سرايا - بدموع لم يستطع إخفاءها، يستعيد مصطفى تفاصيل دقائق كان فيها الموت أقرب إليه من أي وقت مضى. الشاب المصري البالغ من العمر 39 عامًا، والذي يعمل في الأردن منذ 18 عامًا، لم يكن يعلم وهو يسبح في مياه البحر الاحمر في خليج العقبة أن لحظات قليلة ستنقله من رحلة عادية في الماء إلى واحدة من أكثر التجارب قسوة وتعقيدًا في حياته.
رأى مصطفى زورقًا يقترب منه، وأدرك أن اصطدامه به قد يكون قاتلًا. حاول الابتعاد والهرب، لكن المسافة والوقت لم يسعفاه.
وقع الاصطدام
وفي لحظة اختلط فيها الألم بالماء والخوف، فقد مصطفى جزءًا من ساقه، لكنه بقي واعيًا. يقول إنه عندما فتح عينيه ورأى الماء والسماء من حوله، كان أول ما فعله أن حمد الله لأنه لا يزال على قيد الحياة، قبل أن يكتشف الحقيقة القاسية: ساقه لم تعد في مكانها.
وبرغم جسده المنهك وإصاباته ونزفه، حاول البحث عنها في الماء، فيما وصلت فرق الدفاع المدني لإنقاذه وانتشاله إلى بر الأمان. إلا أن مصطفى كان يصرخ طالبًا منهم ألا يتركوا ساقه في البحر.
لم تكن صرخاته مجرد تعبير عن الصدمة؛ كانت تمسكًا بأمل لم يكن يعرف في تلك اللحظة إن كان ممكنًا طبيًا أم لا.
استجابت كوادر الدفاع المدني، واستُدعي الغواصون للبحث عن الساق المبتورة حتى تمكنوا من انتشالها، لتبدأ منذ تلك اللحظة سلسلة متلاحقة من الإجراءات الطبية والإنقاذية، كان للوقت فيها دور حاسم.
نُقل مصطفى إلى المستشفى الإسلامي في العقبة، حيث جرى إسعافه والتعامل مع الساق المبتورة وحفظها وفق الإجراءات الطبية اللازمة للمحافظة على الأنسجة إلى أقصى حد ممكن، في وقت كان فيه الفريق الطبي يدرك أن التعامل مع الحالة يتجاوز إمكانات الإسعاف الأولي ويحتاج إلى فريق متخصص في جراحة العظام والأوعية الدموية والجراحات الدقيقة.
وجاء القرار سريعًا بنقله إلى عمّان، وتحديدًا إلى مستشفى عبد الهادي، حيث كان استشاري جراحة العظام الدكتور مالك غنيمات واستشاري جراحة الأوعية الدموية الدكتور جان الشيشاني على استعداد للتعامل مع واحدة من الحالات الجراحية بالغة التعقيد.
يتذكر مصطفى، في حديثه لـ «الدستور» اللحظات التي سبقت دخوله إلى غرفة العمليات بقوله إن الأطباء منحوه قدرًا كبيرًا من الطمأنينة والأمل، وأكدوا له أنهم سيبذلون كل ما يمكن من أجل إنقاذ ساقه.
ثم غاب عن المشهد..
يقول: «لا أعلم ماذا جرى بعد ذلك.. كل ما أتذكره أنني فتحت عيني بعد ساعات طويلة لأجد ساقي في مكانها».
استغرقت الجراحة ساعات متواصلة من العمل الدقيق، بدأت، وفق إدارة المستشفى، قرابة الساعة الحادية عشرة ليلًا واستمرت حتى العاشرة من صباح اليوم التالي؛ أكثر من إحدى عشرة ساعة قضاها مصطفى بين أيدي الجراحين، في محاولة لإعادة الطرف المبتور واستعادة تدفق الدم إليه وتثبيت العظام والتعامل مع الأوعية والأنسجة والأعصاب المتضررة.
ورغم قسوة التجربة، يقول مصطفى إن ما خفف عنه هول ما تعرض له هو حجم الاهتمام الذي أحاط به منذ اللحظة الأولى، بدءًا من كوادر الدفاع المدني، مرورًا بالفريق الطبي في العقبة الذي قدم له الإسعافات الأولية وتعامل مع ساقه المبتورة، ووصولًا إلى نقله سريعًا إلى عمّان والرعاية التي يتلقاها حاليًا تحت إشراف الفريق الطبي.
«قصة موجعة»
مدير عام مستشفى عبد الهادي الدكتور سامر عبد الهادي وصف ما حدث بأنه «قصة موجعة»، وقال لـ«الدستور» إن شابًا في مقتبل العمر وجد نفسه خلال ثوانٍ في مواجهة مباشرة بين الحياة والموت، بعدما حاول الإفلات من القارب قبل أن يصطدم به.
وأشار إلى أن نجاح التعامل مع الحالة بدأ، في الواقع، قبل وصول المصاب إلى غرفة العمليات، موضحًا أن كوادر الدفاع المدني تعاملت مع شاب يعاني نزفًا وإصابات متعددة، فيما كان هو، رغم حالته، يصر على ضرورة البحث عن ساقه المبتورة.
وأضاف أن إحضار الغواصين وانتشال الساق من البحر، ثم التعامل معها في المستشفى الإسلامي بالعقبة وحفظها بطريقة طبية سليمة، إلى جانب الإسراع في نقل المصاب إلى عمّان وسرعة استجابة الجراحين، شكّل سلسلة مترابطة من الإجراءات كان لكل حلقة فيها أهمية كبيرة.
وقال عبد الهادي إن العملية «من العمليات شديدة التعقيد والدقة»، إذ لا تقتصر على إعادة الجزء المبتور إلى مكانه، وإنما تتطلب التعامل في الوقت نفسه مع العظام والشرايين والأوردة والأعصاب والعضلات والأنسجة وإعادة الدورة الدموية إلى الطرف، مع مراقبة استجابته خلال الأيام التالية.
وأكد أن العملية استمرت من نحو الحادية عشرة ليلًا وحتى العاشرة صباحًا، وأن المصاب يخضع حاليًا لمراقبة حثيثة من الاستشاريين والطواقم الطبية، مشيرًا إلى أن الحكم النهائي على النتائج يحتاج إلى متابعة طبية متواصلة.
وبعد أربعة أيام من الجراحة، لا يزال الفريق الطبي يتعامل بحذر مع الحالة، في انتظار المؤشرات الطبية التي تحدد مدى نجاح إعادة الطرف واستقراره على المدى القريب.
وأشار عبد الهادي إلى أن مثل هذه العمليات تحمل معدلات مرتفعة من التعقيد واحتمالات الفشل، وقدّر أن نسبة الفشل في الحالات الصعبة من هذا النوع قد تصل إلى 70 أو 80 بالمئة، مؤكدًا في الوقت ذاته أن الأمل يبقى قائمًا في أن تتكلل العملية بالنجاح الكامل وأن يستعيد الشاب أكبر قدر ممكن من وظيفة ساقه وحياته الطبيعية.
ليست جراحة عادية
طبيًا، تُعد إعادة زرع طرف مبتور كامل من الجراحات الكبرى والدقيقة، لأنها تتطلب إعادة بناء مجموعة من الأنسجة في وقت واحد، وليس مجرد تثبيت الطرف في موضعه. ويشكّل عامل الوقت منذ وقوع البتر وحتى استعادة التروية الدموية، إلى جانب طبيعة الإصابة وحالة العضلات والأوعية والأعصاب، عناصر أساسية في تحديد فرص بقاء الطرف واستعادة وظيفته.
كما لا ينتهي التحدي بنهاية العملية الجراحية؛ إذ تبدأ بعدها مرحلة دقيقة من مراقبة الدورة الدموية في الطرف والتأكد من حيوية الأنسجة وعدم حدوث جلطات أو التهابات أو مضاعفات، قبل الانتقال لاحقًا إلى مراحل التأهيل والعلاج الطبيعي واستعادة الحركة والإحساس تدريجيًا.
وهذا ما يجعل حالة مصطفى حتى الآن معركة طبية لم تُحسم نتائجها النهائية بعد، رغم نجاح الخطوة الأولى وإعادة الساق إلى مكانها.
وفي ختام حديثه، أكد الدكتور سامر عبد الهادي أن القطاع الطبي الأردني يمتلك إمكانات وتجهيزات وكفاءات بشرية قادرة على التعامل مع الحالات شديدة التعقيد، وقال إن ما جرى يعكس مستوى الخبرات الموجودة في المستشفيات الأردنية وفي تخصصات جراحة العظام والأوعية الدموية والجراحات الدقيقة.
أما مصطفى، وبينما ما تزال عيناه معلقتين بنتائج الأيام المقبلة، فإن أكثر ما يتذكره من تلك الساعات ليس فقط صوت القارب أو ماء البحر أو غرفة العمليات، بل تلك السلسلة من الأيدي التي تمسكت بحياته وبساقه معه؛ من غواصي الدفاع المدني في العقبة إلى الفريق الذي حفظ الطرف، ثم الجراحين الذين أمضوا ساعات طويلة في محاولة إعادته إليه.
بدأت قصته بصرخة في البحر: «أريد ساقي»
وبعد ساعات طويلة من الإنقاذ والنقل والجراحة، فتح مصطفى عينيه ليجدها من جديد في مكانها.. فيما بقيت الكلمة الأخيرة للطب وللأيام المقبلة.
من قاع خليج العقبة إلى غرفة العمليات .. إنجاز طبي أردني غير مسبوق
منذ 50 دقيقة
المشاهدات :
21164
إقرأ ايضاَ
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
02
03
04
05
آخر الأخبار
الأردن اليوم
القوات المسلحة تُجلي الدفعة الـ(33) من أطفال غزة المرضى لتلقي العلاج في الأردن
منذ 35 دقيقة
الأردن اليوم
المفكر القطري محمد المسفر لـ"سرايا": أعتبر نفسي ابن الأردن .. ووحدة الجبهة الداخلية تقوي المملكة
منذ 37 دقيقة
الأردن اليوم
العثور على جثة شاب عشريني داخل منزله غرب مدينة إربد
منذ 44 دقيقة
الأردن اليوم
المنطقة العسكرية الوسطى تحبط محاولة تسلل أربعة أشخاص
منذ 56 دقيقة
أخبار فنية
فن
سقوط مادونا في حفل VMAs يثير الجدل .. حادث أم تمثيل؟
منذ 2 ساعة
فن
شيرين رضا تكشف سبب عدم إنفاقها على ابنتها نور
منذ 4 ساعات
فن
إسعاد يونس تفاضل في الظهور الرمضاني بين دينا الشربيني ومحمد رمضان
منذ 11 ساعة
فن
ظهور جديد لابن ميريام فارس الصغير .. وتسريحة شعره تثير تفاعل الجمهور
منذ 12 ساعة
فن
عمرو دياب يتخذ قراراً جريئاً للمرة الأولى في حفله الأخير (فيديو)
منذ 14 ساعة
أخبار رياضية
رياضة
ريال مدريد وبرشلونة يتوصلان إلى تسوية في قضية تشهير
منذ 23 دقيقة
رياضة
من مبابي إلى محمد صلاح .. لعنة المنتخبات الوطنية تضرب نجوم العالم
منذ 27 دقيقة
رياضة
برشلونة خامس أكثر أندية الليغا ركضا .. وريال مدريد يتذيل القائمة
منذ 2 ساعة
رياضة
الإسباني توريس مديرًا فنيًا للحسين إربد
منذ 3 ساعات
رياضة
رسالة واتساب تكشف كواليس جديدة وراء مغادرة محمد صلاح معسكر مصر
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
رصاص وفرار على دراجة نارية .. جريمة قتل تهز (الضاحية الجنوبية) ببيروت
منذ 13 دقيقة
منوعات من العالم
موجة غضب تجتاح تونس .. اعتداء وحشي يُدخل قاصراً العناية المركزة
منذ 18 دقيقة
منوعات من العالم
بعد 87 جراحة ومعاناة 26 عامًا .. تبرّع ينقذ كولومبية من "الموت الرحيم"
منذ 21 دقيقة
منوعات من العالم
من أسرة المرضى إلى غرف الأطباء .. 65 جريمة سرقة تلاحق امرأة كندية
منذ 51 دقيقة
منوعات من العالم
فضيحة مالية في تركيا تطيح بنائبة رئيس الحزب الحاكم
منذ 1 ساعة
الرجاء الانتظار ...
التعليقات