ما زلت أذكر، وأنا على مقاعد دراستي الجامعية الأولى، في بدايات عهد جلالة الملك عبدالله الثاني، ذلك المشهد الذي هزّ الوجدان العربي: الطفل محمد الدرة يحتمي بأبيه في غزة، ثم يسقط تحت النار في الأيام الأولى من انتفاضة الأقصى. وفي تلك الأيام كانت الصحف الأردنية تنشر صورة أخرى لم تغب عن الذاكرة؛ ملك الأردن يمد ذراعه ليتبرع من دمه للجرحى الفلسطينيين. لم تكن الصورة يومها بحاجة إلى كثير من الشرح؛ فالدم حين يُعطى يصبح أبلغ من الخطب. وبعد أكثر من ربع قرن، تبدلت الحكومات، وتعاقبت الحروب، وتغير وجه المنطقة مرات، لكن معنى الموقف بقي: فلسطين بالنسبة إلى الأردن ليست خبرًا وراء الحدود، وقوة الأردن ليست شأنًا أردنيًا داخليًا فحسب.
ولعل الزمن أثبت أن حماية فلسطين ومساندة الأشقاء لا تكون بالعاطفة وحدها، بل بأن يبقى الأردن نفسه قويًا وقادرًا على الفعل. وقد عبّر الملك في السنوات الأخيرة عن هذه المعادلة بوضوح: غزة تحتاج إلى أردن قوي، لأن قوة الأردن قوة لأشقائه وقضاياهم. ومن هنا يتسع معنى الأمن الوطني؛ فليس كل خطر جيشًا يعبر الحدود، ولا كل تهديد يسبقُه هدير الطائرات. هناك شحّ الماء، وارتفاع كلفة الطاقة، واضطراب الغذاء، وضيق سوق العمل، وتعليم قد يستمر في إعداد أبنائه لعالم تجاوز ما يتعلمونه. والسؤال لم يعد فقط: كيف نحمي الأردن اليوم؟ بل أي أردن نريد أن يكون هنا عام 2040؟
بهذا المعنى، لا يعود الناقل الوطني مجرد مشروع للمياه، ولا مخزون القمح شأنًا تموينيًا، ولا الطاقة المتجددة ترفًا بيئيًا، ولا إصلاح الإدارة ترتيبًا للمكاتب. كلها أجزاء من معنى واحد: أن تملك الدولة أكبر قدر ممكن من قرارها. فكل قطرة ماء نؤمّنها، وكل قدر من الغذاء ننتجه أو نخزنه، وكل طاقة نولدها بأيدينا، وكل صناعة نبنيها، تقلل مساحة الارتهان للمفاجآت القادمة من الخارج. وقد أظهرت الأزمات المتلاحقة أن صاروخًا في منطقة بعيدة قد يصل أثره إلى بيت أردني على هيئة سعر وقود أو غذاء أو أجرة نقل؛ ولذلك لم يعد الاقتصاد بعيدًا عن الأمن، كما لم يعد الماء بعيدًا عن السيادة.
لكن الأردن الذي نريده بعد خمسة عشر عامًا لن تصنعه الأنابيب والمستودعات ومحطات الطاقة وحدها؛ يصنعه الإنسان أولًا. لن يكون السؤال عام 2040 كم جامعة لدينا، بل ماذا ينتج خريجوها، ولا كم شهادة حمل شبابنا، بل ماذا صنعوا بها. ولن تقاس المدن بكثرة الإسمنت، بل بقدرتها على منح ساكنيها حياة تستحق أن تُعاش. نحتاج إلى تعليم يقرأ ما سيحتاجه العالم قبل أن يصل إلينا، واقتصاد يجعل من الشاب شريكًا في صناعة الفرصة لا منتظرًا لها، ومدن أكثر توازنًا، وإدارة تعرف أن المشروع لا يُقاس بحفل إطلاقه بل بما تغير بعده في حياة الناس. فالمستقبل، على خلاف الأزمة، لا يرفع صوته؛ ولهذا يسهل تأجيله حتى يفاجئنا.
ومن هنا ربما تكون أبسط قاعدة نحتاجها في السنوات المقبلة أن نسأل عند كل قرار كبير: ماذا يحل اليوم، وماذا يضيف إلى قوة الأردن غدًا؟ فالبلد الذي رأيت ملكه شابًا يتبرع من دمه لفلسطين، ثم رأيته بعد ربع قرن يحمل قضيتها في المحافل الدولية ويصرّ على أن يكون الأردن قويًا ليبقى سندًا لأشقائه، يستحق منا أن نفهم الرسالة كاملة: الوطنية ليست أن نتأثر حين تقع الأزمة فقط، بل أن نبني دولة تقلّ أزماتها وتكبر قدرتها على مساعدة نفسها والآخرين. والأردن لم يعبر ما عبره بكثرة الموارد، بل بصلابة دولته ووعي شعبه وحكمة قيادته. والوفاء الحقيقي لهذا الوطن أن نسلّم أبناءنا أردنًا أقوى مما تسلّمناه؛ يحرس حدوده جنوده، ويحرس مستقبله علم أبنائه وعملهم وإرادتهم. فالأوطان لا تُحمى عند الخطر وحده؛ تُحمى كل صباح حين نبني لها غدًا يليق بها.
ولعل الزمن أثبت أن حماية فلسطين ومساندة الأشقاء لا تكون بالعاطفة وحدها، بل بأن يبقى الأردن نفسه قويًا وقادرًا على الفعل. وقد عبّر الملك في السنوات الأخيرة عن هذه المعادلة بوضوح: غزة تحتاج إلى أردن قوي، لأن قوة الأردن قوة لأشقائه وقضاياهم. ومن هنا يتسع معنى الأمن الوطني؛ فليس كل خطر جيشًا يعبر الحدود، ولا كل تهديد يسبقُه هدير الطائرات. هناك شحّ الماء، وارتفاع كلفة الطاقة، واضطراب الغذاء، وضيق سوق العمل، وتعليم قد يستمر في إعداد أبنائه لعالم تجاوز ما يتعلمونه. والسؤال لم يعد فقط: كيف نحمي الأردن اليوم؟ بل أي أردن نريد أن يكون هنا عام 2040؟
بهذا المعنى، لا يعود الناقل الوطني مجرد مشروع للمياه، ولا مخزون القمح شأنًا تموينيًا، ولا الطاقة المتجددة ترفًا بيئيًا، ولا إصلاح الإدارة ترتيبًا للمكاتب. كلها أجزاء من معنى واحد: أن تملك الدولة أكبر قدر ممكن من قرارها. فكل قطرة ماء نؤمّنها، وكل قدر من الغذاء ننتجه أو نخزنه، وكل طاقة نولدها بأيدينا، وكل صناعة نبنيها، تقلل مساحة الارتهان للمفاجآت القادمة من الخارج. وقد أظهرت الأزمات المتلاحقة أن صاروخًا في منطقة بعيدة قد يصل أثره إلى بيت أردني على هيئة سعر وقود أو غذاء أو أجرة نقل؛ ولذلك لم يعد الاقتصاد بعيدًا عن الأمن، كما لم يعد الماء بعيدًا عن السيادة.
لكن الأردن الذي نريده بعد خمسة عشر عامًا لن تصنعه الأنابيب والمستودعات ومحطات الطاقة وحدها؛ يصنعه الإنسان أولًا. لن يكون السؤال عام 2040 كم جامعة لدينا، بل ماذا ينتج خريجوها، ولا كم شهادة حمل شبابنا، بل ماذا صنعوا بها. ولن تقاس المدن بكثرة الإسمنت، بل بقدرتها على منح ساكنيها حياة تستحق أن تُعاش. نحتاج إلى تعليم يقرأ ما سيحتاجه العالم قبل أن يصل إلينا، واقتصاد يجعل من الشاب شريكًا في صناعة الفرصة لا منتظرًا لها، ومدن أكثر توازنًا، وإدارة تعرف أن المشروع لا يُقاس بحفل إطلاقه بل بما تغير بعده في حياة الناس. فالمستقبل، على خلاف الأزمة، لا يرفع صوته؛ ولهذا يسهل تأجيله حتى يفاجئنا.
ومن هنا ربما تكون أبسط قاعدة نحتاجها في السنوات المقبلة أن نسأل عند كل قرار كبير: ماذا يحل اليوم، وماذا يضيف إلى قوة الأردن غدًا؟ فالبلد الذي رأيت ملكه شابًا يتبرع من دمه لفلسطين، ثم رأيته بعد ربع قرن يحمل قضيتها في المحافل الدولية ويصرّ على أن يكون الأردن قويًا ليبقى سندًا لأشقائه، يستحق منا أن نفهم الرسالة كاملة: الوطنية ليست أن نتأثر حين تقع الأزمة فقط، بل أن نبني دولة تقلّ أزماتها وتكبر قدرتها على مساعدة نفسها والآخرين. والأردن لم يعبر ما عبره بكثرة الموارد، بل بصلابة دولته ووعي شعبه وحكمة قيادته. والوفاء الحقيقي لهذا الوطن أن نسلّم أبناءنا أردنًا أقوى مما تسلّمناه؛ يحرس حدوده جنوده، ويحرس مستقبله علم أبنائه وعملهم وإرادتهم. فالأوطان لا تُحمى عند الخطر وحده؛ تُحمى كل صباح حين نبني لها غدًا يليق بها.
إقرأ ايضاَ
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات