​ م. صلاح طه عبيدات يكتب: حين تُصاغ العدالة بلسان القوة

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 12099
​ م. صلاح طه عبيدات يكتب: حين تُصاغ العدالة بلسان القوة
م. صلاح طه عبيدات

م. صلاح طه عبيدات

ليس ثمة ما هو أشد إيلاماً للوعي البشري من رؤية العالم وهو ينحت فلسفات "حقوق الإنسان" في لغات متعددة، ثم يمارس العدمية الأخلاقية والخرس الكامل حين يُسحق هذا الإنسان على مرأى ومسمع من الحضارة.
​لقد أزاحت غزة الستار عن العورة البنيوية للنظام الدولي؛ فالأزمة لم تكن يوماً في "جهل" المنظومة للقانون، بل في كون القانون نفسه أداةً مطاطية يُقاس بها الجرم وفقاً لمعادلات القوة. إنه قانونٌ يشتد ساعده على الضعيف، ويتحول إلى مساومة مرنة حين يكون الجاني مُسربلاً بالتحالفات والحصانات السياسية.
​أية سفسطة هذه التي تجيز للوعي الإنساني أن يعاين تهجير البشر، وتجويع الروح، واقتلاع المأوى، وسحق براءة الأطفال، ثم ينكفئ بحثاً عن مصطلحات "أقل قسوة" ليرتدي بها الجُرم ثوب الضرورة؟
​لقد أضحت اللغة نفسها قناعاً يُداري سوأة الواقع؛ فالتهجير القسري يُعاد إنتاجه كـ "تحديث أمني"، والحصار الجائر يتخفى تحت مسمى "الضغط العسكري"، والدماء المهدورة تُختزل في برود اصطلاحي يُسمى "الأضرار الجانبية"، بينما يُعاد تعريف الفناء الجماعي بأنه "حق مشروع في الدفاع عن النفس". وحين تعجز الكلمات عن أن تكون درعاً للإنسان، فإنها تتحول بالضرورة إلى شريك في إنتاج المأساة.
​إن امتلاك إسرائيل لأعتى الآلات العسكرية في المنطقة لا يمنحها شرعية أصلانية في الأرض، ولا يحول الاحتلال في الميزان الفلسفي إلى حق قائم بذاته؛ فالقوة محضُ واقعٍ مادي، والعدالة جوهر أخلاقي، ولا يمكن للماديّ أن يخلق الأخلاقيّ مهما بلغ بطشه.
​تستطيع الدبابة أن تسحق حجارة البيت، لكنها تقف عاجزة أمام بناء الذاكرة. ويستطيع الصاروخ أن يطفئ جذوة حياة، لكنه لا يستطيع إعدام الحق المفارق للمادة. قد تفرِض القوة خريطةً جغرافية طارئة على الأرض، لكنها أعجز من أن تجعل من القوة قانوناً مطلقاً.
​إن السؤال الذي سيظل يلاحق الوعي الإنساني في هذا العصر ليس فقط: "مَن المباشِرُ للقتل؟" بل:
​مَن الوجدانُ الذي رأى وسكت؟
​مَن الكيانُ الذي ملك أدوات التغيير وآثر السكون؟
​ومَن الذي استدعى القانون الدولي حين وافق مصالحه، ثم أدار له الظهر حين غدا الضحية فلسطينياً؟
​من هذا المنطلق، تخوض الدبلوماسية الأردنية رهاناً أخلاقياً وتاريخياً؛ إذ لا يستوي أن يقتصر الموقف على استنكار الصوت، بل يقتضي الواجب تحويل النبرة إلى استراتيجية دبلوماسية وقانونية عابرة للمؤسسات الدولية: حشد الإرادة العالمية، خوض المعارك القانونية في المحاكم الدولية، توثيق الانتهاكات كشهادة للتاريخ، وتعظيم ممرات الإغاثة الإنسانية، جنباً إلى جنب مع إجبار القوى المؤثرة على الامتثال لمعيار إنساني واحد.
​وفي الوقت ذاته، ينبغي للموقف الأردني أن يظل جداراً صلباً غير قابل للثلم في رفض كل سيناريوهات التهجير والتوطين ومشاريع "الوطن البديل"، صوناً للوجود ودفاعاً عن الحقوق الفلسطينية المشروعة في أرضها.
​قد لا يملك الأردن قدرة إعادة تشكيل موازين القوة العسكرية للكون، لكنه يملك القدرة على جعل موقفه الأخلاقي والقانوني بوصلةً عصية على التزييف.
​إن الظلم قد يستطيل أمره حين تحميه ترسانات السلاح، لكنه يستحيل أن يتحول إلى حق. فالاحتلال قد يرسم جغرافيا زائلة بمسارات الدبابات، لكنه لن يملك أبداً قلم التاريخ. والصمت قد يُرجئ مجيء العدالة، لكنه يظل عاجزاً عن إلغائها؛ فالقوة قد تكسب معركةً على مسرح الواقع، لكنها تصاب بالهزيمة المطلقة أمام حقيقة الحق.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم