في العقود الثلاثة الأخيرة، أُطلقت كثير من الشعارات التي ارتبطت بشكل مباشر بالمخاض السياسي لمنطقة الشرق الأوسط، ولعل أبرز تلك الشعارات شعاري «الفوضى الخلاقة» و«الشرق الأوسط الجديد». وقد ندرك أن هذه الشعارات لم تكن حبيسة الأدراج بقدر ما كانت رؤية طويلة المدى، نعايش اليوم تداعياتها ومخاطرها.
وللدلالة والربط، يجد المتابع أن شعار «شرق أوسط جديد»، وإن كان أول من تحدث عنه شمعون بيريز، إلا أن كولن باول تحدث عنه عام 2003، أي العام الذي احتُل فيه العراق، بينما تحدثت كوندوليزا رايس عام 2006 عن «آلام مخاض شرق أوسط جديد»، وتزامن ذلك لاحقاً مع ما عُرف بالربيع العربي.
وبغض النظر عن اختلاف السياقات التي استُخدمت فيها هذه المصطلحات، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا كانت النتيجة الفعلية لهذا المسار على المنطقة؟
لقد واجهت الدول العربية أحداثاً سياسية مهولة خلال العقدين الماضيين، أدت إلى تحولات سياسية واجتماعية غير مسبوقة، تسببت في هزات سياسية وأمنية عميقة، وأحدثت صراعات داخلية وانقسامات اجتماعية وطائفية وعرقية، فخسرت هذه الدول فرص الاستقرار والسلام والازدهار.
ومن هنا بدأت ظاهرة أكثر خطورة، ألا وهي ظهور قوى موازية للدولة، مما أفرز كيانات وجماعات فرضت هيمنتها، إما بادعاء المقاومة أو شرعية التمثيل، وأصبح لها من القوة ما يمكّنها من التأثير المباشر في القرار الوطني لبلدانها، بل واختطافه.
ومما فاقم الأزمة إضفاء شرعية على هذه القوى من دول إقليمية لها حساباتها السياسية الخاصة، حتى وصل الأمر إلى السماح لها بالتمثيل في المنتديات والمؤتمرات الدولية والعربية. وقد كان الادعاء، الذي ما زال يحتاج إلى بحث، من قبل هذه القوى أنها هي من عطّل مشروع الشرق الأوسط الجديد، مع أن الوقائع على الأرض تؤشر، في المقابل، إلى نتائج مختلفة.
فلقد دفعت دول المنطقة أثماناً باهظة لظهور هذه الكيانات، مثل حزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، والحوثيين في اليمن، مما عطّل مسارات التنمية والنمو، وأهدر الموارد البشرية والمادية، ودفع الشباب العربي إلى هجر أوطانهم.
ولعل المستهدف ليس الأوطان فقط، بل العقيدة التي تحكم تلك الأوطان، ومحاولة نزعها والتشكيك فيها واستبدالها بمذاهب باطلة.
فهناك سعي حثيث لإظهار الشيعة على أنهم المنقذ للأمة الإسلامية، مما يجسد شرعية دينية لهذا المذهب. وفي المقابل، يوجد تيار علماني يتبنى خطاباً دينياً، ويسعى جاهداً للطعن في السنة بحجة أن القرآن هو المصدر الوحيد للشريعة الإسلامية، بهدف إضعاف المذهب السني. وفي تقديري، فإن هذا كله يؤدي إلى إشكال ليس في الدين، وإنما في تحويله إلى أداة للصراع على السلطة والنفوذ.
لكن الفوضى التي عرفها الشرق الأوسط خلال العقود الماضية قد لا تكون سوى مرحلة من ظاهرة أوسع، لتنتج مرحلة جديدة تحت ما أسميه «الفوضى العمياء».
إن ما نشهده من تحولات على الصعيد العالمي، وليس الشرق الأوسط فقط، يؤكد أننا ندخل مرحلة جديدة من مراحل الصراع على قيادة هرم السلطة في العالم ككل. ويمكننا أن نستحضر أيضاً المقولة الحاضرة دوماً، وهي وجود «حكومة خفية» تحكم العالم، بحيث لن يعود الصراع مجرد صراع على النفوذ وبسط السلطة، بل على الهيمنة المطلقة والتحكم في مقدرات الدول وأنماط حياتها الاجتماعية والاقتصادية.
وبالعودة إلى مصطلح «الفوضى العمياء»، لا أقصد أن العالم أصبح بلا قوى مؤثرة أو بلا مصالح منظمة، بل أقصد حالة تبدو فيها القرارات السياسية متناقضة، والتحالفات متغيرة، والخطابات السياسية أقرب إلى الاستعراض، بينما تعمل في الخلفية شبكات معقدة من المصالح الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية.
فالاقتصاد لم يعد منفصلاً عن السياسة، والشركات العملاقة لم تعد مجرد كيانات تجارية، والتكنولوجيا لم تعد مجرد أداة محايدة، والبيانات أصبحت مورداً من موارد القوة، والأسواق المالية قادرة على التأثير في الدول والمجتمعات، فيما أصبحت الحروب الحديثة تُخاض أحياناً عبر العقوبات والاقتصاد والمعلومات والتكنولوجيا بقدر ما تُخاض عبر الجيوش.
وقد كشفت أزمة كورونا جانباً من هذه القدرة؛ إذ شهد العالم في فترة زمنية قصيرة استجابات حكومية واقتصادية واجتماعية متزامنة على نطاق غير مسبوق، وأصبح واضحاً إلى أي مدى يمكن للأزمات الكبرى أن تعيد تشكيل سلوك المجتمعات والاقتصادات وسياسات الدول في وقت قصير.
لذا علينا إدراك أن الفوضى العمياء لا تعني بالضرورة أن هناك قيادة أو عقلاً مركزياً يدير كل شيء، بل إن خطورتها تكمن في أنها قد تتشكل كنظام متشابك عابر للقارات، يبدو وكأنه يتحرك في حالة من العمى والعبث، بينما يعيد تشكيل العالم بصورة لا يستطيع المواطن العادي أن يراها، ولا يملك القدرة على التأثير فيها.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام الشعوب ليس البحث عن «العقل المدبر» لكل حدث، وإنما استعادة قدرتها على فهم ما يجري، والتمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين المصالح الوطنية والمصالح التي تُقدَّم لها على أنها وطنية، وبين الدولة التي تحمي مواطنيها والكيانات التي تستخدمهم وقوداً لصراعاتها.
فالفوضى لا تكون عمياء دائماً؛ أحياناً يكون العمى في عيون من ينظر إليها.
وللدلالة والربط، يجد المتابع أن شعار «شرق أوسط جديد»، وإن كان أول من تحدث عنه شمعون بيريز، إلا أن كولن باول تحدث عنه عام 2003، أي العام الذي احتُل فيه العراق، بينما تحدثت كوندوليزا رايس عام 2006 عن «آلام مخاض شرق أوسط جديد»، وتزامن ذلك لاحقاً مع ما عُرف بالربيع العربي.
وبغض النظر عن اختلاف السياقات التي استُخدمت فيها هذه المصطلحات، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا كانت النتيجة الفعلية لهذا المسار على المنطقة؟
لقد واجهت الدول العربية أحداثاً سياسية مهولة خلال العقدين الماضيين، أدت إلى تحولات سياسية واجتماعية غير مسبوقة، تسببت في هزات سياسية وأمنية عميقة، وأحدثت صراعات داخلية وانقسامات اجتماعية وطائفية وعرقية، فخسرت هذه الدول فرص الاستقرار والسلام والازدهار.
ومن هنا بدأت ظاهرة أكثر خطورة، ألا وهي ظهور قوى موازية للدولة، مما أفرز كيانات وجماعات فرضت هيمنتها، إما بادعاء المقاومة أو شرعية التمثيل، وأصبح لها من القوة ما يمكّنها من التأثير المباشر في القرار الوطني لبلدانها، بل واختطافه.
ومما فاقم الأزمة إضفاء شرعية على هذه القوى من دول إقليمية لها حساباتها السياسية الخاصة، حتى وصل الأمر إلى السماح لها بالتمثيل في المنتديات والمؤتمرات الدولية والعربية. وقد كان الادعاء، الذي ما زال يحتاج إلى بحث، من قبل هذه القوى أنها هي من عطّل مشروع الشرق الأوسط الجديد، مع أن الوقائع على الأرض تؤشر، في المقابل، إلى نتائج مختلفة.
فلقد دفعت دول المنطقة أثماناً باهظة لظهور هذه الكيانات، مثل حزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، والحوثيين في اليمن، مما عطّل مسارات التنمية والنمو، وأهدر الموارد البشرية والمادية، ودفع الشباب العربي إلى هجر أوطانهم.
ولعل المستهدف ليس الأوطان فقط، بل العقيدة التي تحكم تلك الأوطان، ومحاولة نزعها والتشكيك فيها واستبدالها بمذاهب باطلة.
فهناك سعي حثيث لإظهار الشيعة على أنهم المنقذ للأمة الإسلامية، مما يجسد شرعية دينية لهذا المذهب. وفي المقابل، يوجد تيار علماني يتبنى خطاباً دينياً، ويسعى جاهداً للطعن في السنة بحجة أن القرآن هو المصدر الوحيد للشريعة الإسلامية، بهدف إضعاف المذهب السني. وفي تقديري، فإن هذا كله يؤدي إلى إشكال ليس في الدين، وإنما في تحويله إلى أداة للصراع على السلطة والنفوذ.
لكن الفوضى التي عرفها الشرق الأوسط خلال العقود الماضية قد لا تكون سوى مرحلة من ظاهرة أوسع، لتنتج مرحلة جديدة تحت ما أسميه «الفوضى العمياء».
إن ما نشهده من تحولات على الصعيد العالمي، وليس الشرق الأوسط فقط، يؤكد أننا ندخل مرحلة جديدة من مراحل الصراع على قيادة هرم السلطة في العالم ككل. ويمكننا أن نستحضر أيضاً المقولة الحاضرة دوماً، وهي وجود «حكومة خفية» تحكم العالم، بحيث لن يعود الصراع مجرد صراع على النفوذ وبسط السلطة، بل على الهيمنة المطلقة والتحكم في مقدرات الدول وأنماط حياتها الاجتماعية والاقتصادية.
وبالعودة إلى مصطلح «الفوضى العمياء»، لا أقصد أن العالم أصبح بلا قوى مؤثرة أو بلا مصالح منظمة، بل أقصد حالة تبدو فيها القرارات السياسية متناقضة، والتحالفات متغيرة، والخطابات السياسية أقرب إلى الاستعراض، بينما تعمل في الخلفية شبكات معقدة من المصالح الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية.
فالاقتصاد لم يعد منفصلاً عن السياسة، والشركات العملاقة لم تعد مجرد كيانات تجارية، والتكنولوجيا لم تعد مجرد أداة محايدة، والبيانات أصبحت مورداً من موارد القوة، والأسواق المالية قادرة على التأثير في الدول والمجتمعات، فيما أصبحت الحروب الحديثة تُخاض أحياناً عبر العقوبات والاقتصاد والمعلومات والتكنولوجيا بقدر ما تُخاض عبر الجيوش.
وقد كشفت أزمة كورونا جانباً من هذه القدرة؛ إذ شهد العالم في فترة زمنية قصيرة استجابات حكومية واقتصادية واجتماعية متزامنة على نطاق غير مسبوق، وأصبح واضحاً إلى أي مدى يمكن للأزمات الكبرى أن تعيد تشكيل سلوك المجتمعات والاقتصادات وسياسات الدول في وقت قصير.
لذا علينا إدراك أن الفوضى العمياء لا تعني بالضرورة أن هناك قيادة أو عقلاً مركزياً يدير كل شيء، بل إن خطورتها تكمن في أنها قد تتشكل كنظام متشابك عابر للقارات، يبدو وكأنه يتحرك في حالة من العمى والعبث، بينما يعيد تشكيل العالم بصورة لا يستطيع المواطن العادي أن يراها، ولا يملك القدرة على التأثير فيها.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام الشعوب ليس البحث عن «العقل المدبر» لكل حدث، وإنما استعادة قدرتها على فهم ما يجري، والتمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين المصالح الوطنية والمصالح التي تُقدَّم لها على أنها وطنية، وبين الدولة التي تحمي مواطنيها والكيانات التي تستخدمهم وقوداً لصراعاتها.
فالفوضى لا تكون عمياء دائماً؛ أحياناً يكون العمى في عيون من ينظر إليها.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات