خمسة أيام في الجنة لرحاب أسعد غنما

منذ 51 دقيقة
المشاهدات : 9816
خمسة أيام في الجنة لرحاب أسعد غنما

سرايا - تنجح «خمسة أيام في الجنة» في أن تجعل من الحادثة الكبرى إطاراً يكشف الإنسان أكثر مما يستعرض الكارثة نفسها. فالرواية لا تراهن على الإثارة وحدها، وإنما على ما تفعله لحظة الخطر في العلاقات، وكيف تعيد ترتيب ما تراكم قبلها من أحكام وسوء فهم وندم مؤجل. من هنا تتجاوز قيمة الرواية سؤال النجاة الجسدية إلى سؤال أعمق: كيف نرى بعضنا حين تسقط عنا تصوراتنا المسبقة، وحين لا يبقى أمامنا من الوقت ما يسمح بالمجاملة أو التأجيل؟ هذا هو موضع القوة الأول في العمل، لأنه يمنح الحدث الخارجي وظيفة داخلية، ويجعل الكارثة امتحاناً للأخلاق والذاكرة والقدرة على المصالحة.

اختيار البناء المتعدد أتاح للرواية أن تتحرك بين طبقات اجتماعية ونفسية مختلفة من غير أن تحصر رؤيتها في مصير شخصية واحدة. سيرة، زارة، نسمة، جاسر، قمر، رباح، مريم، محار، شيماء، عطا الله وغيرهم، يأتون من خلفيات متفاوتة، لكنهم يلتقون داخل شبكة سردية تتسع بالتدريج. القيمة هنا أن القارئ لا يتابع حكاية فرد، وإنما يراقب مجتمعاً مصغراً تنكشف داخله نظرات الناس إلى بعضهم، ومخاوفهم، وأحكامهم، وطريقة استجابتهم للحظة الفاصلة. ما يبدو في البداية تفرقاً يتحول لاحقاً إلى وحدة، وتصبح الحادثة الكبرى نقطة التقاء لمسارات كانت تتحرك في الظل.

المكان من أكثر عناصر الرواية نجاحاً. «منتجع الجنة» ليس اسماً عابراً، لأن الرواية توظفه كمفارقة دلالية بين الرفاه والخطر، وبين من يدخل المكان طلباً للراحة ومن يأتي إليه عاملاً أو مثقلاً بهموم بيته. يجاور الفندق عالم الغور، بأرضه وطقسه وقلق الناس على الرزق والموسم، فيتولد من هذا التجاور عمق اجتماعي لا يحتاج إلى خطاب مباشر. ثم يأتي البحر الميت ليكمل هذه البنية؛ البحر الذي يظهر أولاً هادئاً ومفتوحاً أمام السياح يتحول فجأة إلى قوة تهدد الحياة، فتكتسب الطبيعة حضوراً فاعلاً في مصير الشخصيات. وقد أحسنت الرواية التمهيد لذلك من خلال إشارات الطقس والسيول والبرد، فبدت الكارثة امتداداً منطقياً للتوتر الذي أخذ يتكثف قبلها.

ويمنح خط نسمة وجاسر الرواية بعداً اجتماعياً شديد الحساسية. قوة هذا الخط أنه لا يقف عند قصة حب معطلة، وإنما يكشف كيف تتحول السمعة إلى سلطة تسبق الحقيقة. نسمة تصبح موضوعاً لحكم الآخرين، بينما تمنحها الرسائل فرصة استعادة حقها في الكلام عن نفسها. هنا تلتقط الرواية مفارقة مهمة: الإنسان قد يكون معروفاً جيداً عند من يحبونه، ومع ذلك يمكن أن تُهزم هذه المعرفة أمام ضغط الكلام العام. ويصبح جاسر شخصية قابلة للفهم لأنه لا يظهر شريراً، بل ضعيفاً أمام المجتمع الذي يحمله داخله. الاعتراف بخطئه لا يعيد الزمن، لكنه يكشف مقدار المسافة بين المحبة والشجاعة.

مسار قمر بدوره من أكثر مسارات الرواية ثراءً على مستوى الرمز. النهر، والمغطس، والكنيسة، والشمعة، وخضر، والعبور من ضفة إلى أخرى، كلها صور تتآزر لتشي بالتحول الداخلي. قمر لا تبحث عن نجاة جسدية، وإنما عن مخرج من ذنب طال بقاؤه حتى صار جزءاً من هويتها. من أجمل صور هذا المسار الشمع الذي يحترق ثم يمكن أن يصاغ من جديد، وهي صورة تختصر فكرة مركزية في الرواية: ما يحدث للإنسان لا يمحى، لكنه لا يمنع إمكان التشكل مرة أخرى. وعندما تدخل قمر البحر لإنقاذ كرمة يتحول الرمز إلى فعل، ويصبح التعافي ممارسة لا فكرة مجردة.

وتظهر قدرة الرواية على بناء التوتر بأوضح صورها في مشاهد رباح مع الطفلين. هنا يخف الخطاب، ويتقدم الفعل الإنساني البسيط: إبقاؤهما مستيقظين، الحديث معهما عن المدرسة، طمأنتهما بما لا يملكه هو نفسه، وإشعارهما بأن العودة ما تزال ممكنة. هذه المشاهد تمنح الرواية حرارة إنسانية عالية لأنها لا تحتاج إلى تفسير معقد. وحين تتجاور صلاة الطفلين مع دعاء رباح، ينفتح النص على معنى إنساني رحب يتجاوز الفوارق، ويجعل النجاة تجربة مشتركة في الخوف والرجاء.

كما تحسن الرواية الاستفادة من التناقض بين الشخصيات. بارقة لا تقدم في صورة واحدة، فهي تحمل جرحاً وتسبب جرحاً في الوقت نفسه؛ وغانم ينتقل من صورة اجتماعية مريبة إلى إنسان يحمل ماضياً من الخسارة؛ ومطاوع يعاد تقديمه من خلال اعترافه بتأثير الماضي في حياته الحالية. هذا التدرج يمنع عدداً من الشخصيات من الوقوع في التصنيف السريع، ويمنح القارئ فرصة لمراجعة أحكامه، وهي حركة تنسجم تماماً مع السؤال الأخلاقي الذي تقوم عليه الرواية.

أما النهاية فتمنح العمل لمسة موفقة من الغموض. خضر، الذي بدا طوال الوقت شخصية واقعية تؤدي دوراً في رحلة قمر، ينتهي إلى وجود ملتبس بين الحقيقة والرمز. أن يبقى السؤال بلا جواب قاطع يفتح الرواية بعد نهايتها، ويمنح القارئ مجالاً للتأويل: قد يكون خضر شخصاً، أو حضوراً روحياً، أو صورة نفسية، أو تجسيداً للحاجة إلى من يقود الإنسان نحو المصالحة. هذه النهاية من أكثر مواضع الرواية رهافة لأنها لا تغلق معناها، بل تترك أثراً يتجاوز الحكاية.

لغة الرواية قريبة من المشهد والحركة، وتستفيد من الحوار في بناء الشخصيات ومن العامية الأردنية في تثبيت البيئة الاجتماعية، كما تحسن استثمار الوصف حين يرتبط بالمكان والطبيعة. ويظهر في الثلث الأخير خصوصاً حس واضح بإيقاع الحدث، إذ تتسارع الجمل مع الخطر، ويتراجع الوصف لصالح الحركة، فتزداد قدرة النص على شد القارئ.

القيمة الإيجابية الأبرز في «خمسة أيام في الجنة» أنها تمنح القارئ أكثر من حكاية نجاة؛ تمنحه سلسلة من لحظات الانكشاف. كل شخصية تقريباً تضطر إلى أن ترى نفسها أو ترى الآخر بطريقة جديدة. لهذا تبقى الرواية بعد انتهائها مرتبطة بفكرة إنسانية بسيطة وعميقة في آن: أن معرفة الآخر تحتاج إلى شجاعة، وأن التأخر في الفهم قد يكون أقسى من الفقد نفسه. وهذه الفكرة هي التي تمنح الرواية وحدتها، وتربط الحب والندم والأسرة والسمعة والذنب والبحر والخلاص داخل نسيج واحد.

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم