في مثل هذا اليوم… بدأت الحكاية

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 31527
في مثل هذا اليوم… بدأت الحكاية
سرايا - في الحادي والعشرين من أيلول عام 1987، وقفتُ على عتبةٍ لم أكن أعرف يومها أنها ستقودني إلى واحدٍ من أطول فصول حياتي وأكثرها أثرًا.

دخلتُ جامعة مؤتة – الجناح العسكري، كلية الشرطة، تخصص العلوم الإدارية، تلميذًا مرشحًا، شابًا من أبناء الزرقاء، أحمل في داخلي حلمًا أكبر من سنوات عمري، وطموحًا لا يعرف بعدُ كم ستكلفه الأيام.

كنتُ يومها شابًا حالماً.

لم أكن أبحث عن وظيفة، ولا عن رتبة، ولا عن وجاهةٍ يصنعها الزي العسكري.

كنت أبحث عن معنى.

كنت أحلم أن أكون يدًا من أيدي العدالة، وأن أصبح محققًا يستطيع أن يقترب من أكثر الجرائم غموضًا، وأن يبحث خلف التفاصيل التي لا يراها الآخرون، وأن يصل إلى الحقيقة حين تختبئ الحقيقة خلف الخوف والصمت والتضليل.

ولأنني كنت ابن الزرقاء، المدينة التي نشأت في مدارسها وشوارعها، كنت أرى عن قرب وجوهًا مختلفة للحياة. مدينة مكتظة بالناس، تتقاطع فيها الحكايات، وتظهر فيها – كما في كل مجتمع كبير – بعض صور الجريمة والانحراف والصراع الإنساني.

وربما كان ذلك أحد الأسباب التي صنعت بداخلي قناعة مبكرة:

أن القوة لا ينبغي أن تكون وسيلة لبطش القوي بالضعيف، بل مسؤولية لحماية الضعيف من بطش القوي.

دخلت مؤتة وأنا أظن أنني سأتعلم كيف أحقق في الجريمة.

لكنني لم أكن أعرف أنني سأتعلم، مع مرور السنوات، شيئًا أعمق:

أن وراء كل جريمة إنسانًا،
ووراء كل إنسان قصة،
ووراء كل قصة بيئة وظروف واختيارات،
وأن الأمن ليس فقط أن تصل إلى الجريمة بعد وقوعها،
بل أن تمتلك البصيرة التي تجعلك تسأل:

كيف كان يمكن ألا تقع؟

منذ ذلك اليوم بدأت الرحلة.

رحلة امتدت تسعةً وثلاثين عامًا، حملتني من حلم المحقق الشاب إلى ميادين العمل الأمني، ومن البحث عن الجاني إلى محاولة فهم الظاهرة، ومن التعامل مع نتائج الجريمة إلى التفكير في أسبابها، ومن مفهوم حراسة الأمن إلى سؤالٍ ظل يكبر معي:

هل نستطيع أن نصنع الأمن قبل أن نضطر إلى حراسته؟

اليوم، وأنا أستعيد صورة ذلك الشاب الذي دخل بوابة مؤتة في 21/9/1987، أشعر أنني لا أودّعه.

بل أعود إليه.

أعود إلى عينيه اللتين كانتا تريان العدالة حلمًا، وإلى قلبه الذي كان يؤمن أن حماية الناس ليست مهنة فحسب، وإنما أمانة.

لقد تغيرت الرتب، وتبدلت المواقع، وتراكمت السنوات، واتسعت التجربة، وكثرت الملفات والوجوه والحكايات.

لكن شيئًا واحدًا لم يتغير:

ذلك الإيمان القديم بأن الأمن الحقيقي لا يُقاس بعدد القضايا التي نضبطها فقط، وإنما بعدد الأخطار التي استطعنا أن نمنعها قبل أن تتحول إلى قضايا.

تسعة وثلاثون عامًا…

لم تكن رحلةً في الأمن فقط.

كانت رحلةً في الإنسان.

تعلمت فيها أن العدالة بلا إنسانية قد تصبح إجراءً، وأن القوة بلا حكمة قد تصبح عبئًا، وأن المعرفة الأمنية إذا لم تتحول إلى وعيٍ مجتمعي تبقى عاجزة عن الوصول إلى جذور المشكلة.

وفي هذه الذكرى، لا أحتفل فقط بتاريخ دخولي جهاز الأمن العام.

بل أستعيد البداية التي صنعت ما بعدها.

أستعيد مؤتة…
والجناح العسكري…
والزي الأول…
والحلم الأول…
والشاب القادم من الزرقاء، الذي كان يريد أن يكون محققًا يكشف أكثر الجرائم غموضًا.

وأقول له اليوم، بعد 39 عامًا:

لقد طال الطريق يا فتى…
لكن الحلم لم يمت.

لقد تغير شكله فقط.

فبعد أن كنت تحلم بأن تكشف الجريمة بعد وقوعها، أصبحت تؤمن بأن المعركة الأهم هي أن نصنع وعيًا يمنع وقوعها.

وبعد أن كنت تريد أن تكون يدًا من أيدي العدالة، أصبحت تدرك أن أعظم عدالة يمكن أن نصنعها هي أن نحمي الإنسان قبل أن يصبح ضحية.

وبعد أن بدأت رحلتك بحثًا عن الجناة…

انتهت بك الرحلة إلى البحث عن الأسباب.

وهنا، ربما تكمن خلاصة تسعة وثلاثين عامًا:

الأمن ليس أن نحرس المجتمع من الخطر فقط؛
بل أن نبني مجتمعًا يمتلك من الوعي والمناعة والقدرة ما يجعله أقل قابليةً لأن يصنع الخطر.

في 21/9/1987 دخلتُ مؤتة شابًا يحمل حلمًا.

وفي 21/9/2026 أقف أمام ذلك الحلم، لا لأقول إن الرحلة انتهت…

بل لأقول:

إن بعض الأحلام لا تكبر معنا فقط؛
بل تكبر حتى تصبح رسالة.

وما زلت، بعد تسعة وثلاثين عامًا، مؤمنًا بأن أجمل ما يمكن أن يفعله رجل الأمن ليس فقط أن يصل إلى مكان الجريمة في الوقت المناسب…

بل أن يعمل حتى يأتي يومٌ لا تقع فيه الجريمة أصلًا.

من مؤتة بدأت الحكاية…
ومن الإنسان ما زالت مستمرة.

— العميد المتقاعد ماهر محمد بني خالد
saraya news
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم