"ترند الثمانينيات" .. نوستالجيا الهروب الجماعي نحو الزمن الجميل

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 27167
"ترند الثمانينيات" ..  نوستالجيا الهروب الجماعي نحو الزمن الجميل
سرايا - بينما تتسابق المنصات الرقمية إلى دفعنا نحو كل ما هو جديد وسريع ومستقبلي، حدث ما يشبه الالتفاتة الجماعية إلى الخلف.. وكأن الزمن توقّف في ذلك الفضاء الرقمي للحظات ليغيّر مساره ويعود بنا أربعين سنة على الأقل إلى الوراء..

هواتفنا الذكية تحولت إلى نوافذ تُفتح على عالم الثمانينيات، وربما حتى بداية التسعينيات.. وأمامنا بدأت تتوالى صور تستعيد ملامح تلك الحقبة و"موضتها".. بالشعر المنفوش، وجينز الخصر العالي بقصته الواسعة، وأجهزة المذياع التي لا تفارق أكتاف الشباب..

الكل يتهافت لصنع نسخة خاصة له من تلك الصور، بألوانها الدافئة والملابس القديمة، ووجوهٍ تبدو وكأنها خرجت للتو من ألبوم عائلي منسي في درجٍ مهمل.

ظاهرياً، لا يتجاوز الأمر كونه "ترنداً" جديداً تتيحه أدوات الذكاء الاصطناعي وتطبيقات تعديل الصور، لكن خلف هذه الصور، ثمة شيء أكثر إنسانية من مجرّد الرغبة في استعادة أو تجربة مظهر قديم..

فبالنسبة لمن عاصروا تلك الحقبة، ربما لا يشتاقون إليها بقدر ما يشتاقون إلى أنفسهم كما كانوا يعرفونها آنذاك..

فالماضي الذي تستحضره تلك الصور، ليس مجرّد أزياء وتسريحات شعر.. إنه زمن يتذكره من عاصره بوصفه أكثر بطئاً وأقلَّ ازدحاماً بالشاشات والتنبيهات..

حين كان اللقاء يعني الجلوس فعلاً إلى جوار شخص آخر، بما فيه من تواصلٍ بصري وإحساسٍ كاملٍ بوجوده.. وكانت الصورة الواحدة تحتاج إلى لحظة حقيقية كي تُلتقط.. وأيام من الانتظار بعدها حتى نعرف كيف بدونا فيها..

وهو ما كان يكسبها قيمةً معنويةً كبيرة، نفتقدها اليوم مع الصور اللحظية بالكاميرات الجوّالة المزروعة في هواتفنا.


واليوم، وسط هذا السيل المتواصل من الأخبار والرسائل والمقارنات والقلق بشأن الغد.. تبدو العودة إلى تلك التفاصيل الصغيرة، وكأنها استراحة قصيرة وملاذ هادئ من صخب الحاضر.

وهذا حقيقي، فـ "النوستالجيا" بحسب خبراء علم النفس ليست عيشاً في الماضي، بل هي عودة منظمة إليه لجمع ما نحتاجه لمواجهة الحاضر.

وهذا الهروب الممتع إلى الماضي ليس سلوكاً عشوائياً، بل تشير أدبيات علم النفس الحديث إلى أنه بمثابة "مكبح طوارئ" يتبناه العقل البشري بشكلٍ غير واعٍ، للتكيف مع ضغوط الحياة.

ومن الناحية البيولوجية، تؤكد الأبحاث العصبية أن استحضار المشاهد البصرية المكتنزة بالذكريات يُحفز إفراز هرمون "الدوبامين" في المخ، وهو ما يفسر تلك الابتسامة التلقائية، وشعور الخفة الذي يباغتك بمجرد أن ترى صورتك في حلّة ثمانينية.

يقول محمود درويش: "الحنين هو الجانب الشاعري من الذاكرة".

ويوضح أطباء النفس في جامعة ساوثهامبتون أن الحنين للماضي يعمل كآلية دفاعية صحية، فعندما يشتد التوتر أو الشعور بالعزلة والوحدة الرقمية، يلجأ الدماغ تلقائياً لاسترجاع الذكريات والصور القديمة لإعادة تنشيط شعور الانتماء والاتصال الاجتماعي.

وفي تقارير نفسية متخصصة، يوضح الخبراء، أن ممارسة النوستالجيا تُعزز لدى الفرد ما يُعرف بـ "الاتصال الذاتي"، إذ تساعده على ربط حاضره بجذوره وأصله، مما يمنحه ثباتاً أكبر وتوازناً عاطفياً في مواجهة مستقبل مليء بالغموض.

وقد يكون هذا أحد أسباب انتشار ترند الصور القديمة، فالإنسان لا يرى صورته فقط، بل يرى الزمن الذي يحيط بها، وتستحضر ذاكرته ما كان له الأثر الأعمق فيها.. وجه أم.. نظرة أب.. ضحكة أخٍ أو صديق.. غرفة صغيرة كانت تبدو يوماً وكأنها العالم.


وقد يبدو منطقياً إلى حد كبير تأثير "ترند الثمانينيات" على جيل عاش الحقبة نفسها، لكن ماذا عن "جيل Z"؟.

لقد كان لافتاً للانتباه تأثر جيل زد بترند الصور القديمة، واندفاعهم إلى استحضار صور لهم تشعرهم بانتمائهم إلى تلك الحقبة ولو للحظات. وقد يفسره البعض تلقائياً بأنه دأبهم في الجري وراء الترند بغض النظر عن ماهيته. إلا أن هناك أسباباً أخرى أكثر عمقاً، من منظور علم النفس، والذي يفسر تلك الظاهرة بأن "النوستالجيا" ليست بالضرورة حنيناً إلى تجربة شخصية، وإنما إلى تجارب تخيلناها أو تلقيناها من الآخرين.

فجيل زد تعرف إلى زمن الثمانينيات والتسعينيات عبر صور الوالدين والأفلام والموسيقى والملابس والتلفزيون وربما القصص العائلية.. ومع تكرار التأثر بها يمكن أن تتكون علاقة عاطفية مع حقبة لم يعشها الشخص فعلياً وهذا ما يُسمى "النوستالجيا التاريخية" أو غير المباشرة.

وليس بالضرورة أن يحن الشباب إلى الحقبة نفسها، بحسب الخبراء، بل إلى الصورة التي تشكلت لديهم عنها، من "عالم ٍأقل اعتماداً على الهواتف وأكثر حضوراً في الحياة اليومية".. وهنا يصبح الماضي رمزاً لما يشعرون أنه ينقص حاضرهم.

وفي تفسير آخر ربما وجد هذا الجيل فرصةً للّعب بهويته عبر تجربة ذاتية، في إجابة على سؤال: "كيف كنت سأبدو لو ولدت في ذلك الزمن؟".. وهو الأقرب إلى فكرة "استكشاف الذات"، ما يبعده عن أن يكون مجرّد تقليد.

وإن شئنا أم أبينا.. فقد فرضت الخوارزميات نفسها كمصنع لـ "ذاكرة مشتركة".

فعندما يشارك الآلاف في الترند نفسه، تتحول صورة الماضي من ذكرى فردية إلى تجربة جماعية.. وفي مفارقة جميلة منحت التجربة جيلاً بأكمله شعوراً بأنه جزء من ذاكرة الآباء.

وربما خلق ذلك نقطة مضيئة في صورة منصات التواصل، وسبباً لتبرئتها، ولو جزئياً، من انتقادات ملتصقة بها، تتهمها بنشر السطحية، والإدمان الرقمي، والمقارنة المستمرة..

لكن ترند الثمانينيات أثبت أن الخوارزميات قد تُحدث - دون قصد – نوعاً من "العلاج النفسي الجمعي"، بعد أن أتاح للشباب فرصةً للتوقف والنظر إلى جذورهم، والتأكد بأن الحياة كانت جميلةً وبسيطة يوماً.. وبأن هذا الجمال لا يزال يستحق أن نستحضره ونعيشه اليوم.

 

 

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم