الدكتور علي الصلاحين يكتب: القرآن .. بناء الإنسان وصناعة الغد

منذ 1 يوم
المشاهدات : 7673
الدكتور علي الصلاحين يكتب: القرآن ..  بناء الإنسان وصناعة الغد
الدكتور علي الصلاحين

الدكتور علي الصلاحين

يكشف الخطاب القرآني عن عناية عميقة ببناء العقل وإيقاظ الوعي، من خلال الدعوة المتكررة إلى التأمل في الكون، والنظر في النفس، واستخلاص العبر من التاريخ. قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. فالمعرفة في المنظور القرآني ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة لبناء الإنسان وتمكينه من فهم واقعه، والتمييز بين الحق والباطل، واتخاذ قراراته على أساس من البصيرة. ومن هنا تبدأ صناعة الإنسان العربي الواعي؛ إنسان لا يكتفي بتلقي الأفكار، بل يناقشها ويفحصها، ولا يستسلم للمألوف لمجرد أنه مألوف، بل يسعى إلى فهم الحقيقة واستيعاب متغيرات عصره.



فالأمة التي تضيق بأسئلة أبنائها، أو تعطل قدرتهم على التفكير والإبداع، تحرم نفسها من أهم مقومات النهوض والتجدد. ولا يقف البناء القرآني عند العقل، بل يمتد إلى الوجدان والأخلاق؛ فالإنسان لا يُصنع بالمعرفة وحدها، وإنما بما يحمله من قيم، وما يترجمه من سلوك. وقد جعل القرآن العدل والإحسان والأمانة والرحمة من أسس الحياة المستقيمة، وربط قيمة الإنسان بما يصدر عنه من عمل ومسؤولية، لا بما يدّعيه من مكانة أو ينتمي إليه من جماعة. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾. وفي هذه القيم أساس لبناء مجتمع تُصان فيه الحقوق، ويُحترم فيه الإنسان، وتُقدَّم فيه الكفاءة والأمانة على المحاباة والمصالح الضيقة. فلا نهضة حقيقية في مجتمع تتقدم فيه المصالح الشخصية على المصلحة العامة، أو تُهدر فيه كرامة الإنسان باسم العادات أو النفوذ أو الانتماءات. وإذا كان القرآن يبني العقل والضمير، فإنه يدعو كذلك إلى العمل والإعمار وتحمل المسؤولية. فالعمل ليس مجرد وسيلة لكسب العيش، بل ميدان تتجلى فيه القيم، وتُختبر فيه الإرادة، وتُبنى من خلاله حياة الأفراد والأمم. قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾. ومن هنا، فإن صناعة الإنسان العربي تقتضي إعادة الاعتبار إلى العلم والإنتاج والإتقان، وتربية الأجيال على احترام الوقت، وتحمل المسؤولية، والمبادرة، والقدرة على تحويل الأفكار إلى إنجازات. فالمستقبل لا يُصنع بالأمنيات وحدها، ولا يتحقق بمجرد الحديث عن أمجاد الماضي، وإنما يحتاج إلى عقل يتعلم، ويد تعمل، وإرادة تؤمن بإمكان التغيير. وفي هذا السياق، تتجلى أهمية الخطاب القرآني الوجداني الذي لا يخاطب العقل بالحجة وحدها، بل يستثير القلب بالصورة والمشهد والمثال. فهو يقرب الحقائق إلى النفس، ويجعلها أكثر حضورًا في الوعي والسلوك. ومن ذلك تصوير الحياة الدنيا في سرعة زوالها، قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾. وهذا التصوير لا يدعو إلى الانسحاب من الحياة أو إهمال أسبابها، بل يحرر الإنسان من الاغترار بالمظاهر، ويعيد ترتيب أولوياته، حتى لا ينشغل بما يفنى عن بناء ما يبقى. وهنا تتجلى قدرة الخطاب القرآني على وصل المعرفة بالوجدان، وتحويل الفكرة إلى موقف، والموقف إلى سلوك. ولعل من أبرز ما يحتاج إليه الإنسان العربي اليوم أن يستعيد ثقته بقدرته على الفعل والتغيير، وأن يتحرر من الاتكالية وانتظار الحلول الجاهزة. فالإيمان الذي يوقظ الإرادة، والمعرفة التي تتحول إلى عمل، والقيم التي تظهر في السلوك، هي عناصر أساسية في بناء الإنسان القادر على الإسهام في نهضة مجتمعه. وقد ربط القرآن التغيير بإرادة الإنسان وسعيه، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. وهي دعوة إلى مراجعة الذات، وتصحيح الأفكار، وإصلاح السلوك، والإيمان بأن التغيير الحقيقي يبدأ من الإنسان، ثم يمتد أثره إلى المجتمع ومؤسساته. ولا تقع مسؤولية بناء الإنسان على مؤسسة واحدة، بل هي مسؤولية الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام ومؤسسات المجتمع جميعًا.


فالأسرة التي تربي أبناءها على الحوار والاحترام، والمدرسة التي توقظ الفضول وحب المعرفة، والجامعة التي تربط التعليم بالبحث والإنتاج، والإعلام الذي يعزز الوعي والمسؤولية؛ جميعها تسهم في إعداد إنسان قادر على فهم عصره والمشاركة في صياغة مستقبله. وليس المقصود بصناعة الإنسان العربي أن يتخلى عن هويته أو ينفصل عن جذوره، بل أن ينطلق من هويته بثقة، وينفتح على المعرفة الإنسانية دون تبعية، ويستفيد من تجارب الآخرين دون أن يفقد استقلاله في التفكير والاختيار. فالانتماء الحقيقي لا يُقاس بالشعارات وحدها، وإنما بقدرة الإنسان على خدمة مجتمعه، وصون كرامته، واحترام كرامة الآخرين.

إن الغد الذي ننتظره لن يكون مختلفًا إذا ظللنا نكرر أخطاء الأمس، ولن تضيء عتمته الأمنيات وحدها. إنه يحتاج إلى إنسان يدرك أن الإيمان مسؤولية، وأن العقل أمانة، وأن العلم طريق، وأن العمل ضرورة، وأن الأخلاق أساس لا يستقيم البناء من دونه. وهكذا يضيء القرآن عتمة المستقبل؛ لا بأن يعفينا من مشقة الطريق، بل بأن يمنحنا البصيرة التي نهتدي بها، والقيم التي تضبط مسيرتنا، والأمل الذي يجدد قدرتنا على النهوض. فحين نحسن فهم رسالته، ونترجم هدايته إلى وعي وعمل، نبدأ صناعة الإنسان العربي الذي لا ينتظر أن يصنع الآخرون مستقبله، بل يستعد له بعقله، ويبنيه بجهده، ويمنحه معناه بأخلاقه. فالمستقبل لا يبدأ حين يتغير العالم من حولنا، بل حين نبدأ بتغيير ما في أنفسنا؛ وحين نؤمن أن الإنسان الواعي هو أول الطريق إلى النهضة، وأن القرآن حين يتحول من تلاوة إلى هداية وعمل، يصبح نورًا في العقل، وطمأنينة في القلب، وبصيرة ترشد خطى الأمة نحو الغد.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم