د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: نقاشية في التوظيف النفسي في خطاب الملك عبدالله الثاني

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 10691
 د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: نقاشية في التوظيف النفسي في خطاب الملك عبدالله الثاني
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

لم يبدأ الملك عبدالله الثاني خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة من الحدود، ولا من الصواريخ، ولا حتى من فلسطين التي احتلت مساحة مركزية منه. بدأ من مكان يبدو، للوهلة الأولى، بعيدًا عن دهاليز السياسة: العقل البشري وانتباهه. وربما هنا بالضبط تستحق الكلمة أن تُقرأ مرة أخرى، لا قراءة سياسية تقليدية، وإنما قراءة نفسية؛ فثمة فرق بين خطاب يستعير علم النفس للزينة، وخطاب يجعل مفهومًا نفسيًا مدخلًا لفهم سلوك دول ومؤسسات ونظام دولي بأكمله. وقد جعل الملك من ندرة الانتباه مدخلًا للسؤال عما يختار العالم أن يراه، وما يسمح له أن يبتعد عن بؤرة اهتمامه حتى يصبح مألوفًا أو منسيًا.

وبهذا المعنى، كان الخطاب في مجمله أشبه بـ**«كبسولة وعي أممي»**؛ جرعة مكثفة بدأت من الانتباه، ثم مرّت بفلسطين وغزة والضفة الغربية، وبالقانون الدولي والمساءلة، وانتقلت إلى سوريا والحدود والمياه والأمن الوطني الأردني، قبل أن تفتح نافذة أخرى على الأردن الذي لا يستطيع أن يختار بين مواجهة أزمات الحاضر وبناء اقتصاد ومستقبل الغد. وفي نهايته أعاد الملك القضية إلى أصلها: القوة العسكرية وحدها لا تطعم جائعًا ولا تعيد مهجرًا ولا تبني سلامًا، والعالم يحتاج إلى قانون يُطبق ومؤسسات تحظى بالثقة ومبادئ لا تتبدل بتبدل عدسات الكاميرات؛ لأن المستقبل لا يتشكل فقط بما نفعله، وإنما كذلك بما نختار أن نتجاهله.

وهنا تحديدًا يبدأ النقاش النفسي. فالتوظيف النفسي الذي أقصده ليس «التلاعب النفسي» كما قد يذهب المعنى الشعبي للمصطلح، وإنما استخدام مفهوم من علم النفس المعرفي لبناء حجة سياسية. استحضر الملك تراجع مدة بقاء الفرد منتبهًا إلى المحتوى على الشاشة، ثم نقل الفكرة من الإنسان إلى المجتمع الدولي، ليصبح الانتباه موردًا سياسيًا نادرًا: أي قضية تستحوذ عليه؟ وأي أزمة تفقده؟ وأي مأساة نظل قادرين على رؤيتها قبل أن يضعف وقعها علينا بفعل التكرار؟

والفكرة هنا أكبر من رقم أو شاشة. فماذا لو أصبح العالم نفسه شبيهًا بصاحب هاتف ذكي؟ تظهر أزمة فيتابعها، يغضب لها، يعقد الاجتماعات حولها، ثم يصل إشعار جديد من مكان آخر... فينتقل إليه. الأزمة الأولى لم تُحل، لكنها فقط خرجت من الشاشة.

وهنا ندخل إلى ما يمكن تسميته اقتصاد الانتباه السياسي. فالدول والقضايا والنزاعات لا تتنافس على الأرض والنفوذ والمصالح وحدها؛ إنها تتنافس أيضًا على مساحة محدودة من انتباه العالم. وما يختار المجتمع الدولي إبقاءه في دائرة النظر يحصل على الدبلوماسية والضغط والموارد، بينما قد تتراجع قضية أخرى إلى الهامش، ليس لأنها أصبحت أقل خطورة، بل لأن شيئًا أكثر ضجيجًا حل محلها. وهذا المعنى كان صريحًا في الخطاب عندما ربط الملك بين ما نختار أن نوليه انتباهنا وبين النزاعات التي تحصل على جهود دبلوماسية مستدامة، وبين احتمال تحول المعاناة مع الوقت إلى أمر مألوف.

وفي علم النفس ثمة فارق مهم بين أن تعرف الشيء وأن تظل منتبهًا إليه. البشرية اليوم لا تشكو نقصًا في المعلومات؛ وربما تشكو فائضها. نرى الحرب لحظة وقوعها، ونعرف أعداد الضحايا، وتصل الخرائط والصور والتحليلات إلى هواتفنا قبل نشرات الأخبار، لكن وفرة المعرفة لا تضمن استدامة الاستجابة. ومن هنا يخرج سؤال ربما يكون أكثر إزعاجًا من سؤال المعرفة ذاته: هل المشكلة أن العالم لا يعرف، أم أنه يعرف ثم يعتاد؟

وهنا تأتي إحدى أكثر الأفكار النفسية والسياسية كثافة في الخطاب: المؤقت الذي يصبح دائمًا، والدائم الذي يتحول إلى نهج. فقد ربط الملك ترك الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي بلا حل بسياسة احتواء الأزمة بدل التصدي لجذورها، ثم قرأ ما جرى في غزة والضفة الغربية ضمن تراكم طويل لوقائع لم تتوقف لأنها لم تُعالج في وقتها.

وهذه الآلية تستحق التأمل بعيدًا عن السياسة أيضًا؛ فالاستثناء حين يتكرر يفقد شيئًا من غرابته. والمشهد الذي كان يهز الوعي في المرة الأولى قد يحتاج في المرة العاشرة إلى صورة أشد قسوة كي يستعيد مقدار الانتباه نفسه. وهكذا قد لا يبدأ تطبيع الواقع من قبول الناس به، بل من اعتيادهم رؤيته.

ثم يأتي دور اللغة. فالإنسان لا يستجيب إلى الوقائع وحدها، وإنما إلى الأسماء التي نعطيها للوقائع. ومن هنا يمكن فهم إصرار الخطاب على تسمية الأفعال ومناقشة المصطلحات المستخدمة في غزة والضفة. فاللغة السياسية ليست حاوية محايدة؛ وقد تكون الكلمة أحيانًا بابًا لتضخيم الفعل أو تخفيفه أو نقله من دائرة الاستثنائي إلى دائرة المألوف. وهنا يلتقي الخطاب السياسي بمفهوم «التأطير» في علم النفس السياسي والاتصال: طريقة تسمية الحدث تؤثر في الطريقة التي يدرك بها الجمهور ذلك الحدث ويتفاعل معه.

لكن الخطاب لم يظل في منطقة التشخيص النفسي للمجتمع الدولي. فحين وصل إلى سوريا، انتقل مباشرة إلى الأمن الوطني الأردني، وربط أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي بالأمن القومي، مع تأكيد حماية أمن الأردن ومياهه ومصالح شعبه، والتنبيه إلى أن التمسك بالدبلوماسية لا ينبغي أن يُساء تفسيره بوصفه ضعفًا.

وهنا تتحول المسألة من علم نفس الانتباه إلى علم نفس الدولة تحت الضغط. فالدولة الواقعة في إقليم متقلب تستطيع بسهولة أن تصبح أسيرة الخطر الآني: حدود هنا، حرب هناك، تهريب، إرهاب، مياه، لجوء، وأسواق تتأثر بما يحدث حولها. لكن الخطر الآخر هو أن يستهلك الحاضر كل طاقة الدولة، فتصبح بارعة في إطفاء الحرائق، فيما يتأجل بناء الغد.

ولهذا كانت لافتة في الخطاب فكرة السير في مسارين معًا: إدارة الأزمة وبناء المستقبل. فالأردن، بحسب الطرح الملكي، لا يستطيع أن يختار أحدهما ويؤجل الآخر؛ ولذلك تأتي حماية الحدود وتطوير القدرات ومواجهة الإرهاب وتهريب المخدرات بالتوازي مع التجارة والصناعة والتكنولوجيا وتعزيز الروابط الاقتصادية الإقليمية. وهذا في الإدارة الاستراتيجية قريب من فكرة الحفاظ على الانتباه المزدوج: عين على الخطر، وأخرى على الفرصة.

وربما تكمن هنا إحدى الرسائل التي تتجاوز السياسة الخارجية إلى الإدارة العامة نفسها. فكما يعاني الفرد من «رؤية النفق» عندما يستحوذ تهديد واحد على كامل انتباهه، قد تقع المؤسسة في الأمر ذاته؛ تنفق مواردها كلها على المشكلة الأعلى صوتًا، وتترك المشكلات البطيئة تنمو بهدوء. وما ينطبق على المناخ والمياه والغذاء والأمن قد ينطبق أيضًا على التعليم والصحة والاقتصاد والإدارة. ليست كل الأزمات تلك التي تنفجر أمامنا؛ بعضها يكبر لأننا لم نلتفت إليه بما يكفي.

ومن هنا يمكن قراءة خاتمة الخطاب بطريقة مختلفة. عندما يقول الملك إن القوة العسكرية وحدها لا تقدم حلولًا فاعلة، وإن مواجهة مشكلات العالم تحتاج إلى مؤسسات تتمتع بالشرعية وإلى الثقة بين الدول والاتفاقيات والقانون، فهو يعيد النقاش من القوة باعتبارها قدرة على الإكراه، إلى الدولة والنظام الدولي باعتبارهما قدرة على إنتاج الثقة والاستمرار والتعاون.

وهكذا نعود إلى البداية: الانتباه.

ليس السؤال فقط: ماذا يرى العالم؟

بل: ماذا يختار أن يبقيه في مجال الرؤية؟

وكم يستطيع أن يصمد أمام التكرار قبل أن يتحول الاستثنائي في ذاكرته إلى عادي؟

وهل تقع الأخطاء الكبرى عندما نقرر قرارًا خاطئًا فقط، أم أن بعضها يقع حين لا نتخذ قرارًا أصلًا، لأن الملف بقي طويلًا عند طرف المكتب؟

لذلك ربما كانت «كبسولة الوعي الأممي» التي حملها خطاب عبدالله الثاني أبسط في صياغتها وأثقل في معناها: ليس كل ما يصنع المستقبل هو ما ننظر إليه اليوم؛ أحيانًا يصنعه، بصمت، ما أشحنا عنه النظر.

د. زيد إحسان الخوالدة
متخصص في علم النفس السريري – الجامعة الهاشمية، كاتب وباحث في القضايا النفسية والمجتمعية والشأن العام
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم