الزيود يكتب : جلالة الملك أمام العالم .. ثباتٌ في الموقف وحِنكةٌ سياسية

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 25972
الزيود يكتب : جلالة الملك أمام العالم ..  ثباتٌ في الموقف وحِنكةٌ سياسية

أحمد الزيود
23 أيلول 2026

لم يكن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين خطاباً تقليدياً يستعرض فيه الأردن مواقفه من القضايا الدولية، وإنما جاء أقرب إلى قراءة سياسية شاملة لعالم يعيش حالة متسارعة من الأزمات، تتداخل فيها الحروب مع الاقتصاد، والأمن مع الغذاء والطاقة، والسياسة مع القانون، وتتراجع فيها قدرة المجتمع الدولي على الحفاظ على اهتمامه بالأزمات الممتدة. وقد جاء الخطاب في سياق الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة، التي تنعقد تحت عنوان «استعادة الثقة، إدارة التحول: أمم متحدة تحقق النتائج للجميع»، وهو سياق ينسجم بصورة واضحة مع تركيز الخطاب على الثقة والمؤسسات والقانون الدولي.

ومن هنا يمكن فهم الخطاب باعتباره خطاباً متعدد المستويات: يبدأ من فكرة إنسانية بسيطة هي الانتباه، ثم يحولها إلى مفهوم سياسي وجيوسياسي، وينتقل بعدها إلى أزمات المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، قبل أن يصل إلى المصالح الأردنية المباشرة، ثم يطرح رؤية أوسع لدور الأردن وعلاقته بالعالم، وينتهي برسالة تتعلق بمستقبل النظام الدولي نفسه.

من الانتباه الفردي إلى الانتباه الجيوسياسي

اختار جلالة الملك مدخلاً مختلفاً للحديث عن السياسة الدولية؛ فلم يبدأ بالأرقام أو التحالفات أو المصالح، بل بدأ بمفهوم الانتباه.

فالخطاب ينطلق من فكرة أن العالم يعيش انفجاراً في حجم المعرفة وسرعة التغيير، وأن الإنسان أصبح أمام أزمات وأحداث متلاحقة تستحوذ على اهتمامه لفترة قصيرة قبل أن تنتقل الأنظار إلى أزمة أخرى. ومن هنا يستشهد الخطاب بدراسة حول تراجع متوسط مدة الانتباه أثناء مشاهدة الشاشة، ليصل إلى الفكرة الأساسية: الانتباه أصبح مورداً نادراً.

لكن الأهم أن الخطاب لا يبقي هذا المفهوم في المجال الاجتماعي أو التكنولوجي، بل ينقله إلى المجال السياسي عندما يقول إن الانتباه في هذه القاعة أصبح «مورداً جيوسياسياً».

وهذه النقلة هي واحدة من أهم أفكار الخطاب؛ لأن الدولة أو القضية التي تحافظ على حضورها في جدول الأعمال الدولي تستطيع أن تحافظ على الضغط السياسي والدبلوماسي حولها، بينما يمكن للأزمات التي تختفي من دائرة الاهتمام أن تتحول تدريجياً إلى أزمات منسية.

وبذلك يطرح الخطاب سؤالاً يتجاوز الحاضر: هل يتعامل العالم مع الأزمات وفق حجم خطورتها، أم وفق مقدار الاهتمام الذي تحصل عليه؟

وهنا تظهر الفكرة المركزية التي ستعود في نهاية الخطاب: ما يختار العالم أن ينتبه إليه مهم، لكن ما يختار أن يتجاهله قد يكون أكثر خطورة على المدى البعيد.

الأزمات العالمية ليست جزرًا منفصلة

بعد تأسيس مفهوم الانتباه، ينتقل الخطاب إلى المنطقة، فيذكر لبنان واليمن والسودان، ثم يربط الاضطرابات الإقليمية بتأثيرات تصل إلى حياة الناس في مناطق بعيدة من العالم.

وهذه نقطة سياسية مهمة في بناء الخطاب؛ إذ لا تُطرح أزمات الشرق الأوسط باعتبارها شأناً إقليمياً مغلقاً، وإنما باعتبارها جزءاً من شبكة دولية من التأثيرات.

فالحروب لا تبقى داخل حدودها السياسية؛ إذ يمكن أن تؤثر في التجارة والطاقة والاستثمار وأسعار المواد الغذائية وحركة الناس، وبالتالي تصبح نتائجها عالمية حتى لو كان الصراع نفسه محصوراً جغرافياً.

ومن خلال الإشارة إلى أثر حرب إيران على حركة التجارة والاستثمار وحياة الناس، يضع الخطاب الأمن الإقليمي داخل إطار الاقتصاد العالمي، ويؤكد أن الاستقرار في المنطقة ليس مصلحة تخص دولها وحدها.

وهذه الرؤية تخدم الرسالة الأردنية أيضاً؛ لأن الأردن، بحكم موقعه الجغرافي، لا يستطيع التعامل مع أزمات الإقليم باعتبارها أحداثاً بعيدة عنه.

فلسطين ليست ملفاً منفصلاً في الخطاب

تحتل القضية الفلسطينية مركزاً واضحاً في الخطاب، لكنها لا تظهر فجأة؛ بل تأتي بعد تأسيس فكرة أن المجتمع الدولي اعتاد الانتقال من أزمة إلى أخرى، وأن الأزمات المؤقتة يمكن أن تتحول إلى واقع دائم إذا لم تُعالج.

ومن هنا تأتي عبارة الخطاب حول أن المجتمع الدولي اختار خلال عقود احتواء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بدلاً من التصدي لحله.

سياسياً، هذه العبارة تلخص أحد أهم الانتقادات التي يوجهها الخطاب إلى المقاربة الدولية للقضية الفلسطينية: إدارة الأزمة ليست حلاً للأزمة.

فوقف التصعيد لفترة، أو إدارة تداعياته الإنسانية، أو عقد جولات تفاوضية متقطعة، لا يؤدي بالضرورة إلى معالجة الأسباب السياسية للصراع.

ولهذا ينتقل الخطاب من مفهوم «المؤقت» إلى مفهوم «الدائم»، مشيراً إلى أن استمرار التعامل مع الإجراءات على الأرض باعتبارها مؤقتة يسمح بتحولها تدريجياً إلى واقع سياسي وجغرافي.

الضفة الغربية في قلب التحليل

لا يحصر الخطاب القضية الفلسطينية في غزة، بل يوسع التحليل إلى الضفة الغربية، ويتحدث عن الاستيطان ومصادرة الأراضي وتهجير الفلسطينيين.

وهنا يستخدم الخطاب لغة سياسية وقانونية حادة، فيعيد توصيف مجموعة من الأفعال التي يقول إنها تُقدَّم بمسميات مختلفة، ويضعها في إطار الترحيل القسري والضم الفعلي والقمع.

والهدف من هذه اللغة ليس الوصف فقط، بل تغيير الإطار الذي تُناقش من خلاله القضية.

فإذا تم التعامل مع الاستيطان بوصفه حدثاً منفرداً، يمكن أن يصبح مجرد بند في جدول سياسي طويل. أما إذا جرى النظر إليه بوصفه عملية تراكمية تغير الواقع على الأرض، فإن السؤال يتحول من «ماذا يحدث الآن؟» إلى «إلى أين يقود هذا المسار؟».

وهذا هو جوهر التحليل الملكي للضفة الغربية: المشكلة ليست في حادثة منفردة، وإنما في التراكم.

تفكيك فكرة أن الموقف العربي كان رفضاً للسلام

من أبرز النقاط السياسية في الخطاب حديثه عن مبادرة السلام العربية لعام 2002.

فالخطاب يستحضر المبادرة للرد على تصور مفاده أن الدول العربية لم تقدم مساراً للسلام.

وبحسب الخطاب، عرضت المبادرة تطبيع العلاقات مع إسرائيل مقابل السلام وقيام الدولة الفلسطينية، في إطار مبادرة عربية جماعية.

وهنا يحاول الخطاب إعادة النقاش إلى نقطة أساسية: هل كانت المشكلة دائماً في غياب الخيارات السياسية، أم في عدم الاستجابة لها؟

وهذه النقطة مهمة في الخطاب لأنها تنقل النقاش من سؤال «هل يريد العرب السلام؟» إلى سؤال «ماذا حدث عندما طُرح مسار سياسي للسلام؟».

من الإدانة السياسية إلى سؤال المحاسبة

بعد عرض القضية الفلسطينية، ينتقل الخطاب إلى مستوى أكثر مباشرة: ماذا يستطيع المجتمع الدولي أن يفعل؟

وهنا يقول الخطاب إن أدوات الضغط موجودة، ويذكر العقوبات وتجميد الأصول والحظر والعزل الدبلوماسي، ويشير إلى أن المجتمع الدولي استخدم هذه الأدوات في أزمات أخرى.

وهذه الفقرة من أكثر فقرات الخطاب مباشرة سياسياً؛ لأنها لا تكتفي بتوصيف المشكلة، بل تضع أمام المجتمع الدولي سؤالاً حول اتساق تطبيق الأدوات الدولية.

فالمشكلة، وفق منطق الخطاب، ليست غياب الأدوات وإنما تفاوت استخدامها من قضية إلى أخرى.

وهنا يظهر مفهوم «المساءلة» كعنصر أساسي في الرؤية الملكية: القانون الدولي لا يفقد معناه بسبب غياب النصوص، وإنما يفقد فعاليته عندما لا يشعر أطراف النظام الدولي بأن قواعده تطبق بصورة فعلية.

التحذير من انتقال الأزمة

الخطاب لا يتوقف عند فلسطين، بل يربطها بجنوب سوريا.

وهذه نقلة مهمة جداً؛ لأن جلالة الملك لا يتحدث عن القضية الفلسطينية فقط من منظور إنساني أو سياسي، بل يربط التطورات الإقليمية بالأمن الجغرافي للأردن.

ويطرح سؤالاً حول استمرار النهج الإسرائيلي في جنوب سوريا، وما إذا كان المجتمع الدولي سيسمح باستمرار ذلك دون تحرك.

وبذلك يصبح الخطاب في هذه النقطة مزدوج المسار:

دعم الحقوق الفلسطينية من جهة، والدفاع عن المصالح والأمن الأردني من جهة أخرى.

وهذا التوازن يتكرر في بقية الخطاب.

الأمن الأردني: الحدود والمياه

عندما يصل الخطاب إلى الأردن، تتغير زاوية الحديث.

لم يعد الأمر متعلقاً فقط بما يحدث في المنطقة، بل بما يعنيه ذلك مباشرة للدولة الأردنية.

فالخطاب يربط أمن الأردن بحدوده الشمالية وأمنه المائي، ويؤكد أن الأردن لن يتجاهل ما يمس أمنه ومصالح شعبه. ويظهر ذلك في النص الرسمي للخطاب بوصفه جزءاً من رؤية المملكة لحماية مصالحها الوطنية.

وهذه الفقرة مهمة لأنها تكشف أن السياسة الخارجية الأردنية، كما يقدمها الخطاب، لا تقوم فقط على المبادئ العامة، بل على حسابات أمن قومي محددة.

فالحدود ليست مجرد خطوط جغرافية، والمياه ليست مجرد قضية تنموية؛ كلاهما يدخلان في تعريف الأمن الوطني.

الأردن بين إدارة الأزمة وبناء المستقبل

من أكثر الأفكار وضوحاً في الخطاب قوله إن الأردن لا يستطيع الاختيار بين الاستجابة للأزمات الطارئة وبناء المستقبل، ولذلك يسير في المسارين معاً.

وهذه ليست مجرد عبارة إنشائية، بل تكشف عن تصور لدور الدولة في بيئة إقليمية مضطربة.

فالدولة التي تنشغل بالأزمة الحالية فقط قد تفقد قدرتها على التخطيط للمستقبل، والدولة التي تتجاهل الأزمة بحجة البناء طويل المدى قد تدفع ثمن ذلك أمنياً وإنسانياً.

ولهذا يقدم الخطاب الأردن باعتباره يعمل على مسارين متوازيين: مواجهة التهديدات والأزمات، وفي الوقت نفسه تعزيز التجارة والصناعة والتكنولوجيا والروابط الإقليمية.

وهنا ينتقل الخطاب من صورة الأردن المتلقي لتداعيات أزمات المنطقة إلى صورة الأردن الذي يحاول بناء أدواته الخاصة للتعامل معها.

مكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات

يضع الخطاب مكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات ضمن منظومة الأمن الإقليمي.

وهذا مهم لأن الأمن في الخطاب لا يقتصر على الحرب التقليدية.

فالأخطار الحديثة عابرة للحدود، وقد تكون على شكل جماعات مسلحة، أو شبكات تهريب، أو أزمات اقتصادية، أو اضطرابات إقليمية.

وبالتالي يقدم الخطاب الأمن الأردني باعتباره جزءاً من أمن المنطقة، وليس قضية داخلية منفصلة.

البعد الديني والحضاري

ينتقل الخطاب بعد ذلك إلى المسيحية والإسلام.

ويؤكد الأردن، بحسب الخطاب، التزامه بحماية المجتمعات المسيحية وتراثها في موطنها التاريخي، بالتوازي مع الدفاع عن الصورة الحقيقية للإسلام في مواجهة خطاب الكراهية.

هذه النقطة تتجاوز السياسة اليومية؛ لأنها تقدم الأردن بوصفه دولة تحاول المحافظة على نموذج ديني وحضاري يقوم على التعدد والتعايش.

كما أنها ترتبط مباشرة بمكانة الأردن التاريخية في القدس، حيث يؤكد الخطاب استمرار حمل أمانة الوصاية الهاشمية والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية.

وبذلك تصبح القدس في الخطاب أكثر من ملف سياسي؛ فهي جزء من الهوية التاريخية والدور الإقليمي للأردن.

دعم الأونروا والصمود الفلسطيني

يؤكد الخطاب استمرار دعم الأردن للأونروا والصمود الفلسطيني.

وهنا يربط الأردن بين البعد السياسي للقضية الفلسطينية والبعد الإنساني لها.

فالقضية لا تُختزل في الحدود والدولة والمفاوضات، بل تشمل أيضاً اللاجئين والمؤسسات الإنسانية وحق الفلسطينيين في البقاء والصمود.

وهذا يجعل الموقف الأردني، كما يقدمه الخطاب، قائماً على مسارات متوازية: سياسي ودبلوماسي وإنساني وديني وتاريخي.

صورة الأردن التي يرسمها الخطاب

بعد تناول الملفات الإقليمية، يصل الخطاب إلى نقطة شديدة الأهمية: ما النموذج الذي يريد الأردن أن يقدمه عن نفسه؟

يقول الخطاب إن الأردن يسعى إلى بناء نموذج يستند إلى القيم والمبادئ، ويتسم بالانفتاح والثبات في زمن تتبدل فيه الحسابات السياسية.

وهنا ينتقل الخطاب من الحديث عن القضايا إلى الحديث عن الدولة الأردنية نفسها.

الأردن، وفق الصورة التي يرسمها الخطاب، يريد أن يكون:

دولة متمسكة بمبادئها،
منفتحة على الحوار،
قادرة على العمل مع أطراف مختلفة،
ومتمسكة في الوقت ذاته بمصالحها الوطنية.

وهذا هو جوهر مفهوم «الانفتاح والثبات» في الخطاب.

فالانفتاح لا يعني التخلي عن الموقف، والثبات لا يعني إغلاق باب الحوار.

الدبلوماسية ليست ضعفاً

من أكثر الرسائل وضوحاً في الخطاب قوله إن تمسك الأردن بالدبلوماسية لا ينبغي أن يُفهم على أنه ضعف.

وهذه نقطة سياسية مهمة في تعريف القوة.

فالخطاب لا يساوي بين القوة العسكرية والقوة السياسية، ولا يقدم الدبلوماسية باعتبارها بديلاً عن حماية المصالح الوطنية، بل يضعهما في سياق متكامل.

الأردن، كما يعرضه الخطاب، يريد الحوار مع الجميع، لكنه في الوقت ذاته يعلن أن القيم والمصالح الوطنية ليست موضع مساومة.

وهنا تظهر معادلة واضحة:

الحوار مع الجميع، والثبات على الموقف.

رفض اختزال الحلول في القوة العسكرية

في خاتمة الخطاب، يوسع جلالة الملك دائرة النقاش مرة أخرى.

فالقوة العسكرية، بحسب الخطاب، لا تستطيع وحدها إطعام الجائعين، أو إعادة المهجرين، أو بناء السلام، أو مواجهة تغير المناخ، أو إدارة الهجرة، أو قيادة التحول التكنولوجي.

وهذه الفقرة تنقل الخطاب من الشرق الأوسط إلى النظام الدولي بأكمله.

فالخطاب يقول عملياً إن أدوات القرن الحادي والعشرين لا يمكن أن تكون عسكرية فقط؛ لأن طبيعة المشكلات نفسها تغيرت.

الحرب قد تفرض واقعاً مؤقتاً، لكنها لا تبني بالضرورة نظاماً سياسياً مستقراً.

والقوة قد توقف طرفاً، لكنها لا تستطيع وحدها بناء الثقة أو إعادة إعمار المجتمعات أو حل جذور النزاعات.

الثقة هي الفكرة السياسية الأخيرة

إذا كان «الانتباه» هو المفهوم الذي افتتح به الخطاب، فإن الثقة هي المفهوم الذي ينتهي إليه.

فالخطاب يقول إن مواجهة التحديات تتطلب مؤسسات ذات شرعية، وثقة بين الدول، وثقة في الاتفاقيات، وثقة بأن القوانين ستطبق فعلياً.

وهنا يمكن قراءة الخطاب كله من خلال محورين متقابلين:

الانتباه في البداية، والثقة في النهاية.

الانتباه يحدد ما الذي يراه العالم.

أما الثقة فتحدد ما إذا كان العالم قادراً على العمل بصورة جماعية لمعالجة ما يراه.

وبين الاثنين تأتي السياسة: تحديد الأولويات، تطبيق القانون، بناء المؤسسات، إدارة الأزمات، وحماية الحقوق.

البنية السياسية للخطاب

عند قراءة الخطاب كاملاً، يمكن ملاحظة أنه يتحرك في مسار متدرج:

يبدأ من الإنسان وعلاقته بالانتباه، ثم ينتقل إلى النظام الدولي، ثم إلى أزمات المنطقة، ثم إلى فلسطين، ثم إلى جنوب سوريا والأمن الأردني، ثم إلى دور الأردن، ثم إلى القيم والدبلوماسية، وأخيراً يعود إلى النظام الدولي ومؤسساته.

وهذا التسلسل يجعل الخطاب ليس مجرد قائمة من الملفات، بل سردية سياسية واحدة.

فالفكرة الأساسية هي أن العالم يعاني من أزمة في تحديد الأولويات، وأن تجاهل الأزمات لا يلغيها، بل يسمح لها بالتفاقم، وأن استمرار النظام الدولي يحتاج إلى قواعد ومؤسسات وثقة، لا إلى إدارة مؤقتة للأزمات فقط.

ماذا يقول الخطاب عن السياسة الأردنية؟

يمكن قراءة الرسالة الأردنية في الخطاب ضمن أربعة مستويات مترابطة.

أولاً: الثبات على القضية الفلسطينية، باعتبارها قضية سياسية مركزية وليست أزمة إنسانية مؤقتة.

ثانياً: حماية الأمن الوطني الأردني، وخصوصاً الحدود الشمالية والمياه والمخاطر العابرة للحدود.

ثالثاً: الحفاظ على الدور الأردني الدبلوماسي والإنساني والديني، بما في ذلك دعم الأونروا والوصاية الهاشمية على المقدسات.

رابعاً: الاستمرار في بناء الأردن داخلياً، وعدم السماح للأزمات الإقليمية بأن توقف مسار بناء الاقتصاد والتكنولوجيا والتجارة والمستقبل.

وهذه المستويات الأربعة هي التي تجعل الخطاب يجمع بين السياسة الخارجية والأمن القومي والتنمية والدور الإقليمي.

الرسالة الأوسع إلى المجتمع الدولي

الرسالة الأوسع في الخطاب لا تقتصر على إسرائيل أو فلسطين أو المنطقة.

إنها تتعلق بكيفية إدارة العالم لأزماته.

فإذا أصبحت الحروب الطويلة جزءاً عادياً من المشهد، وإذا أصبح المجتمع الدولي ينتقل من أزمة إلى أخرى بمجرد تغير اهتمام الإعلام والسياسة، فإن الخطر لا يكمن فقط في الأزمة الحالية، بل في تحولها إلى واقع دائم.

ولهذا يكرر الخطاب، بصيغ مختلفة، أن المؤقت لا ينبغي أن يتحول إلى دائم، وأن القانون لا ينبغي أن يصبح مجرد كلمات، وأن المؤسسات لا يمكن أن تستمر من دون ثقة.

وهنا يلتقي الخطاب الأردني مع العنوان الأوسع للدورة الأممية الحالية: استعادة الثقة وإدارة التحول.

الخلاصة

خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يمكن قراءته بوصفه خطاباً يقوم على ثلاث دوائر متداخلة.

الدائرة الأولى هي العالم: أزمات متسارعة، اهتمام متغير، تحديات اقتصادية ومناخية وإنسانية وتكنولوجية، وحاجة إلى مؤسسات دولية أكثر قدرة على الفعل.

والدائرة الثانية هي المنطقة: حروب ممتدة في غزة ولبنان واليمن والسودان، وتداعيات تتجاوز الحدود، وقضية فلسطينية يرى الخطاب أن استمرار إدارتها دون حل سياسي يراكم الأزمة بدلاً من إنهائها.

أما الدائرة الثالثة فهي الأردن: دولة تواجه محيطاً مضطرباً، وتحمي حدودها ومصالحها وأمنها المائي، وتواصل بناء اقتصادها وقدراتها، وتحافظ على دورها الدبلوماسي والإنساني والديني.

وبين هذه الدوائر كلها تظهر الفكرة الأهم في الخطاب: لا يمكن بناء السلام بمجرد إدارة الأزمات، ولا يمكن حماية النظام الدولي بمجرد إصدار القرارات، ولا يمكن للدبلوماسية أن تنجح من دون ثقة، ولا يمكن للثقة أن تستمر إذا لم يطبق القانون بصورة فعلية.

ومن هنا فإن عبارة «الانتباه» التي افتتح بها الخطاب ليست مجرد مدخل بلاغي؛ فهي المفتاح الذي يمكن من خلاله فهم الرسالة كلها. فالعالم، في رؤية الخطاب، لا يعاني فقط من كثرة الأزمات، بل من مشكلة في كيفية توزيع اهتمامه بينها.

ولهذا جاءت الخاتمة منسجمة تماماً مع البداية: المستقبل لا يتشكل فقط بما يفعله العالم، وإنما أيضاً بما يختار أن يتجاهله.

وهذه هي الرسالة السياسية الأوسع في الخطاب: أن الأزمات التي يتم تجاهلها لا تختفي، والقضايا التي لا تُحل لا تبقى بالضرورة كما هي، والقانون الذي لا يُطبق يفقد جزءاً من قدرته على حماية النظام الدولي، والثقة التي تتآكل تجعل التعاون أكثر صعوبة.

وفي هذا السياق، قدم الخطاب الموقف الأردني باعتباره قائماً على معادلة تجمع بين الثبات والانفتاح، والدبلوماسية وحماية المصالح، والاستجابة للأزمات وبناء المستقبل، والتمسك بالمبادئ مع إبقاء باب الحوار مفتوحاً.

إن أهمية الخطاب، في بنيته الكاملة، لا تكمن فقط في الملفات التي تناولها، وإنما في الطريقة التي ربط بها جلالة الملك بين هذه الملفات ضمن رؤية واحدة: عالم يحتاج إلى أن يستعيد قدرته على الانتباه، ثم يحول هذا الانتباه إلى مسؤولية، وهذه المسؤولية إلى فعل، وهذا الفعل إلى سلام قائم على القانون والثقة والمؤسسات.

بقلم : أحمد الزيود
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم