د أحلام ناصر يكتب: الحضانة في الأردن .. هل آن أوان مراجعة معيار الأحقية؟

منذ 43 دقيقة
المشاهدات : 11623
د أحلام ناصر يكتب: الحضانة في الأردن ..  هل آن أوان مراجعة معيار الأحقية؟
د. أحلام ناصر

د. أحلام ناصر

أثار النقاش الأخير حول حقوق الأب بعد الطلاق وسن الحضانة الكثير من الجدل، حتى بدا أحيانًا وكأننا أمام معركة جديدة بين الرجل والمرأة، فريق ينتصر للأب، وآخر يدافع عن الأم، في حين يقف الطفل الذي هو محور القضية كلها بعيدًا عن هذا الجدل وهو الطفل. المشكلة في تقديري ليست في أن نمنح الأب حقوقًا على حساب الأم، ولا في أن نحافظ على حقوق الأم على حساب الأب، بل في السؤال الذي يجب أن يسبق الاثنين وهو ما هي الخطة التي تحقق المصلحة الفضلى لكل طفل تحديدًا؟ قانون الأحوال الشخصية الأردني رقم 15 لسنة 2019 لا يمنح الأم الحضانة دون شروط، وهذه نقطة يجب توضيحها بدقة، فالمادة 171 تشترط في مستحق الحضانة أن يكون بالغًا عاقلًا أمينًا على المحضون وقادرًا على تربيته وصيانته دينيًا وخلقيًا وصحيًا، كما تنص المادة 172 على سقوط حق الحضانة إذا اختل أحد الشروط المطلوبة. لكن وجود هذه الشروط لا يلغي سؤالًا حيويًا يستحق إعادة طرحه ومناقشته، فالمادة 170 تبدأ من قاعدة قانونية تجعل الأم النسبية أحق بحضانة ولدها أثناء الزوجية وبعد الفرقة، ثم ينتقل الحق بعدها وفق الترتيب الذي حدده القانون، كما أن المادة 173 تجعل حضانة الأم مستمرة حتى إتمام المحضون الخامسة عشرة، بينما تكون لغير الأم حتى إتمام العاشرة. وهنا أعتقد أن المراجعة المطلوبة يجب ألا تنطلق من استبدال أولوية المرأة بأولوية الرجل، وإنما من مراجعة فكرة الأولوية المسبقة نفسها، فالأمومة قيمة عظيمة، لكنها لا تجعل جميع الأمهات متساويات في القدرة على الرعاية، كما أن الأبوة لا تجعل جميع الآباء متساوين في قدرتهم عليها، الأسر مختلفة، والأطفال مختلفون، والظروف النفسية والاجتماعية والاقتصادية لكل حالة تختلف عن الأخرى. قد تكون الأم في حالة معينة الأكثر قدرة على توفير الأمان والاستقرار والرعاية اليومية، وقد يكون الأب في حالة أخرى أكثر قدرة، وقد تكون المصلحة الحقيقية للطفل في ترتيبات تضمن وجودًا واسعًا ومستقرًا لكليهما في حياته. ولهذا فإن معيار الأهلية لا ينبغي أن يظهر فقط عندما يسعى أحد الأطراف إلى إسقاط حضانة الطرف الآخر، بل يستحق أن يكون جزءًا أصيلًا من تقييم الحالة منذ البداية، وهذا يتفق مع الاتجاه الحقوقي الحديث في التعامل مع الأطفال، فاتفاقية حقوق الطفل تجعل مصلحة الطفل اعتبارًا أساسيًا في جميع القرارات التي تتعلق به، كما تؤكد لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة أن تحديد هذه المصلحة لا يتم بصورة مجردة أو بقاعدة واحدة تصلح لجميع الأطفال، وإنما يجب أن يجري تقييمها وفق الظروف الخاصة بكل طفل وعلى أساس كل حالة على حدة. لذلك فإن النقاش حول الحضانة يحتاج إلى الانتقال من سؤال من الأحق، الأب أم الأم، إلى مجموعة أسئلة أكثر أهمية، من قام فعليًا برعاية الطفل، ما طبيعة علاقته بكل من والديه، أين يجد الاستقرار النفسي والاجتماعي، هل يوجد عنف أو إساءة أو إهمال، من يستطيع توفير الرعاية اليومية، وهل يستطيع كل طرف احترام علاقة الطفل بالطرف الآخر وعدم استخدامه أداة للانتقام بعد الطلاق؟ فالطفل الذي يستخدم لمنع الأب من الابوة، أو لمنع الأم من الأمومة، أو للضغط في النفقة والحضانة والرؤية، هو الخاسر الحقيقي مهما كان الطرف الذي انتصر في القضية، الحضانة في النهاية ليست جائزة يحصل عليها أحد الوالدين بعد انتهاء الزواج، وليست حقًا مطلقًا للأم، كما أنها ليست حقًا مطلقًا للأب، إنها مسؤولية، ومعيارها الأول يجب أن يكون مصلحة الطفل. وربما حان الوقت لأن ينتقل النقاش من الدفاع عن حقوق الرجال أو النساء، إلى الدفاع عن حق الطفل في أن تنظر العدالة إلى حالته هو، قبل أن تنظر إلى جنس من يطلب حضانته.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم