الروبل الرقمي .. روسيا تعيد رسم خريطة السلطة المالية داخليا وخارجيا

منذ 37 دقيقة
المشاهدات : 8791
الروبل الرقمي ..  روسيا تعيد رسم خريطة السلطة المالية داخليا وخارجيا

سرايا - بدأ في 1 سبتمبر 2026، التطبيق الواسع للروبل الرقمي، وهو الشكل الثالث للعملة الروسية إلى جانب النقد التقليدي والأموال المصرفية غير النقدية.

ويأتي هذا التوسع في سياق اتجاه عالمي أوسع نحو العملات الرقمية للبنوك المركزية، تشارك فيه عشرات الدول بدرجات متفاوتة، فيما تكتسب التجربة الروسية بعدا إضافيا مرتبطا بالعقوبات الغربية وتقييد وصول عدد من البنوك الروسية إلى منظومة "سويفت". ويؤكد بنك روسيا أن الانتقال إلى العملة الرقمية لن يكون إلزاميا للمواطنين، وأن النقد والحسابات المصرفية التقليدية ستستمر، بينما يشكل الروبل الرقمي خياراً إضافياً للدفع والتحويل.

آلية العمل والدوافع

الروبل الرقمي ليس عملة مشفرة، بل وحدة نقدية رسمية يصدرها بنك روسيا ويضمنها، وتحفظ في محافظ إلكترونية على منصة تابعة مباشرة للبنك المركزي. ويعمل النظام وفق نموذج من مستويين: يحتفظ بنك روسيا بالمنصة المركزية والمحافظ الرقمية، بينما تبقى البنوك التجارية واجهة للمستخدمين ووسطاء للوصول إلى المنصة عبر تطبيقاتها الإلكترونية.

ووفق التصور الرسمي، يتيح المشروع مدفوعات وتحويلات منخفضة التكلفة، إذ يفترض أن تكون التحويلات بالروبل الرقمي مجانية للأفراد، بينما تبلغ العمولة عند دفع ثمن السلع والخدمات للشركات 0.3% بحد أقصى 1500 روبل، وفي خدمات الإسكان والمرافق 0.2% بحد أقصى عشرة روبلات.

اعتراض البنوك التجارية

تعامل جزء من القطاع المصرفي الروسي بحذر مع المشروع منذ مراحله الأولى، إذ يعني انتشار الروبل الرقمي انتقال جزء من حركة الأموال إلى محافظ يديرها البنك المركزي، ما قد يقلص إيرادات البنوك التجارية من العمولات ويضعف قدرتها على الاحتفاظ بجزء من أموال العملاء داخل ميزانياتها. وتتجاوز إيرادات العمولات المصرفية في روسيا تريليوني روبل سنويا، ويمثل صافي دخل العمولات أكثر بقليل من 20% من صافي أرباح القطاع المصرفي قبل النفقات التشغيلية.

وكان رئيس "سبير" غيرمان غريف من أبرز المنتقدين، معتبرا أن الأموال الروسية أصبحت رقمية بالفعل من خلال الحسابات والمدفوعات غير النقدية، وأن الروبل الرقمي لا يقدم تحولا اقتصاديا جوهريا بالمعنى الذي تطرحه السلطات، مشيرا إلى محدودية نجاح العملات الرقمية الوطنية في الدول التي تمتلك أنظمة مصرفية ومدفوعات متطورة. ورغم هذا الموقف، التزم "سبير" بمتطلبات البنك المركزي وبدأ إتاحة فتح محافظ الروبل الرقمي بالتزامن مع توسيع البرنامج.

الرقابة المالية وتتبع الأموال

يحمل الروبل الرقمي رمزا رقميا يسمح بتتبع وجهة الأموال وطريقة استخدامها بدرجة أكبر من النقود التقليدية أو الأموال في الحسابات المصرفية العادية. ويرى البنك المركزي أهمية خاصة لهذه الخاصية في أموال الموازنة والعقود الحكومية، حيث يمكن تتبع الأموال المخصصة لمشروع معين ومنع تحويلها إلى جهات وسيطة غير مصرح بها، كما يمكن دمج الروبل الرقمي مع المنصات الحكومية لتحويل الدعم والإعانات مباشرة إلى المستفيدين دون المرور بالضرورة بالسلسلة المصرفية التقليدية.

في المقابل، تعد هذه القدرة على التتبع من أكثر جوانب المشروع إثارة للتحفظ لدى قطاع الأعمال، لأنها تزيد من شفافية التدفقات المالية وتحد من إمكانية استخدام الأموال بعيداً عن الغرض المخصص لها.

الأموال القابلة للبرمجة والعقود الذكية

يتيح النموذج الرقمي استخدام العقود الذكية، وهي تعليمات برمجية تنفذ المعاملة تلقائيا عند تحقق شروط محددة، كتحويل مبلغ إلى طرف معين بعد تنفيذ التزام تعاقدي دون الحاجة إلى وسطاء تقليديين. ويمكن استخدام هذه التكنولوجيا في صفقات العقارات، وحسابات الضمان، وبرامج الرهن العقاري المدعوم، والتعويضات الآلية عن تأخر الرحلات، إضافة إلى تحويلات مخصصة لغرض محدد، كأن يحول الآباء أموالاً لأبنائهم مع تحديد الفئات المسموح إنفاقها فيها.

البعد الدولي: تجربة الصين نموذجا

المشروع الروسي جزء من اتجاه دولي أوسع، إذ تختبر عشرات البنوك المركزية أشكالا مختلفة من العملات الوطنية الرقمية. وتعد الصين من أكثر الدول تقدما في هذا المجال عبر اليوان الرقمي"e-CNY" ، الذي يقوم، كالنموذج الروسي، على نظام من مستويين، ولا تدفع فائدة على الأموال في المحافظ الرقمية حتى لا تتحول إلى منافس مباشر للودائع المصرفية.

ورغم ذلك، لم يتحول اليوان الرقمي إلى وسيلة الدفع المهيمنة في الصين، واضطرت السلطات إلى دعم انتشاره عبر استخدامات حكومية مباشرة كدفع رواتب بعض الموظفين والإعانات وتحصيل الضرائب ورسوم النقل العام، إلى جانب حملات تشجيع وحوافز مالية. وتوضح هذه التجربة أن البنية التقنية وحدها لا تكفي لفرض استخدام العملة الرقمية، وأن اكتساب ثقة المستخدمين وتغيير عادات الدفع يحتاجان إلى وقت.

دوافع البنوك المركزية عالميا

يرتبط التوسع العالمي في مشاريع العملات الرقمية بمخاوف البنوك المركزية من نمو العملات المشفرة الخاصة، إذ يمكن لانتشار أدوات نقدية لا تخضع لسيطرة الدولة أن يضعف قدرة البنوك المركزية على التحكم بالإصدار النقدي وتنظيم نظام المدفوعات. ومن هذا المنظور، تمثل العملة الرقمية للبنك المركزي محاولة للحفاظ على السيادة النقدية، مع ضمان بقاء النقود الرقمية الجديدة قابلة للتحويل إلى النقد والأموال المصرفية التقليدية بالقيمة نفسها.

التسويات العابرة للحدود والعقوبات

يبرز البعد الخارجي كأحد أهم الاستخدامات الاستراتيجية المحتملة للروبل الرقمي، إذ تعتمد التسويات العابرة للحدود التقليدية على شبكة واسعة من البنوك المراسلة وأنظمة الرسائل المالية والوسطاء، ما يزيد التكلفة والوقت اللازمين للمدفوعات. وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية بالنسبة إلى روسيا بعد تقييد وصول عدد من بنوكها إلى منظومة "سويفت" وقنوات التسويات الغربية الأخرى.

لكن من المهم الانتباه إلى أن الروبل الرقمي ليس أداة قادرة آلياً على إلغاء أثر العقوبات، إذ تستخدم الدول المختلفة بنى تقنية ومعايير وبروتوكولات غير متطابقة تتطلب اتفاقات سياسية وتقنية قبل ربط الأنظمة. كما فرض الاتحاد الأوروبي في أبريل 2026 قيوداً على المشاركة المباشرة وغير المباشرة في المعاملات بالروبل الرقمي، في وقت يعمل فيه بنك روسيا على إنشاء مجموعات عمل مع دول مهتمة بدراسة الربط بين عملاتها الرقمية الوطنية والنظام الروسي.

الروبل الرقمي ضمن بنية مالية بديلة

يتقاطع المشروع مع مساعٍ روسية أوسع لبناء قنوات تمويل وتسوية أقل اعتماداً على المؤسسات المالية الغربية، إذ يرتبط مستقبله بمشروعات مؤسسات مالية في إطار منظمة شنغهاي للتعاون و"بريكس"، وبفكرة إنشاء بنية مالية قادرة على تمويل التجارة والمشروعات المشتركة بين الدول المشاركة خارج القنوات التقليدية الخاضعة للنفوذ الغربي. ولا يعني ذلك أن الروبل الرقمي سيحل سريعاً محل الدولار أو أنظمة التسوية الدولية القائمة، بل تكمن أهميته العملية في إمكانية استخدامه ضمن شبكة جديدة للمدفوعات الثنائية والمتعددة الأطراف.

خلاصة

الفارق الجوهري الذي يحمله الروبل الرقمي هو نقل مركز التسوية والمحفظة من البنك التجاري إلى منصة البنك المركزي، ما يمنح الدولة قدرة أكبر على تتبع الأموال وبرمجتها والتحكم في قنوات استخدامها. وإذا توسع المشروع، فمن المرجح أن تكون نتائجه الأهم في إعادة توزيع جزء من سوق المدفوعات بعيداً عن البنوك التجارية، وزيادة قدرة الدولة على مراقبة أموال الموازنة والتدفقات المالية، وتوفير بنية تقنية يمكن استخدامها مستقبلاً في التسويات العابرة للحدود.

في المقابل، تواجه المنظومة تحديات مرتبطة بقبول المستخدمين، ومخاوف الشركات والبنوك من اتساع الرقابة وتراجع الإيرادات، والصعوبات التقنية في مرحلة التطبيق، إضافة إلى الحاجة إلى اتفاقات دولية قبل تحويل الروبل الرقمي إلى أداة فعالة في التجارة الخارجية. وقد يستغرق اكتمال هذه العملية سنوات، إلا أن نجاحها يمكن أن يغير العلاقة بين البنك المركزي والبنوك التجارية والمواطنين، ويمنح موسكو أداة إضافية ضمن جهودها لبناء منظومة مالية أكثر استقلالاً عن القنوات الغربية.

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم