في بداية الشهر، يبدو الراتب وكأنه مساحة واسعة من الأمان؛ فالفواتير لم تُدفع بعد، وقائمة الاحتياجات ما تزال قابلة للترتيب، والبيت لم يدخل بعد في حساباته الدقيقة، لكن شيئًا ما يتغير كلما اقتربت الأيام من نهايتها؛ يصبح الراتب أقصر، والاحتياجات أطول، ويبدأ المواطن في ممارسة تلك العملية الحسابية الصامتة التي لا تحتاج إلى ورقة وقلم: ماذا بقي؟ وما الذي يمكن تأجيله؟ وما الذي لا يحتمل التأجيل؟ هذه ليست حكاية راتب فقط، ولا يمكن اختزالها في رقم التضخم وحده، صحيح أن بيانات دائرة الإحصاءات العامة تشير إلى ارتفاع أسعار المستهلك خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026 بنسبة 2.20%، لكن الأرقام الاقتصادية، مهما كانت ضرورية، لا تستطيع وحدها أن تشرح ما يحدث داخل البيت الأردني في الأيام الأخيرة من الشهر، هناك مصاريف صغيرة تتراكم حتى تصبح كبيرة، واحتياجات مدرسية لا تنتظر، وأدوية لا يمكن تأجيلها، ومواصلات، وفواتير، ومتطلبات أطفال، والتزامات اجتماعية، وأحيانًا ظرف طارئ واحد قادر على إعادة ترتيب ميزانية شهر كامل. المشكلة أن الأسرة لا تعيش على متوسطات اقتصادية، وإنما تعيش على دخل محدد واحتياجات محددة، ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: كم ارتفعت الأسعار؟ بل: ماذا يستطيع الدخل المتاح أن يشتري اليوم مقارنة بما كان يشتريه بالأمس؟ ومتى يتحول الراتب من وسيلة للعيش إلى عملية توزيع دقيقة بين الضرورات، بحيث يصبح أي إنفاق غير محسوب تهديدًا لما تبقى من الشهر؟ ولعل أكثر ما يرهق الإنسان في هذه الحالة ليس ضيق المال وحده، وإنما القلق المستمر من القادم. أن تشتري شيئًا اليوم وأنت تفكر في فاتورة بعد أسبوع، أو أن يؤجل الأب حاجة لأحد أبنائه لأنه لا يعرف ماذا سيحدث قبل نهاية الشهر، أو أن تتحول بعض الرغبات البسيطة التي كانت طبيعية إلى قرارات تحتاج إلى حساب طويل، هنا تصبح القدرة الشرائية قضية إنسانية قبل أن تكون مؤشرًا اقتصاديًا. والأسرة الأردنية ليست كتلة واحدة؛ فهناك من يستطيع امتصاص ارتفاع بعض التكاليف، وهناك من لا يملك أي هامش للمناورة، ولهذا فإن الحديث عن المواطن يجب أن يظل قريبًا من واقعه الحقيقي: من يدفع إيجارًا ليس كمن يملك منزلًا، ومن لديه ثلاثة أبناء في المدارس ليس كمن لديه ابن واحد، ومن يعمل بالقرب من منزله ليس كمن ينفق جزءًا معتبرًا من دخله على التنقل، الأرقام العامة مهمة، لكن تفاصيل الحياة هي التي تكشف أين يقع الضغط فعلًا. وربما نحتاج إلى أن ننظر إلى الاقتصاد من نافذة مختلفة قليلًا؛ نافذة المطبخ، والحقيبة المدرسية، ومحطة الوقود، وسلة المشتريات، ودفتر المصروف اليومي. هناك تتضح الصورة أكثر. فالمواطن لا يطلب حياة بلا مسؤوليات، ولا ينتظر أن تختفي الأسعار، لكنه يريد أن يشعر بأن دخله يتحرك معه لا ضده، وأن جهده في العمل يترجم إلى قدرة معقولة على تأمين احتياجات أسرته، لا إلى سباق دائم مع نهاية الشهر. وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم: كم بقي من الراتب؟ بل كم بقي للأسرة من قدرتها على التخطيط والاطمئنان؟ فالحياة الكريمة لا تعني أن يمتلك الإنسان كل شيء، وإنما أن يستطيع أن يعيش دون أن يتحول كل طارئ صغير إلى أزمة كبيرة، وربما يكون النجاح الحقيقي لأي سياسة اقتصادية عندما يصل المواطن إلى آخر يوم في الشهر وهو يشعر أن راتبه لم يكن ضيفًا قصير الإقامة في بيته، بل كان سندًا حقيقيًا لحياته.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات