يكرر جلالة الملك عبدالله الثاني أن حل الدولتين هو الطريق إلى الاستقرار الدائم، وقد جدد أخيراً، أمام الأمين العام للأمم المتحدة، التحذير من إجراءات ضم الأراضي وتوسيع المستوطنات، رابطاً بصورة مباشرة بين مستقبل الدولة الفلسطينية والاستقرار الإقليمي.

وتتجاوز أهمية هذا الموقف حدود الخطاب السياسي؛ لأن الزمن هنا ليس عنصراً محايداً. عندما تتغير الخريطة، يصبح مرور الوقت جزءاً من المشكلة نفسها. وكل واقع جديد يثبت على الأرض قد يجعل التراجع عنه أكثر صعوبة، وكل مساحة تُفقد أو تُجزأ تضيف عقبة جديدة أمام الدولة التي يتحدث العالم عن قيامها.

ولذلك فإن الدفاع عن حل الدولتين لا يتعلق بالحفاظ على عبارة تكررت في البيانات الدولية، بل بالحفاظ على الشروط الجغرافية والسياسية التي تجعلها قابلة للتحول إلى واقع.

قد يبقى حل الدولتين حاضراً في بيانات الأمم المتحدة، وفي خطابات القادة، وفي موائد التفاوض. لكن السؤال الحقيقي الذي تفرضه الوقائع هو: هل تبقى مقوماته حاضرة على الأرض بالقدر نفسه؟

فالحلول السياسية لا تموت دائماً بقرار معلن. أحياناً يجري إنهاكها ببطء، حتى يصبح تحقيقها أصعب من رفضها. ولهذا فإن أخطر ما في سياسة الأمر الواقع ليس ما تقوله في لحظة معينة، بل ما تتركه وراءها من حقائق يصعب تغييرها.

حل الدولتين قد لا يُجهَض يوم يُعلن دفنه؛ قد يُجهَض يوم تصبح الأرض التي يمكن أن تقوم عليها الدولة أصغر من الفكرة التي يتحدث عنها العالم.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم