سرايا - محمد النواطير - أثارت الشخصيات الرقمية المصممة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، والتي تظهر على هيئة أشخاص حقيقيين وتتولى تقديم محتوى إخباري أو إعلامي، تساؤلات حول الحكم الشرعي للنظر إليها أو نشر محتواها عبر منصات التواصل الاجتماعي، لا سيما عندما تظهر بملابس غير محتشمة أو دون حجاب.
وفي هذا السياق، طرحت "سرايا" السؤال على الاستاذ الدكتور محمود السرطاوي، عميد كلية الشريعه سابقا في الجامعة الأردنية حول الحكم الشرعي المتعلق بشخصية "فرح" الرقمية التي يُشار إليها بوصفها ناطقاً رسمياً رقمياً، إلى جانب الشخصيات المشابهة التي يتم إنشاؤها باستخدام الذكاء الاصطناعي.
وقال السرطاوي لـ"سرايا"، اليوم الأحد، إن الأصل في الأحكام الشرعية المتعلقة بهذه المسائل يرتبط بما يترتب عليها من منفعة أو ضرر، موضحاً أن كل ما يؤدي إلى إثارة الشهوة والفتنة بين الناس لا يجوز، سواء كان الأمر متعلقاً بصورة حقيقية أو بصورة تمثيلية أو متخيلة.
وأضاف أن الصور التي تثير الشهوة أو الفتنة، أو تظهر فيها العورات بصورة غير منضبطة، تدخل في دائرة المحظور الشرعي، مؤكداً أن استخدام الشخصيات الرقمية في التمثيل أو إيصال الأفكار لا يكون محرماً بذاته، وإنما بحسب الغاية وطريقة الاستخدام وما يترتب عليه من أثر.
وحول الشخصية الرقمية التي يطلق عليها اسم "فرح"، والتي تظهر بصورة امرأة وتقدم الأخبار، سألته "سرايا" تحديداً عن حكم النظر إليها في حال ظهورها دون حجاب أو بملابس غير محتشمة.
وأجاب السرطاوي بأن النظر إليها في هذه الحالة محرّم، معتبراً أن الأمر يكتسب خصوصية أكبر عندما تُقدَّم الشخصية على أنها ناطق باسم الدولة أو مرتبطة بالشأن العام.
وأوضح أن استخدام شخصية تمثيلية أو رقمية في هذا السياق يجب أن يراعي الضوابط الشرعية، محذراً من أن التوسع في مثل هذه الاستخدامات قد يؤدي، بحسب رأيه، إلى إثارة الفتن والقيل والقال والتأثير في العلاقات الاجتماعية.
كما تطرق السرطاوي إلى مسألة استخدام المؤسسات الإعلامية لشخصيات رقمية مولدة بالذكاء الاصطناعي، وسألته "سرايا" عن الحكم الشرعي لتصميم شخصية لناطق إعلامي رقمي داخل المؤسسة، في حال عدم الالتزام بضوابط اللباس والحجاب.
وقال إن مسؤولية المؤسسة تكون، وفق تقديره، أكبر من مسؤولية الفرد، باعتبار أن المؤسسة تعمل من خلال قرارات مدروسة وتمثل جهة إعلامية موجهة للجمهور، وبالتالي فإن مخالفتها للضوابط التي تحدث عنها تكون أشد من مخالفة الفرد.
وشدد السرطاوي على أن التمثيل أو استخدام الشخصيات الرقمية لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للإساءة أو التشهير أو السخرية من الأشخاص، مؤكداً أهمية مراعاة حرمة الآخرين وعدم إظهار أخطائهم أو عوراتهم بطريقة تؤدي إلى الإساءة إليهم.
وختم حديثه بالتأكيد على أن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج الشخصيات والمحتوى ينبغي أن يراعي، من وجهة نظره، الضوابط الشرعية المتعلقة بالنظر والشهوة والستر وعدم الإيذاء والإساءة للآخرين.
و أوضح الأستاذ الدكتور محمود السرطاوي، عميد كلية الشريعة سابقاً في الجامعة الأردنية، أن ما ورد في إجابته الشرعية حول الشخصيات المصممة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، ومن بينها الشخصية الرقمية التي تحمل اسم "فرح"، مؤكداً أن حديثه السابق لم يكن دعوة إلى مقاطعة نشرات الأخبار أو عدم متابعتها بسبب ظهور مذيعات غير محجبات.
وقال السرطاوي إن إجابته الأولى جاءت رداً على سؤال خاص حول شخصية "فرح" المنشأة بالذكاء الاصطناعي، وإنه بدأ بتوضيح القاعدة العامة المتعلقة بالصور والمحتوى الذي قد يترتب عليه ضرر أو فتنة أو مساس بالأعراض والخصوصيات.
وأوضح أنه في المقابل، فإن العديد من القنوات التلفزيونية تعرض الأخبار من خلال مذيعات غير محجبات، مؤكداً أنه لا يدعو إلى مقاطعة مشاهدة الأخبار، وأنه شخصياً يتابعها لمعرفة ومواكبة ما يدور حول العالم.
وأشار إلى أن معرفة ما يجري في العالم، وخاصة ما يتعلق بالأمة الإسلامية وما يتعرض له الفلسطينيون في غزة والضفة الغربية، إلى جانب الأحداث في لبنان واليمن وسوريا، تعد من الأولويات والضروريات، مستشهداً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "المسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر".
وأضاف السرطاوي أن متابعته للأخبار لا تعني إقراره شرعاً بكل ما يظهر فيها، موضحاً أن هناك فرقاً بين معرفة الأحداث ومواكبتها وبين إقرار بعض المظاهر أو المحتويات التي قد تتضمنها.
وبيّن أن إجابته عن السؤال المتعلق بـ"فرح" كانت إجابة عن حالة محددة، وأنه عندما سُئل عن حكم ظهور ما يعتبر عورة، كان لا بد من بيان الحكم الشرعي المتعلق بذلك، مؤكداً أن حكمه في هذه المسألة لم يتغير.
وقال إن "انتزاع صورة جزئية من الصورة الكلية للشريعة وإبرازها في ظل الظروف الخطيرة القائمة الآن قد يضع الإجابة في أذهان الناس في المكان غير الصحيح، ولا يتفق مع مقاصد الشرع الحنيف"، مشدداً على ضرورة فهم الأحكام الجزئية ضمن مقاصد الشريعة وأولوياتها العامة.
وأضاف أن إبراز الجزئيات دون مراعاة المقاصد الكلية قد يؤدي، بحسب رأيه، إلى تشويه أحكام الشريعة وإفراغها من غاياتها، مؤكداً أن هذا هو منهجه في النظر إلى القضايا الشرعية، بحيث تكون المقاصد الكلية حاضرة ولا تُقام الجزئيات مقامها.
وشدد السرطاوي على أنه كان أمام سؤال محدد يتعلق بشخصية "فرح"، ولذلك كان أمامه خيار الإجابة عن الحكم الشرعي أو الاعتذار عن بيانه، مؤكداً أنه اختار بيان الحكم وفق السؤال المطروح.
وختم السرطاوي توضيحه بالتأكيد أن الفتوى التي صدرت عنه لم يتراجع عنها، وإنما أراد توضيح سياقها ومقاصدها، وما قصده من التأكيد على ضرورة ترتيب الأولويات وعدم فصل الحكم الجزئي عن الإطار العام لمقاصد الشريعة.
الرجاء الانتظار ...
التعليقات