ابراهيم عبدالله القضاه يكتب: حين تحدث الأردن أمام العالم .. كان صوت المنطقة وضمير الإنسان

منذ 3 أسابيع
المشاهدات : 51489
ابراهيم عبدالله القضاه يكتب: حين تحدث الأردن أمام العالم ..  كان صوت المنطقة وضمير الإنسان
ابراهيم عبدالله ابراهيم القضاه

ابراهيم عبدالله ابراهيم القضاه

حين تحدث الأردن أمام العالم... كان صوت المنطقة وضمير الإنسان ليست كل الكلمات سواء... فبعض الكلمات تعبر الأذن ثم تمضي وبعضها يستقر في العقل فيدفع الإنسان إلى التفكير أما بعضها الآخر فيتجاوز العقل ليصل إلى مكان أعمق وأصدق... إلى الضمير. ومن هنا جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله أمام العالم. لم يكن خطابًا أردنيًا بالمعنى الضيق، ولم يكن مجرد كلمات سياسية تُقال ثم تنتهي بانتهاء المناسبة، بل كان خطاب دولة تعرف موقعها في هذه المنطقة، وتدرك أن أزمات الجوار ليست بعيدة عن أمنها، وأن ما يجري حولها يترك أثره على مستقبلها ومستقبل شعوب المنطقة كلها. كان الأردن يتحدث عن فلسطين وغزة والقدس والضفة الغربية ويتحدث عن سوريا والجنوب السوري ويتحدث عن إسرائيل وسياساتها وتداعياتها على أمن المنطقة ويتحدث عن شعوب أنهكتها الحروب ودفع الإنسان فيها ثمن صراعات طويلة لم يكن هو من صنع قرارها. وفي فلسطين كانت الرسالة واضحة... لا يمكن للعالم أن يستمر في التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها أزمة مؤجلة، ولا يمكن أن يتحول الاحتلال والاستيطان وتغيير الواقع على الأرض إلى أمر دائم لمجرد أن المجتمع الدولي اعتاد على رؤيته. ومن غزة جاء صوت الإنسان قبل صوت السياسة. أما القدس فبقيت حاضرة في وجدان الموقف الأردني بما تمثله من مكانة دينية وتاريخية، وبما تحمله من مسؤولية هاشمية تجاه المقدسات الإسلامية والمسيحية. لكن الخطاب ذهب إلى أبعد من ذلك... فقد تناول جلالة الملك مسألة خطيرة في طريقة تقديم الصراع، حين أشار إلى محاولة الحكومة الإسرائيلية تصويره على أنه حرب أديان؛ الإسلام في جهة واليهودية والمسيحية في الجهة المقابلة. وهنا جاءت الرسالة الأردنية واضحة وعميقة: هذا ليس صراعًا بين الأديان. فالإسلام لا يخوض حربًا ضد اليهودية أو المسيحية، والمسيحيون والمسلمون الفلسطينيون ليسوا طرفين في مواجهة دينية، وإنما القضية تتعلق بحق الإنسان في أرضه وحقوقه وكرامته وحريته. وهذه النقطة تحديدًا تحمل أهمية كبيرة؛ لأن تحويل الصراع السياسي إلى صراع ديني يفتح أبوابًا أخطر من حدود الصراع نفسه، ويهدد بأن تتحول الخلافات السياسية إلى مواجهة بين الشعوب والأديان. والأردن، بما يحمله من إرث هاشمي في حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، يدرك أن الدين يجب أن يكون جسرًا للسلام لا وقودًا للصراع. فالمسجد والكنيسة والكنيس لا ينبغي أن تكون ساحات للحرب، والقدس لا ينبغي أن تتحول إلى شرارة لصراع ديني عالمي. ومن هنا كان حديث جلالة الملك يحمل رسالة تتجاوز فلسطين وإسرائيل إلى العالم كله: لا تسمحوا بتحويل السياسة إلى دين ولا تحولوا الدين إلى وقود للحرب. أما سوريا والجنوب السوري، فقد دخلا في الخطاب من زاوية أخرى لا تقل أهمية. فالجنوب السوري ليس بعيدًا عن الأمن الأردني، وما يحدث على الحدود الشمالية لا يمكن أن يُنظر إليه باعتباره شأنًا لا علاقة للأردن به. وحين تحدث جلالة الملك عن إسرائيل وسياساتها في المنطقة، وعن استمرار نهجها في الجنوب السوري، كان واضحًا أن الأردن ينظر إلى التطورات من زاوية أمنه الوطني واستقرار المنطقة، وليس من منطلق الرغبة في فتح جبهة جديدة أو الدخول في صراع جديد. فالأردن لا يريد الحرب... لكنه يعرف كيف يحمي أمنه. ولا يبحث عن المواجهة... لكنه لا يقبل أن تصبح حدوده وأمنه ومياهه ومصالح شعبه مجالًا مفتوحًا للمخاطر. ولهذا جاءت الرسالة واضحة بأن أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي هو تهديد للأمن القومي الأردني. وهنا تظهر حكمة الموقف الأردني. الأردن لا يريد أن يكون جزءًا من الفوضى التي أنهكت المنطقة، بل يريد أن ينتصر منطق الدولة على منطق الفوضى، والقانون على القوة، والحوار على الحرب، والسلام على الانتقام. ومن فلسطين إلى سوريا... ومن القدس إلى الجنوب السوري... ومن غزة إلى بقية دول المنطقة... تتضح صورة واحدة: هذه المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من الحروب، بل تحتاج إلى شجاعة السلام. تحتاج إلى دولة تحمي شعبها وقانون يحفظ الحقوق وحدود آمنة ومقدسات مصانة وسلام عادل وإرادة سياسية تضع الإنسان قبل الحسابات. وهنا كان صوت الأردن مختلفًا في هدوئه. الأردن لا يتحدث من برج بعيد عن أزمات المنطقة، بل يتحدث من قلبها. دولة عرفت معنى اللجوء، وعرفت معنى الحرب، وحملت على أرضها أعباء أزمات الآخرين، ومع ذلك بقيت متمسكة باستقرارها وإنسانيتها وعروبتها. ولهذا فإن قوة الخطاب لم تكن في ارتفاع الصوت، وإنما في وضوح الرسالة. رسالة تقول إن السلام لا يكون بإنكار حقوق الشعوب. وأن الأمن لا يصنعه الخوف. وأن الدين لا ينبغي أن يكون عنوانًا للحرب. وأن القدس ليست مكانًا عاديًا في وجدان الملايين. وأن فلسطين ليست قضية يمكن للعالم أن يؤجلها إلى ما لا نهاية. وأن أمن الأردن ليس موضوعًا قابلًا للمساومة. وحين تحدث جلالة الملك عن إسرائيل وفلسطين وسوريا والجنوب السوري، كان يتحدث عن منطقة واحدة تتداخل فيها الجغرافيا بالأمن، والسياسة بالإنسان، والتاريخ بالمستقبل. وكان يقول للعالم إن تجاهل جذور الأزمات لا يؤدي إلى السلام، وإنما يؤجل الانفجار. وهكذا تحدث جلالة الملك... بهدوء القائد وبحكمة رجل الدولة وبثبات الهاشمي الذي يعرف أن التاريخ ليس مجرد ماضٍ نقرأه، وإنما أمانة نحملها أمام المستقبل. وحين تحدث الأردن أمام العالم، لم يكن يبحث عن أن يسمع العالم صوته فقط... بل كان يريد للعالم أن يسمع صوت العقل قبل أن يعلو صوت الرصاص، وصوت الإنسان قبل أن تضيع الإنسانية بين خرائط السياسة، وصوت السلام قبل أن يتحول الدين نفسه إلى عنوان للصراع. ذلك هو الأردن... دولة تعرف أن حجمها الجغرافي لا يحدد حجم رسالتها، وأن المواقف الكبيرة لا تحتاج دائمًا إلى كلمات صاخبة، لأن الموقف حين يكون ثابتًا يصل إلى أبعد من الصوت. حفظ الله الأردن وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم دام الله عزه ومُلكه وحفظ ولي عهده الأمين الأمير المحبوب والمهيوب  سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني المعظم وحفظ فلسطين وسوريا وسائر بلادنا العربية وأمن شعوب المنطقة من الخوف والحرب والدمار وأدام على الأردن أمنه وعزته واستقراره. إبراهيم عبدالله إبراهيم القضاه

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم