محمد النصرات
أتاحت لي المشاركة في الندوة التدريبية حول بناء القدرات والتعاون بين بلدان الجنوب من أجل التنمية المستدامة، فرصة ثمينة للاقتراب من التجربة الصينية، وتأمل العلاقة بين التقدم التكنولوجي وبناء الإنسان وتحقيق التنمية. وبرعاية وزارة التجارة الصينية، وتنظيم جامعة الاقتصاد والتجارة الدولية (UIBE) في العاصمة بكين، جمعت هذه التجربة بين المعرفة الأكاديمية والمشاهدة الميدانية، وفتحت أمامي نافذة لفهم الكيفية التي تتحول بها الرؤى التنموية إلى ممارسات تؤثر في حياة الناس.
كان أول ما استوقفني ذلك التناغم بين الاعتزاز بالتاريخ والتطلع إلى المستقبل. ففي المشهد الحضري الصيني، تتجاور المباني الحديثة وشبكات النقل المتطورة مع المعالم التاريخية والحدائق والمواقع الثقافية التي تحظى بالعناية والصون. ويمنح هذا التجاور الزائر إحساسًا بأن التحديث يستمد جانبًا من قوته من الارتباط بالجذور، وأن المحافظة على الهوية يمكن أن تواكب الطموح إلى الابتكار والتجدد.
وخلال الجولات والأنشطة الثقافية المصاحبة للندوة، لمست حضور الإرث الحضاري في الطريقة التي تقدم بها الصين نفسها للعالم. فقد شكّل طريق الحرير عبر التاريخ مجالًا للتواصل والتبادل، وتستحضر التجربة الصينية المعاصرة معاني هذا التواصل في علاقاتها التنموية والثقافية. ومن هذه الزاوية، يكتسب التعاون مع بلدان الجنوب العالمي أهمية تتصل بتبادل المعرفة والخبرات، وتعزيز المصالح المشتركة، واحترام خصوصية المجتمعات ومساراتها التنموية.
وفي تفاصيل الحياة اليومية، بدا التحول الرقمي واضحًا وقريبًا من الإنسان. فالمدفوعات عبر الهاتف واسعة الحضور، والخدمات الرقمية تسهّل إنجاز كثير من المعاملات، بينما تعكس شبكات النقل الحديثة توظيف التكنولوجيا في اختصار المسافات وتنظيم الحركة. وما أثار اهتمامي هو اندماج هذه الأدوات في الممارسة اليومية، بحيث تصبح فائدتها ملموسة في الوقت الذي توفره، والجهد الذي تختصره، وسهولة الوصول إلى الخدمات.
ورافق هذا التطور شعور بالأمان والطمأنينة في الأماكن التي زرتها، إلى جانب التنظيم الذي ظهر في التنقلات والزيارات والفعاليات. وقد تجلّت دقة الإعداد في برنامج الندوة، والاهتمام بتفاصيل استقبال المشاركين وتيسير إقامتهم وتفاعلهم. وكانت حفاوة المضيفين وودّهم جزءًا أصيلًا من التجربة، أضفى على البرنامج العلمي بُعدًا إنسانيًا، وقرّب المسافات بين مشاركين قدموا من بيئات وثقافات مختلفة.
أما القيمة المعرفية الأعمق للندوة، فتمثلت في تناول التنمية المستدامة باعتبارها مسؤولية تتداخل فيها الخيارات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. فقد أتاحت النقاشات التعرف إلى جهود التحول نحو الطاقة النظيفة، وتطوير النقل الكهربائي، وتحسين كفاءة استخدام الموارد. وأظهرت هذه الموضوعات أهمية ربط التقدم الصناعي بحماية البيئة، وإدماج الاعتبارات البيئية في التخطيط منذ مراحله الأولى.
وفي مجال التنمية الحضرية، برزت أهمية المساحات الخضراء وإدارة المياه وتصميم مدن أكثر قدرة على التكيف مع التحديات المناخية. وكان مفهوم "مدن الإسفنج"، القائم على تحسين استيعاب مياه الأمطار وتخزينها والاستفادة منها، مثالًا على توظيف التخطيط والابتكار لمعالجة مشكلات ملموسة. وتفتح مثل هذه التجارب مجالًا للتفكير في حلول تناسب احتياجات مدننا، مع مراعاة اختلاف الظروف الطبيعية والموارد والإمكانات.
كما احتلت قضايا الحد من الفقر والتنمية الريفية مكانة مهمة في النقاشات. وقدمت التجربة الصينية مادة غنية للتأمل في دور البنية التحتية والتعليم والتدريب وربط المنتجين بالأسواق في توسيع الفرص الاقتصادية. ولفتني ما تتيحه التجارة الإلكترونية من إمكانات أمام المجتمعات الريفية للوصول إلى المستهلكين وتسويق منتجاتها، حين تتوافر المهارات والخدمات والسياسات الداعمة. وهو ما يؤكد أن التنمية تحتاج إلى تمكين الناس من المشاركة في الإنتاج والاستفادة من عوائده.
ومن هنا، اكتسب التعاون بين بلدان الجنوب معناه العملي في هذه الندوة؛ فمشاركة التجارب تتيح للدول التعلم من النجاحات والتحديات، وتطوير حلول تستجيب لأولوياتها الوطنية. وتزداد قيمة هذا التعاون حين يسهم في بناء الكفاءات المحلية، وتوسيع القدرة على استخدام التكنولوجيا وتطويرها، وإقامة شراكات تمنح المؤسسات والأفراد دورًا فاعلًا في صناعة مستقبلهم.
لقد عمّقت هذه المشاركة فهمي للتنمية بوصفها مسارًا طويلًا يحتاج إلى رؤية واضحة، ومؤسسات فاعلة، واستثمار متواصل في الإنسان. وعدت منها بقناعة أن الاستفادة من التجارب الدولية تبدأ بفهم الأسس التي قامت عليها، ثم توظيف دروسها بما يلائم واقعنا. فالتكنولوجيا تفتح إمكانات واسعة، ويمنحها التخطيط السليم والعمل المنظم القدرة على إحداث أثر مستدام في حياة الشعوب.
وفي ختام هذه التجربة الثرية، أتقدم بجزيل الشكر والعرفان إلى أتقدم بجزيل الشكر والامتنان إلى سفارة جمهورية الصين الشعبية في الأردن ووزارة التجارة الصينية، وجامعة الاقتصاد والتجارة الدولية (UIBE)، والدكتور حسن الدعجة، على إتاحة هذه الفرصة ودعم المشاركة فيها. فقد مكّنتني من التعرف إلى جوانب عديدة من الصين كنت أجهلها، ومنحتني معرفة أعمق بتجربتها التنموية، وثقة أكبر بما يمكن أن يحققه التعاون بين بلدان الجنوب من فرص للتقدم والازدهار المشترك.
أتاحت لي المشاركة في الندوة التدريبية حول بناء القدرات والتعاون بين بلدان الجنوب من أجل التنمية المستدامة، فرصة ثمينة للاقتراب من التجربة الصينية، وتأمل العلاقة بين التقدم التكنولوجي وبناء الإنسان وتحقيق التنمية. وبرعاية وزارة التجارة الصينية، وتنظيم جامعة الاقتصاد والتجارة الدولية (UIBE) في العاصمة بكين، جمعت هذه التجربة بين المعرفة الأكاديمية والمشاهدة الميدانية، وفتحت أمامي نافذة لفهم الكيفية التي تتحول بها الرؤى التنموية إلى ممارسات تؤثر في حياة الناس.
كان أول ما استوقفني ذلك التناغم بين الاعتزاز بالتاريخ والتطلع إلى المستقبل. ففي المشهد الحضري الصيني، تتجاور المباني الحديثة وشبكات النقل المتطورة مع المعالم التاريخية والحدائق والمواقع الثقافية التي تحظى بالعناية والصون. ويمنح هذا التجاور الزائر إحساسًا بأن التحديث يستمد جانبًا من قوته من الارتباط بالجذور، وأن المحافظة على الهوية يمكن أن تواكب الطموح إلى الابتكار والتجدد.
وخلال الجولات والأنشطة الثقافية المصاحبة للندوة، لمست حضور الإرث الحضاري في الطريقة التي تقدم بها الصين نفسها للعالم. فقد شكّل طريق الحرير عبر التاريخ مجالًا للتواصل والتبادل، وتستحضر التجربة الصينية المعاصرة معاني هذا التواصل في علاقاتها التنموية والثقافية. ومن هذه الزاوية، يكتسب التعاون مع بلدان الجنوب العالمي أهمية تتصل بتبادل المعرفة والخبرات، وتعزيز المصالح المشتركة، واحترام خصوصية المجتمعات ومساراتها التنموية.
وفي تفاصيل الحياة اليومية، بدا التحول الرقمي واضحًا وقريبًا من الإنسان. فالمدفوعات عبر الهاتف واسعة الحضور، والخدمات الرقمية تسهّل إنجاز كثير من المعاملات، بينما تعكس شبكات النقل الحديثة توظيف التكنولوجيا في اختصار المسافات وتنظيم الحركة. وما أثار اهتمامي هو اندماج هذه الأدوات في الممارسة اليومية، بحيث تصبح فائدتها ملموسة في الوقت الذي توفره، والجهد الذي تختصره، وسهولة الوصول إلى الخدمات.
ورافق هذا التطور شعور بالأمان والطمأنينة في الأماكن التي زرتها، إلى جانب التنظيم الذي ظهر في التنقلات والزيارات والفعاليات. وقد تجلّت دقة الإعداد في برنامج الندوة، والاهتمام بتفاصيل استقبال المشاركين وتيسير إقامتهم وتفاعلهم. وكانت حفاوة المضيفين وودّهم جزءًا أصيلًا من التجربة، أضفى على البرنامج العلمي بُعدًا إنسانيًا، وقرّب المسافات بين مشاركين قدموا من بيئات وثقافات مختلفة.
أما القيمة المعرفية الأعمق للندوة، فتمثلت في تناول التنمية المستدامة باعتبارها مسؤولية تتداخل فيها الخيارات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. فقد أتاحت النقاشات التعرف إلى جهود التحول نحو الطاقة النظيفة، وتطوير النقل الكهربائي، وتحسين كفاءة استخدام الموارد. وأظهرت هذه الموضوعات أهمية ربط التقدم الصناعي بحماية البيئة، وإدماج الاعتبارات البيئية في التخطيط منذ مراحله الأولى.
وفي مجال التنمية الحضرية، برزت أهمية المساحات الخضراء وإدارة المياه وتصميم مدن أكثر قدرة على التكيف مع التحديات المناخية. وكان مفهوم "مدن الإسفنج"، القائم على تحسين استيعاب مياه الأمطار وتخزينها والاستفادة منها، مثالًا على توظيف التخطيط والابتكار لمعالجة مشكلات ملموسة. وتفتح مثل هذه التجارب مجالًا للتفكير في حلول تناسب احتياجات مدننا، مع مراعاة اختلاف الظروف الطبيعية والموارد والإمكانات.
كما احتلت قضايا الحد من الفقر والتنمية الريفية مكانة مهمة في النقاشات. وقدمت التجربة الصينية مادة غنية للتأمل في دور البنية التحتية والتعليم والتدريب وربط المنتجين بالأسواق في توسيع الفرص الاقتصادية. ولفتني ما تتيحه التجارة الإلكترونية من إمكانات أمام المجتمعات الريفية للوصول إلى المستهلكين وتسويق منتجاتها، حين تتوافر المهارات والخدمات والسياسات الداعمة. وهو ما يؤكد أن التنمية تحتاج إلى تمكين الناس من المشاركة في الإنتاج والاستفادة من عوائده.
ومن هنا، اكتسب التعاون بين بلدان الجنوب معناه العملي في هذه الندوة؛ فمشاركة التجارب تتيح للدول التعلم من النجاحات والتحديات، وتطوير حلول تستجيب لأولوياتها الوطنية. وتزداد قيمة هذا التعاون حين يسهم في بناء الكفاءات المحلية، وتوسيع القدرة على استخدام التكنولوجيا وتطويرها، وإقامة شراكات تمنح المؤسسات والأفراد دورًا فاعلًا في صناعة مستقبلهم.
لقد عمّقت هذه المشاركة فهمي للتنمية بوصفها مسارًا طويلًا يحتاج إلى رؤية واضحة، ومؤسسات فاعلة، واستثمار متواصل في الإنسان. وعدت منها بقناعة أن الاستفادة من التجارب الدولية تبدأ بفهم الأسس التي قامت عليها، ثم توظيف دروسها بما يلائم واقعنا. فالتكنولوجيا تفتح إمكانات واسعة، ويمنحها التخطيط السليم والعمل المنظم القدرة على إحداث أثر مستدام في حياة الشعوب.
وفي ختام هذه التجربة الثرية، أتقدم بجزيل الشكر والعرفان إلى أتقدم بجزيل الشكر والامتنان إلى سفارة جمهورية الصين الشعبية في الأردن ووزارة التجارة الصينية، وجامعة الاقتصاد والتجارة الدولية (UIBE)، والدكتور حسن الدعجة، على إتاحة هذه الفرصة ودعم المشاركة فيها. فقد مكّنتني من التعرف إلى جوانب عديدة من الصين كنت أجهلها، ومنحتني معرفة أعمق بتجربتها التنموية، وثقة أكبر بما يمكن أن يحققه التعاون بين بلدان الجنوب من فرص للتقدم والازدهار المشترك.
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات