العرود يكتب: نعم عطوفة مدير المخابرات العامة المحترم [رضعنا حب الوطن]

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 19709
العرود يكتب: نعم عطوفة مدير المخابرات العامة المحترم [رضعنا حب الوطن]
المتصرف السابق د. صالح العرود

المتصرف السابق د. صالح العرود

منذ أن سمعت عطوفتكم في عزاء ضحايا حادث السير الأليم الذي راح ضحيته ثلة من أبناء القوات المسلحة، تتحدثون عن الوطن والقيادة والعشيرة الأردنية، وتقولون: «رضعنا حب الوطن رضاعة »، وأنا أستعيد في ذاكرتي صورة والدي.
لم تكن عبارتك جديدة عليّ، ولا على أبناء العسكر، لكنها أعادت إليّ واليهم تفسير أشياء كثيرة عشتها وعاشها جيلي ونحن أطفال، أشياء لم نكن في ذلك العمر ندرك معناها، لكننا كنا نعيشها ونشعر بها.
والدي الذي ما زال بيننا، أطال الله في عمره، وهو عسكري بسيط لم يتجاوز في رتبته رتبة وكيل. لم يكن صاحب رتبة عالية، ولا صاحب ثقافة واسعة، لكنه كان يحمل في داخله شيئًا أكبر من الرتبة والموقع؛ كان يحمل إيمانًا بأن خدمة الوطن شرف، وأن الزي العسكري أمانة، وأن الأردن ليس مجرد مكان نعيش فيه، وإنما وطن ننتمي إليه وندافع عنه.
وعندما كان يعود إلى البيت في إجازته، كان يدخل علينا بزيه العسكري، فنفرح به ونلتف حوله. كان يعطي أحدنا البُرية، والآخر القايش، وكنا نتسابق على الجرزة والبسطار، وكل واحد منا يريد أن يكون مثله.
وكان يقول لنا: «هذه شرف».
في ذلك العمر لم نكن نفهم المعنى الكامل لهذه الكلمة، لكننا كنا نرى معناها في سلوكه، ونشعر به في طريقته في الحديث عن الجيش والوطن.
واليوم، وأنا أسمع عطوفتكم تقولون: «رضعنا حب الوطن»، أدركت أن والدي كان يمارس معنا، بطريقة بسيطة وعفوية، المعنى نفسه الذي تحدثتم عنه من موقعكم ومسؤوليتكم؛ كان يربي أبناءه على حب الوطن، وعلى احترام المؤسسة، وعلى أن الرتبة ليست امتيازًا، وإنما مسؤولية، وأن الزي العسكري ليس مظهرًا، وإنما شرف وأمانة.
كان يتحدث بلغته البسيطة، وبقدر ثقافته وتجربته، لكنه كان يزرع فينا معنى عميقًا. وكان يقول لنا في تلك السنوات الصعبة إن الوطن، إذا لم نحمه ونحافظ عليه، سيتحول إلى أرض تتقاذفها الرياح من كل صوب وجانب.
لم أفهم وقتها كل ما كان يقوله، لكنني أفهمه اليوم بصورة مختلفة.
فحين أسمع عطوفتكم تتحدثون عن الوطن والمسؤولية والانتماء، أكتشف أن ما قاله والدي لنا ونحن أطفال، وما تقولونه اليوم من موقعكم، يلتقيان في معنى واحد؛ فالأول كان يزرع في أبنائه ما آمن به، والثاني يحمل من موقعه مسؤولية حماية ما تربت عليه أجيال من أبناء هذا الوطن.
وهنا أدركت أن هناك مدرسة جمعت بينكما، رغم اختلاف الرتبة والموقع والثقافة والمسؤولية؛ إنها المدرسة العسكرية، والمدرسة الهاشمية التي قامت على حب الوطن والانتماء إليه والولاء للدولة وتحمل المسؤولية واحترام مؤسساتها.
قد يتخرج من هذه المدرسة جندي، أو وكيل، أو ضابط، أو قائد جهاز، وقد تختلف المواقع وتتباين المسؤوليات، لكن الأصل يبقى واحدًا: أن خدمة الأردن شرف، وأن أمنه واستقراره مسؤولية، وأن مؤسساته الوطنية ليست ملكًا لأحد، وإنما هي جزء من الدولة التي نحتمي بها ونحميها.
ولهذا، عندما تحدثتم عن «رضعنا حب الوطن»، لم أشعر أنكم تتحدثون عن جيل بعيد عني؛ لقد رأيت هذا الجيل في والدي.
رأيت كيف يمكن لعسكري بسيط، لم يتجاوز رتبة وكيل، أن يحمل هذه القيم ويزرعها في أبنائه، وأن ينقلها بسلوكه قبل كلامه إلى كل من عاش معه وعمل إلى جانبه.
ولهذا بقيت عبارتك في ذاكرتي؛ لأنني، ببساطة، كنت قد رأيت معناها في بيتنا قبل أن أسمعها من عطوفتكم.
بينكما سنوات طويلة، وفارق في الرتبة والموقع والاطلاع والمسؤولية، لكنني وجدت بينكما معنى واحدًا:
والدي علّمنا أن الزي العسكري شرف، وعطوفتكم تتحدثون عن جيل تعلّم أن خدمة الوطن شرف.
والدي ربّى أبناءه على أن الأردن مسؤولية، وعطوفتكم تتحدثون من موقعكم عن مسؤولية حماية الدولة ومؤسساتها.
ومن هنا أدركت أن السلوك الذي رأيته في والدي، والكلمة التي سمعتها من عطوفتكم، ينتميان إلى مدرسة واحدة؛ مدرسة لا تكتفي بأن تقول للإنسان «أحب وطنك»، وإنما تربيه على أن يكون حب الوطن سلوكًا ومسؤولية وقدوة ووفاءً.
وفي النهاية، أقولها بكل يقين: هذا وطن فيه أمثالكم، وفيه آباءٌ ربّوا أبناءهم على حب الأردن، وفيه جيلٌ تربّى في مدرسة الهاشميين التي زرعها فينا آباؤنا، وتعلّم منها أن الوطن أمانة، وأن خدمته شرف، وأن الوفاء له عهد ومسيرة.
وما زرعه الآباء فينا لن يضيع؛ سنَبقى أوفياء للأردن، أوفياء لقيادته الهاشمية، أوفياء لكل من حمل أمانة خدمته وحماية أمنه واستقراره.
ستبقى أبوابنا مشرعة لهذا الوطن، وقلوبنا مفتوحة له، لا خوف ولا وجل علينا، ما دمنا نعرف من نحن، ونعرف وطننا، ونعرف قيمة ما تربينا عليه.
حفظ الله عطوفتكم، وحفظ والدي وأطال في عمره، وحفظ كل أبناء هذا الوطن، وبقي الأردن شامخًا بقيادته الهاشمية، عزيزًا آمنًا مطمئنًا، ما دام فيه آباء يزرعون، وأبناء يحملون الأمانة، وجيلٌ يعرف أن حب الوطن ليس كلمة تُقال، وإنما عهدٌ لا يُنقض...
د.صالح العرود متصرف سابق
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم