د. ايمن الخزاعلة يكتب: الأردن في أبعد من أسبوع : انطولوجيا الحذر الجيوسياسي

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 7599
د. ايمن الخزاعلة يكتب: الأردن في أبعد من أسبوع : انطولوجيا الحذر الجيوسياسي
د. أيمن الخزاعلة

د. أيمن الخزاعلة

في المحافل الدولية ك الجمعية العامة للأمم المتحدة، تتجاوز اللغات السياسية حدود الخطب المنطوقة لتستقر في مساحة أعمق تُعرف في الأدبيات الجيوسياسية بـ "المشهدية الرمزية" (Symbolic Semiotics) ولغة الجسد غير المنطوقة. فالجهات الفاعلة في صياغة القرار الدولي لا تُعبّر عن مواقفها بالكلمات الحماسية فحسب، بل بكيفية إدارة تفاصيل الحضور والتركيز داخل أروقة تُحاك فيها تحالفات المنطقة وتُرسم أبعادها المستقبليّة، بعيداً عن قوالب الثناء والقدح.

تتجلّى "قوة الانتباه" (The Power of Attention) في الدبلوماسية الأردنية كأداة اختراق رصينة اتجاه السلوك الإسرائيلي، حيث تُسلّط الضوء بدقة متناهية على الممارسات والتصعيد الميداني والديموغرافي وأثره على أمن الإقليم. إن هذا التركيز المكثف يعكس إدراكاً عميقاً لمخاطر فرض الأمر الواقع وتجاوز المرجعيات الدولية، مما يفرض تثبيت الرواية الوطنية الأردنية كمرتكز توازن حتمي يحول دون تحويل المنطقة إلى ساحات انفجار ممتد.

وفي المقابل، تأتي دلالة "أصابع التقاطع" (Crossed Fingers) لتعكس حالة الحذر الاستراتيجي الحرج تجاه المواجهة المحتدمة بين الولايات المتحدة وإيران. تحمل هذه الرمزية في جوهرها رجاءً وتمنياً سياسياً جاداً باحتواء الأزمة وانقضاء أمد التصعيد قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة، حيث يجد الأردن نفسه في موقع جغرافي وسياسي يتأثر بشكل مباشر بأي صدام شامل بين واشنطن وطهران، مما يعبر عن رغبة الدولة في حياد إيجابي يحمي أجوائها وأراضيها من أن تكون ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

وعلى صعيد إدارة الملفات داخل الغرف المغلقة، عكست مشاهد العمل المكثف برفقة الفريق الاستشاري — حتى أثناء تناول الوجبات السريعة والسندويشات خلال ساعات التحضير الطويلة — تحولاً في أسلوب العمل البروتوكولي نحو "الواقعية السياسية" (Realpolitik). تُشير هذه الديناميكية إلى تعاطٍ برغماتي يهدف إلى اختزال الوقت وتحويل مقرات الاجتماعات إلى غرف عمليات دؤوبة، لضمان السرعة في تحليل المعطيات وتجهيز السيناريوهات البديلة أمام صدمات المتغيرات المتلاحقة في المنطقة.

إن القراءة الموضوعية لهذا المشهد تستدعي استشراف قادم الأيام عبر صياغة موقف استراتيجي متكامل، يبدأ بإعادة تعريف الهوية الجيوسياسية للأردن كطرف يمارس دبلوماسية مرنة وقادرة على التعاطي مع تعقيدات النظام الدولي، وترجمة هذه الرمزية السياسية والحذر الواعي إلى خطط عمل مؤسسية صلبة تعزز الأمن المائي والغذائي والاقتصادي. ويتوج ذلك بضرورة تمتين الجبهة الداخلية وربط الحركة الدبلوماسية الخارجية باستجابة محلية سريعة رفعاً لكفاءة الاقتصاد الوطني على الصمود واستيعاب التداعيات الخارجية، في مرحلة حاسمة يُعاد فيها تشكيل الخارطة السياسية للمنطقة بأسرها.

فالأردن لا يملك ترف اختيار جغرافياه، لكنه يملك قدرة إدارة موقعه. وفي إقليم يعاد تشكيله، قد تكون قوة الحذر، ودقة الانتباه، وسرعة الاستجابة أدوات القوة الأكثر أهمية.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم