تخيل أنك أسقطت فنجان قهوة من يدك، لثواني قليلة تراقبه وهو يهوي، وتشعر أن الزمن قد تباطأ، بينما يسرع عقلك في رسم عشرات الصور لاحتمالات إنقاذه، ثم يحدث الارتطام.
نبذل جهدنا دائما لنبقي حياتنا متماسكة، وظيفة تكسبنا المال، لكنها تميت الروح، علاقة تبدو مثالية في الصور وأمام الناس، لكنها باردة في الخفاء.
روتين يحافظ على خطواتنا للأمام، لكننا نسينا منذ زمن إلى أين نتجه، قد يكون أمراً بسيطاً، نسيان ذكرى مهمة، التأخر عن اجتماع، ضياع موعد نهائي، وقد يكون أمراً كبيراً، انهيار شركة، إنتهاء زواج، تشخيص مرض.
عطل سيارة أو حتى حادث تصادم، نسيان بعض احتياجاتك اليومية، نسمي هذه الأوقات كارثة، أسوأ يوم، لكن ربما كنا ننظر إلى الأمور بطريقة خاطئة.
أنظر إلى المباني التي تهدم بطريقة مدروسة، تنهار بسرعة وتختفي وسط الغبار، صحيح أنه دمار لكنه أيضا الطريقة الوحيدة لبناء شيء جديد مكانه.
ثمة تشابه في حياتنا، أحياناً يجب أن ينهار كل شيء قديم تماماً، حتى يجد الجديد مكاناُ، لا يمكنك إصلاح الأساس وأنت ما زلت تسكن في الطابق العلوي.
كان الرومان يقولون: "اهدم أولاُ ثم إبني من جديد، يدركون أن أي تغيير حقيقي لا يتم إلا بعد إزالة ما سبقه.
غالباً لا نفكر بهذه الطريقة، نحن نرى الاستقرار خيراُ دائماً، نرتق الشقوق، ونغطي البقع، ونتظاهر أن السقف لن يسقط، إلى أن يسقط بالفعل.
وحينها يحدث شيء، لم تعد أنت من يقرر التغيير، القرار يتخذ عنك، هل أترك هذه الوظيفة؟ لم يعد هناك وظيفة أصلاً، هل أنهي هذه العلاقة؟ ثمة من اتخذ القرار بالانابة عنك، هل أغير مهنتي؟ مهنتك لم تعد موجودة.
نعم الأمر قاس ومؤلم لكنه أيضا تحرير بطريقة لا يحققها التغيير الطوعي، لأنك عندما تختار المغادرة بنفسك يبقى عقلك يلاحقك بأسئلة، ماذا لو بقيت؟، ماذا لو حاولت أكثر، ماذا لو كنت مخطئاً؟.
حين تسلب حق الاختيار لم يبقى أمامك إلا سؤال واحدة، ماذا أفعل الآن؟، اسأل شخصاً بنى حياته بيده، لا من ورثها، وإنما من صنعها بعد تعب.
اسأله عن أسوأ ما حدث له في حياته، وسترى ملامحه تتغير، كثيرون سيخبرونك أن خسارة وظيفة كانت بداية مشروع جديد، أو أن مرضاُ غير أولوياتهم ومنهحم فرصة لحياة أفضل، أو أن إنهاء علاقة منحهم فرصة اعظم، أو أن إفلاساً علمهم ما هو المهم حقاً.
يقيناً لن يقولوا إن تلك التجارب كانت جميلة، أو أن الألم لم يكن موجوداً، لكنهم سيقولون "نحن ممتنون لها"، ليسوا ممتنين للألم نفسه، بل للإنسان الذي أصبحوا عليه لاحقا.
الحقيقة أن أغلبنا لا يتغير إلا عند الضرورة، نحن نحب البقاء في مكان آمن، نخاف من المخاطرة، عقولنا ترى التغيير خطراً حتى لو كان الوضع القائم يقتلنا ببطء.
نبقى في وظيفة تطفئ روحنا، في مدينة لا تناسبنا، في حياة كأنها ثوب لا يخصنا، نبقى فقط لأن البقاء يبدو أكثر أماناً من القفز حتى لو كانت النار تلتهم المبنى.
لكن حين ينهار كل شيء، يجبرنا السقوط على القفز، فجأة نكتشف أننا قادرون على الطيران، أو على الأقل السقوط بطريقة أفضل مما ظننا.
هناك شعور أعرفه جيداً، يأتي صباح اليوم التالي تستيقظ وللحظات قصيرة تشعر أن كل شيء طبيعي، ثم تتذكر الوظيفة انتهت، وأن علاقتك بأحدهم أنتهت أيضاً، وان النتيجة الطبية كانت سيئة، وان الشخص الذي كان يعني لك العالم لن يعود.
تشعر بالدوار، تشعر أن الأرض تهتز تحتك، لكن هناك شيء آخر يحدث، أنت ما زلت هنا، القهوة ما زالت بطعمها نفسه، الحياة لم تتوقف، الحياة مستمرة.
في هذا الإصرار الغريب للحياة على الاستمرار، يفتح أمامك باب جديد لم يكن موجوداً حين كان كل شيء ثابتاُ ومخنقاً.
البدء من العدم مخيف، لكنه أيضاً فرصة لبناء ما تريده، حين ينهار القديم، وظيفة، خطة، أو هوية تصبح قادراً على طرح أسئلة جديدة.
ليس كيف أصلح هذا؟، وإنما ما الذي أريد بناءه حقا، كيف أعود إلى ما كنت عليه؟ بل ماذا لو كان ما كنت عليه هو المشكلة.
ثمة أحداث تمنحك إذناً لتتخيل من جديد، لتجرب ما كان يبدو جنوناً وأنت في منطقة الأمان، تذكر جيدا الماء لا يصبح بخاراُ إلا عند 100 درجة، ليس عند 99، ولا حتى عند 99.9، لحظة واحدة ويتحول تماماً.
نحن هكذا أيضا، نقاوم طويلًا ثم فجأة نتغير، لحظة واحدة كنت تسيطر على كل شيء، ولحظة أخرى لم تعد قادراّ، وهناك يبدأ التحول.
حينها يتغير الشخص الذي عاش دائماُ في منطقة الأمان، يبدأ مشروعاً غريباًٍ، ويتعلم من عاش لإرضاء الآخرين أن يقول "لا"، ويكسر الإلتزام القواعد خطوطها.
الانهيار لا ينهي الأشياء فقط، وإنما تتضح الحقيقة تمام الوضوح، وحين لا يبقى أحد لترضيه، جيد أنك على وشك أن تكتشف حقيقتك.
وهذا جيد، اللحظة التي يتوقف فيها "البطل" عن التظاهر، دع كل شيء يسقط، ثم انظر إلى الشظايا من حولك واسأل نفسك ما الذي أريد أن أبنيه حقاً؟، قد تفاجئك الإجابة وغالباً ستفعل.
نبذل جهدنا دائما لنبقي حياتنا متماسكة، وظيفة تكسبنا المال، لكنها تميت الروح، علاقة تبدو مثالية في الصور وأمام الناس، لكنها باردة في الخفاء.
روتين يحافظ على خطواتنا للأمام، لكننا نسينا منذ زمن إلى أين نتجه، قد يكون أمراً بسيطاً، نسيان ذكرى مهمة، التأخر عن اجتماع، ضياع موعد نهائي، وقد يكون أمراً كبيراً، انهيار شركة، إنتهاء زواج، تشخيص مرض.
عطل سيارة أو حتى حادث تصادم، نسيان بعض احتياجاتك اليومية، نسمي هذه الأوقات كارثة، أسوأ يوم، لكن ربما كنا ننظر إلى الأمور بطريقة خاطئة.
أنظر إلى المباني التي تهدم بطريقة مدروسة، تنهار بسرعة وتختفي وسط الغبار، صحيح أنه دمار لكنه أيضا الطريقة الوحيدة لبناء شيء جديد مكانه.
ثمة تشابه في حياتنا، أحياناً يجب أن ينهار كل شيء قديم تماماً، حتى يجد الجديد مكاناُ، لا يمكنك إصلاح الأساس وأنت ما زلت تسكن في الطابق العلوي.
كان الرومان يقولون: "اهدم أولاُ ثم إبني من جديد، يدركون أن أي تغيير حقيقي لا يتم إلا بعد إزالة ما سبقه.
غالباً لا نفكر بهذه الطريقة، نحن نرى الاستقرار خيراُ دائماً، نرتق الشقوق، ونغطي البقع، ونتظاهر أن السقف لن يسقط، إلى أن يسقط بالفعل.
وحينها يحدث شيء، لم تعد أنت من يقرر التغيير، القرار يتخذ عنك، هل أترك هذه الوظيفة؟ لم يعد هناك وظيفة أصلاً، هل أنهي هذه العلاقة؟ ثمة من اتخذ القرار بالانابة عنك، هل أغير مهنتي؟ مهنتك لم تعد موجودة.
نعم الأمر قاس ومؤلم لكنه أيضا تحرير بطريقة لا يحققها التغيير الطوعي، لأنك عندما تختار المغادرة بنفسك يبقى عقلك يلاحقك بأسئلة، ماذا لو بقيت؟، ماذا لو حاولت أكثر، ماذا لو كنت مخطئاً؟.
حين تسلب حق الاختيار لم يبقى أمامك إلا سؤال واحدة، ماذا أفعل الآن؟، اسأل شخصاً بنى حياته بيده، لا من ورثها، وإنما من صنعها بعد تعب.
اسأله عن أسوأ ما حدث له في حياته، وسترى ملامحه تتغير، كثيرون سيخبرونك أن خسارة وظيفة كانت بداية مشروع جديد، أو أن مرضاُ غير أولوياتهم ومنهحم فرصة لحياة أفضل، أو أن إنهاء علاقة منحهم فرصة اعظم، أو أن إفلاساً علمهم ما هو المهم حقاً.
يقيناً لن يقولوا إن تلك التجارب كانت جميلة، أو أن الألم لم يكن موجوداً، لكنهم سيقولون "نحن ممتنون لها"، ليسوا ممتنين للألم نفسه، بل للإنسان الذي أصبحوا عليه لاحقا.
الحقيقة أن أغلبنا لا يتغير إلا عند الضرورة، نحن نحب البقاء في مكان آمن، نخاف من المخاطرة، عقولنا ترى التغيير خطراً حتى لو كان الوضع القائم يقتلنا ببطء.
نبقى في وظيفة تطفئ روحنا، في مدينة لا تناسبنا، في حياة كأنها ثوب لا يخصنا، نبقى فقط لأن البقاء يبدو أكثر أماناً من القفز حتى لو كانت النار تلتهم المبنى.
لكن حين ينهار كل شيء، يجبرنا السقوط على القفز، فجأة نكتشف أننا قادرون على الطيران، أو على الأقل السقوط بطريقة أفضل مما ظننا.
هناك شعور أعرفه جيداً، يأتي صباح اليوم التالي تستيقظ وللحظات قصيرة تشعر أن كل شيء طبيعي، ثم تتذكر الوظيفة انتهت، وأن علاقتك بأحدهم أنتهت أيضاً، وان النتيجة الطبية كانت سيئة، وان الشخص الذي كان يعني لك العالم لن يعود.
تشعر بالدوار، تشعر أن الأرض تهتز تحتك، لكن هناك شيء آخر يحدث، أنت ما زلت هنا، القهوة ما زالت بطعمها نفسه، الحياة لم تتوقف، الحياة مستمرة.
في هذا الإصرار الغريب للحياة على الاستمرار، يفتح أمامك باب جديد لم يكن موجوداً حين كان كل شيء ثابتاُ ومخنقاً.
البدء من العدم مخيف، لكنه أيضاً فرصة لبناء ما تريده، حين ينهار القديم، وظيفة، خطة، أو هوية تصبح قادراً على طرح أسئلة جديدة.
ليس كيف أصلح هذا؟، وإنما ما الذي أريد بناءه حقا، كيف أعود إلى ما كنت عليه؟ بل ماذا لو كان ما كنت عليه هو المشكلة.
ثمة أحداث تمنحك إذناً لتتخيل من جديد، لتجرب ما كان يبدو جنوناً وأنت في منطقة الأمان، تذكر جيدا الماء لا يصبح بخاراُ إلا عند 100 درجة، ليس عند 99، ولا حتى عند 99.9، لحظة واحدة ويتحول تماماً.
نحن هكذا أيضا، نقاوم طويلًا ثم فجأة نتغير، لحظة واحدة كنت تسيطر على كل شيء، ولحظة أخرى لم تعد قادراّ، وهناك يبدأ التحول.
حينها يتغير الشخص الذي عاش دائماُ في منطقة الأمان، يبدأ مشروعاً غريباًٍ، ويتعلم من عاش لإرضاء الآخرين أن يقول "لا"، ويكسر الإلتزام القواعد خطوطها.
الانهيار لا ينهي الأشياء فقط، وإنما تتضح الحقيقة تمام الوضوح، وحين لا يبقى أحد لترضيه، جيد أنك على وشك أن تكتشف حقيقتك.
وهذا جيد، اللحظة التي يتوقف فيها "البطل" عن التظاهر، دع كل شيء يسقط، ثم انظر إلى الشظايا من حولك واسأل نفسك ما الذي أريد أن أبنيه حقاً؟، قد تفاجئك الإجابة وغالباً ستفعل.
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات