د. نسيم أبو خضير يكتب: لا تتَشْرَبُوا مِنْ خِطابِ المَلِكِ كَلِماتٍ فقط … بَلِ تشْرَبُوا مِنْهُ مَنْهَجًا وَمَسْؤُولِيَّةً وَعَمَلًا

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 9966
د. نسيم أبو خضير يكتب: لا تتَشْرَبُوا مِنْ خِطابِ المَلِكِ كَلِماتٍ فقط … بَلِ تشْرَبُوا مِنْهُ مَنْهَجًا وَمَسْؤُولِيَّةً وَعَمَلًا
د. نسيم أبو خضير

د. نسيم أبو خضير

نعم وبكل فخر إننا نثَمِّن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ، وندعو الأردنيين إلى تحويل رسالته إلى واقع .
إننا نثمن بأسمى عبارات الإعتزاز والفخر ، خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين ، حفظه الله ورعاه ، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك ، ذلك الخطاب الذي لم يكن مجرد كلمة أُلقيت على مسامع العالم ، وإنما كان صوت الأردن العربي الهاشمي ، وضمير الأمة ، وصرخة حق في وجه عالمٍ أنهكته الحروب ، وأثقلته المآسي ، وتراجعت فيه هيبة القانون الدولي أمام مشاهد الظلم والعدوان .
لقد تحدث جلالة الملك من منبر العالم بلغة واضحة ، شجاعة ، ومسؤولة ، حمل فيها قضية فلسطين ، وحقوق الشعب الفلسطيني ، ومعاناة أهل غزة ، وما يجري في الضفة الغربية والقدس ، ووضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية ، مؤكدًا أن إستمرار الظلم لا يمكن أن يصنع أمنًا ، وأن السلام الحقيقي لا يقوم إلا على العدالة والحقوق والشرعية الدولية .
ولم يكن اللافت في خطاب جلالته ما قيل فحسب ، وإنما كيف قيل ، ومن أي موقع قيل ، فقد تحدث قائد عربي هاشمي يحمل إرثًا تأريخيًا ثراً جذوره ضاربة في أعماق التأريخ في الدفاع عن القدس والمقدسات ، ويؤمن بأن الحوار والسلام والإعتدال ليست شعارات سياسية ، وإنما قيم إنسانية لا تستقيم الحياة الدولية من دونها .
ومن هنا ، فإننا لا نريد أن يكون خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين اليوم مجرد إشادة بخطاب جلالته ، وإنما نريد أن نطرح السؤال الأهم :
ماذا سنفعل نحن بما قاله جلالة الملك ؟
فالكلمات العظيمة قيمتها ليس في جمالها ، وإنما في قدرتها على صناعة الفعل .
إلى الشعب الأردني …
لا تجعلوا خطاب جلالة الملك مادة للنشر على وسائل التواصل الإجتماعي لساعات ، ثم يعود كل شيء إلى ما كان عليه .
إقرؤوا الخطاب ، وتدبروا مضامينه ، وأفهموا رسائله ، وأجعلوا منه درسًا في الوطنية ، والوعي ، والإعتدال ، والمسؤولية .
لقد تحدث جلالة الملك باسم الأردن أمام العالم ، وحمل قضايا أمته ، ودافع عن الحق والعدل ، ولذلك فإن أقل ما يمكن أن نقدمه لوطننا هو أن نحول هذه الرسالة إلى سلوك يومي ، وإخلاص في العمل ، وإحترام للقانون ، وتمسك بالوحدة الوطنية ، ورفض للكراهية والتطرف والإنقسام .
وإلى جامعاتنا …
إن خطاب الملك يجب ألا يبقى بعيدًا عن قاعات المحاضرات ومدرجات الجامعات .
نريد أن يصبح هذا الخطاب مادة للحوار والتحليل والبحث العلمي ، وأن تسأل جامعاتنا أبناءها :
كيف نبني الأردن القادر على مواجهة عالم سريع التغير ؟
كيف ننتقل من التعليم إلى صناعة المعرفة ؟
كيف نُخرّج إنسانًا يمتلك العلم والمهارة والقدرة على التفكير والتحليل والحوار والإبداع ؟
فالجامعة ليست مكانًا لمنح الشهادات فقط ، وإنما هي مصنع للعقول ، وحاضنة للوعي ، ومختبر لصناعة المستقبل .
وإذا كان العالم يتغير ، فلا يجوز أن تبقى بعض أساليب التعليم والإدارة الجامعية أسيرة الماضي .
وإلى مدارسنا ومعلمينا …
من هنا تبدأ صناعة الأردن الذي تحدث عنه جلالة الملك .
فالطفل الذي يجلس اليوم على مقعد الدراسة هو المسؤول والطبيب والمهندس والمعلم والداعية والإعلامي والقائد غدًا .
علّموا أبناءنا أن الوطن ليس كلمة تُقال ، وإنما أمانة تُؤدّى .
علّموهم الحوار بدل الخصومة ، والإختلاف دون كراهية ، والإعتدال دون تردد ، والإنتماء دون تعصب ، والعمل دون إنتظار للمكافأة .
علّموهم أن الأردن لا يحميه الكلام وحده ، وإنما يحميه العلم والأخلاق والإنتاج والوعي والإنتماء .
وإلى مسؤولي الدولة الأردنية …
هنا تقع المسؤولية الأكبر .
إن خطاب جلالة الملك يجب أن يصل إلى مكاتب المسؤولين لا بإعتباره خطابًا للإستماع ، وإنما منهجًا للعمل .
المسؤولية ليست كرسيًا ، ولا لقبًا ، ولا وجاهة ، ولا حضورًا في المناسبات .
المسؤولية هي أن تفتح بابك للمواطن ، وأن تسمع شكواه ، وأن تحترم وقته ، وأن تنجز معاملته ، وأن تحارب الواسطة والمحسوبية ، وأن تصون المال العام ، وأن تضع الكفاءة في مكانها ، وأن تجعل مصلحة الوطن فوق كل إعتبار .
لا يكفي أن نقول إننا خلف الملك ، ثم لا نترجم رؤيته إلى أداء .
فالوقوف خلف القيادة لا يكون بالتصفيق فقط ، وإنما بالعمل الذي يليق بالوطن وبالرسالة التي يحملها جلالة الملك إلى العالم .
وإلى وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية …
إن المسؤولية لا تقع على الجامعات والمدارس ومؤسسات الدولة ، ووسائل الإعلام وحدها ، بل إن وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية أمام مسؤولية كبيرة في إيصال مضامين خطاب جلالة الملك ورسائله السامية إلى المساجد والمنابر ، وإلى كل بيت أردني .
فالخطيب والإمام والداعية ليسوا مجرد ناقلين للمعلومة ، وإنما هم صُنّاع وعي ، وحَمَلة رسالة ، ومؤثرون في وجدان المجتمع .
ومن هنا ، فإن من المهم أن تكون مضامين خطاب جلالة الملك ، وما حمله من دعوة إلى السلام ، والعدالة ، ونبذ الكراهية ،ه ورفض التطرف ، وحماية المقدسات ، والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني ، وترسيخ قيم التعايش والحوار ، حاضرة في خطب الجمعة والدروس والندوات والمحاضرات الدينية ، بما يعزز الوعي الوطني والديني لدى المواطنين ، ويُحصّن المجتمع من خطاب الكراهية والتطرف والإنقسام .
إن المنبر الذي إعتاد الأردنيون أن يسمعوا منه كلمة الحق ، قادر على أن يحوّل رسائل جلالة الملك إلى وعي ديني راسخ وسلوك مجتمعي إيجابي ، وأن يشرح للناس أن الإسلام دين سلام ورحمة وعدل ، وأن الإختلاف بين الشعوب والأديان لا يبرر القتل أو الظلم أو الكراهية .
وليس المطلوب أن تتحول المساجد إلى منابر سياسية ، وإنما أن تقوم رسالتها الدينية والوطنية على ترسيخ القيم التي دعا إليها جلالة الملك : الرحمة ، والعدل ، والتعايش ، وإحترام الإنسان ، ونبذ العنف ، ورفض التطرف ، وصون الوطن وأمنه وإستقراره .
وإلى إعلامنا الأردني …
وهنا تقع مسؤولية لا تقل أهمية عن مسؤولية المدرسة والجامعة والمسجد .
لقد تحدث جلالة الملك من نيويورك إلى العالم ، وحمل رسالة الأردن العربي الهاشمي إلى المجتمع الدولي ، داعيًا إلى العدالة والسلام ، ومحذرًا من إستمرار الحروب والصراعات ، ومؤكدًا أن الأمن الحقيقي لا يمكن أن يقوم على الظلم والقوة وحدهما ، وإنما على الحق ، والشرعية ، والحوار ، وإحترام الإنسان .
ومن واجب الإعلام الأردني أن يحمل هذه الرسالة إلى العالم ، لا أن يكتفي بتغطية الخطاب بإعتباره حدثًا إخباريًا ينتهي بانتهاء البث .
نريد من إعلامنا أن يقرأ خطاب جلالة الملك ، ويحلله ، ويشرح مضامينه ، ويترجم رسائله إلى لغة يفهمها العالم .
نريد برامج وحوارات ومواد إعلامية تشرح للرأي العام الدولي والمحلي مواقف الأردن ، وتبرز رسالته في الدفاع عن السلام ، والتعايش بين الأديان ، ورفض التطرف والكراهية ، ودعم حقوق الشعب الفلسطيني ، وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس ، وتأكيد أن الأردن دولة تؤمن بأن الحوار والدبلوماسية والقانون الدولي هي الطريق إلى الأمن والإستقرار .
كما أن على الإعلام الأردني أن يواجه الصورة المشوهة التي تحاول بعض الخطابات تقديمها عن المنطقة والإسلام والعرب ، وأن يبرز للعالم الصورة الحقيقية للأردن : دولة إعتدال ، ودولة حوار ، ودولة سلام ، ودولة تحترم الإنسان وتدافع عن حقوقه .
فالإعلام اليوم لم يعد مجرد ناقل للأحداث ، إنه سفير للدولة ، وصانع للرأي العام ، وجسر بين الشعوب .
وإذا كان جلالة الملك قد حمل رسالة الأردن إلى العالم من منبر الأمم المتحدة ، فإن الإعلام الأردني مطالب بأن يحمل هذه الرسالة إلى كل شاشة ، وكل منصة ، وكل لغة ، وكل جمهور يستطيع الوصول إليه .
منبر الملك في نيويورك يجب أن يتعدد في الأردن .
وهنا تلتقي أدوار الجميع :
وزارة الأوقاف تنقل قيم الخطاب إلى المنابر والدروس ،
المدرسة تحوّلها إلى تربية ووعي ،
الجامعة تجعلها موضوعًا للبحث والحوار ،
الإعلام يحملها إلى الأردن والعالم ،
ومؤسسات الدولة تترجمها إلى أداء وسياسات وممارسات ،
والمواطن يحولها إلى سلوك يومي .
وهكذا فقط لا يبقى خطاب جلالة الملك كلمات قيلت في نيويورك ، بل يصبح رسالة أردنية ممتدة من عمّان إلى العالم ، ومن المسجد إلى المدرسة ، ومن الجامعة إلى الإعلام ، ومن مؤسسات الدولة إلى حياة المواطن .
فجلالة الملك قال كلمته للعالم ، وحان دورنا نحن أن نجعل العالم يرى هذه الكلمة في أفعالنا .
وفي قضية فلسطين
أكد جلالة الملك أن القضية الفلسطينية ليست قضية يمكن تجاوزها أو تأجيلها إلى ما لا نهاية ، وأن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق من دون العدالة ، ومن دون قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على أساس حل الدولتين .
كما أكد جلالته أن القضية ليست حربًا بين الأديان ، وأن حماية المقدسات والوجود المسيحي في الأرض المقدسة ، والدفاع عن الصورة الحقيقية للإسلام ، هي مسؤولية أخلاقية وإنسانية ، وهو موقف يلتقي في جوهره مع رسالة الوسطية والإعتدال والتعايش التي يحمل يؤمن بها الأردن ويحمل لواءها .
لقد كان الأردن ، وسيبقى ، صوتًا للعقل والحوار والإعتدال ، ورافضًا لتحويل الصراعات السياسية إلى صراعات دينية ، أو تحويل الإختلاف إلى كراهية ، أو الدين إلى أداة للتحريض والعنف .
أما أمن الأردن … فهو خط أحمر
لقد أكد جلالة الملك أن أمن الأردن ومصالحه ومياهه وحدوده ليست موضع مساومة ، وأن الأردن يعرف كيف يحمي مصالحه الوطنية ، ويصون أمنه وإستقراره .
وهذه الرسالة لا ينبغي أن تصل إلى الخارج فقط ، بل يجب أن تصل إلى كل أردني في الداخل :
الأردن أمانة .
وأمنه وإستقراره ليسا مسؤولية الجيش العربي والأجهزة الأمنية وحدها ، مع إعتزازنا الكبير برجالها ، وإنما مسؤولية كل مواطن في موقعه .
المعلم يحمي الأردن بعلمه ، والطبيب بإنسانيته ، والمهندس بإتقانه ، والعامل بإخلاصه ، والمزارع بأرضه ، والطالب بعلمه ، والإعلامي بمسؤوليته ، والمسؤول بعدله ، والأب والأم بتربية أبنائهما على حب الوطن والإنتماء له والولاء لقيادته .
أيها الأردنيون
لقد وقف جلالة الملك في نيويورك ، وحملت كلماته إسم الأردن وقضاياه ومواقفه وثوابته إلى العالم .
فلا تجعلوا خطاب الملك ينتهي بانتهاء التصفيق .
ولا تجعلوا كلماته مجرد عبارات تُقتطع وتُنشر .
إشربوا من روح الخطاب ، لا من حروفه فقط .
إشربوا منه الإعتدال ، والكرامة ، والثبات ، والشجاعة ، والوعي ، والدبلوماسية ، والتمسك بالحق ، والحرص على الأردن ، والدفاع عن فلسطين ، والإيمان بأن القوة الحقيقية لا تكون بالعدوان ، وإنما بالحق والشرعية والقانون والإنسان .
إن جلالة الملك قال كلمته أمام العالم ، والآن يأتي دورنا جميعًا :
أن نجعل كلمته فعلًا ، وموقفه سلوكًا ، ورؤيته عملًا ، ورسائله منهجًا .
فالأردن الذي تحدث عنه جلالة الملك في نيويورك يجب أن نراه في مدارسنا ، وجامعاتنا ، ووزاراتنا ، ومؤسساتنا ، وميادين عملنا ، وعلى منابر مساجدنا وكنائسنا وفي أخلاقنا وتعاملاتنا اليومية .
هذه ليست لحظة تصفيق … هذه لحظة مسؤولية .
ومن هنا ، فإننا ندعو مؤسسات الدولة ، والجامعات ، والمدارس ، ومؤسسات الإعلام ، والنخب الفكرية والدينية والثقافية ، والشباب الأردني ، وكل أبناء الوطن ، إلى قراءة خطاب جلالة الملك قراءة واعية ، وتحويل مضامينه إلى برامج ومبادرات وحوارات وممارسات تعزز الوعي الوطني ، وتحمي النسيج الإجتماعي ، وتدعم قيم الإعتدال والحوار ، وتبني الإنسان الأردني القادر على مواجهة المستقبل .
حفظ الله الأردن ، وطنًا عزيزًا آمنًا مستقرًا ، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين ، وسمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ، وأدام على وطننا راية الهاشميين خفاقة ، وعلى شعبنا وحدته وتماسكه ، وعلى جيشنا العربي وأجهزتنا الأمنية قوتها ومنعتها ، وجعل الأردن دائمًا صوتًا للحق والإعتدال والسلام إنه سميع قريب مجيب الدعاء يارب العالمين .
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم