المعلمون بين هيبة الدولة وحق النقابة
لنضع المسألة في إطارها الصحيح: الخلاف بين نقابة مهنية والحكومة ليس، في الأصل، خلافاً بين الدولة وخصومها. فالنقابة وجدت لتمثيل منتسبيها والدفاع عن مصالحهم والتفاوض بشأن حقوقهم، ومن الطبيعي أن تختلف مع الحكومة عندما ترى أن قراراً ما يمس هذه الحقوق.
نقابة المعلمين لم تُنشأ لتكون جهة تابعة لوزارة التربية، كما أنها ليست مؤسسة فوق القانون. فإذا ارتكب أحد أعضائها مخالفة، يتحمل مسؤوليتها وفق القانون، وإذا أخطأ مجلسها، يخضع للمساءلة، وإذا نشأ نزاع حول مشروعية أي قرار، يبقى القضاء هو المرجع.
المشكلة تبدأ عندما لا يعود النقاش متعلقاً بمخالفة محددة، بل يمتد أثره إلى المؤسسة النقابية نفسها. وعندها يصبح معيار التناسب مهماً؛ فمحاسبة من تثبت مسؤوليته لا تستلزم بالضرورة إضعاف مؤسسة تمثل قطاعاً مهنياً واسعاً.
المطالبة بحقوق المعلمين، بما فيها العلاوة التي كانت محور الخلاف، ليست مخالفة في حد ذاتها. والاحتجاج النقابي لا يصبح مخالفاً للقانون لمجرد ممارسته، وإنما تخضع وسائله وحدوده للقواعد القانونية النافذة. وفي المقابل، لا تمنح الصفة النقابية حصانة من المساءلة إذا ثبت وقوع مخالفة.
هذه المعادلة ينبغي أن تحكم العلاقة بين الطرفين.
فالنقابة ليست مطالبة بأن توافق الحكومة في كل موقف، ولا الحكومة مطالبة بقبول كل ما تطرحه النقابة. المطلوب أن يبقى الخلاف داخل المؤسسات والقواعد القانونية، وأن تكون المسؤولية محددة بمن ارتكب الفعل محل المساءلة، وألا تمتد آثار الخلاف إلى تعطيل حق المعلمين في التمثيل المهني.
والنقابة الفاعلة هي التي تستطيع التفاوض والضغط والاحتجاج، وتعرف في الوقت نفسه حدود صلاحياتها ومسؤولياتها. وإذا وقع تجاوز للقانون، تجب معالجته وفق الإجراءات القانونية وبما يتناسب مع الفعل والمسؤولية عنه، من دون الخلط بين مساءلة الأشخاص وحماية الحق في التنظيم والتمثيل المهني.
كما أن الحكومة ليست مطالبة بأن تتعامل مع النقابة باعتبارها جهة معارضة سياسية. فالنقابة جسم مهني له وظيفة محددة، ويمكن أن تختلف مع السلطة التنفيذية في الأجور والحقوق والقرارات التي تمس منتسبيها، من دون أن يتحول ذلك إلى نزاع على شرعية الدولة.
ومن هنا تأتي أهمية حكم المحكمة الدستورية الصادر في عام 2025 بعدم دستورية قانون نقابة المعلمين الأردنيين رقم 14 لسنة 2011 وتعديلاته برمته، واعتباره باطلاً من تاريخ صدور الحكم. فهذا الحكم غيّر الإطار القانوني الذي كانت تستند إليه النقابة، ويجعل أي حديث عن مستقبلها مرتبطاً بضرورة وجود أساس تشريعي دستوري واضح.
ولا يعني الحكم الدستوري، بذاته، أن جميع مواقف قيادة النقابة السابقة كانت صحيحة، كما لا يصح استخدامه للحكم مسبقاً على صحة أو بطلان كل إجراء أو حكم صدر في مراحل سابقة. لكل قضية نطاقها القانوني وأحكامها وإجراءاتها.
لكن الحكم يفرض إعادة النظر في العلاقة بين الدولة والمؤسسات المهنية، وفي الكيفية التي يمكن من خلالها ضمان حق المعلمين في التمثيل، مع وجود قواعد واضحة للمساءلة والرقابة.
في دولة القانون، يمكن محاسبة النقابي من دون إلغاء العمل النقابي، ويمكن للحكومة أن ترفض مطالب النقابة من دون اعتبارها خصماً، ويمكن للنقابة أن تعترض من دون أن تتحول إلى سلطة موازية.
الدولة لا تحتاج إلى نقابة مطيعة حتى تثبت قوتها، والنقابة لا تحتاج إلى تجاوز القانون حتى تثبت استقلالها. قوة الدولة في تطبيق القانون على الجميع، وقوة النقابة في تمثيل منتسبيها ضمن القانون.
أما إذا أصبح الخلاف المهني سبباً لإضعاف التمثيل النقابي، فإن المسألة تتجاوز الأشخاص الذين كانوا في مجلس النقابة آنذاك، وتمس طبيعة العلاقة بين الدولة والمؤسسات المهنية.
الأردن يحتاج إلى تمثيل مهني فاعل للمعلمين، وإلى إطار قانوني واضح يضمن هذا التمثيل ويحفظ في الوقت نفسه مقتضيات الدستور وسيادة القانون. وهذا لا يتحقق بإعادة إنتاج الخلاف السابق، بل بوضع إطار تشريعي سليم يحدد صلاحيات المؤسسة النقابية وواجباتها، ويضمن استقلالها المهني، ويضع آليات واضحة للمساءلة.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس مجرد إعادة فتح مؤسسة استند وجودها إلى قانون قضت المحكمة الدستورية بعدم دستوريته، وإنما إعادة بناء الإطار القانوني الذي يكفل للمعلمين حقهم في التمثيل النقابي، من خلال تشريع جديد ومتوافق مع الدستور، يضمن استقلال النقابة ويمنع في الوقت نفسه تكرار مواطن الخلل التي قادت إلى الأزمة السابقة.
إعادة تنظيم العمل النقابي للمعلمين ليست انتصاراً لطرف على آخر، بل استكمال لمبدأ أساسي في دولة القانون: أن يكون للمعلمين صوت مهني يمثلهم، وأن تعمل هذه المؤسسة ضمن قانون واضح ودستوري، وأن تكون المساءلة على الأفعال المخالفة لا على مجرد ممارسة الحق في الاختلاف.
المطلوب في النهاية ليس نقابة بلا ضوابط، ولا سلطة بلا رقابة؛ بل نقابة قوية بالقانون، ودولة قوية بالقانون.
شيرين قسوس تكتب: حق المعلمين في التمثيل .. وقوة الدولة بالقانون!
منذ 32 دقيقة
المشاهدات :
6480
شيرين قسوس
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
03
04
05
حديث المدينة
شركات تأجير السيارات السياحية تشتكي من ارتفاع أسعار التأمين وتطالب بالسماح بالتأمين ضد الغير
منذ 6 أيام
آخر الأخبار
كُتاب سرايا
ناجح عبدالفتاح الصوالحة يكتب: مدير المخابرات العامة يعمق قوتنا
منذ 4 دقائق
كُتاب سرايا
الشيخ حمزة الخطاطبة يكتب: لإبطالِ دعوى قيادة المرأة للجاهات العشائرية (نقولُ بتوزيعِ الأدوارِ لا بإلغاءِ الكرامة )
منذ 23 دقيقة
كُتاب سرايا
الدكتور علي فواز العدوان يكتب: الفيزياء الجديدة للقوة
منذ 32 دقيقة
كُتاب سرايا
المجذوب يكتب: في حضرة الواجب… كلمة اللواء أحمد حسني حاتوقاي تختصر معنى الوفاء
منذ 41 دقيقة
أخبار فنية
فن
إليسا بفستان أسود مرصع ومكشوف .. رقصتها العفوية تشعل أجواء حفل زفاف خاص
منذ 13 دقيقة
فن
بعد عرض أولى حلقاته .. مسلسل الهدف يكشف اسراراً عن اختباء رئيس العراق
منذ 6 ساعات
فن
نبيلة عبيد: أنا تحت أمر التلفزيون المصرى في أي وقت
منذ 7 ساعات
فن
بعد غياب استمر 6 سنوات .. سيلين ديون تحيي أول حفل لها في باريس
منذ 7 ساعات
فن
بعد توصيل نجلها .. جوري بكر تكشف تفاصيل نجاتها من حادث سير
منذ 10 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
بعد 5 جولات .. فالنسيا يقيل مدربه ومديره التنفيذي
منذ 6 دقائق
رياضة
رومانيا تعتمد (البطاقة السوداء) في ملاعب كرة القدم .. ما قصتها ؟
منذ 21 دقيقة
رياضة
جمال عبد الحميد: إدوارد ليس مسئولا عن تمرد بيزيرا .. ومعتمد جمال أفضل من مدرب أجنبى
منذ 6 ساعات
رياضة
أكبر صفقة في تاريخ الزمالك .. تقرير يكشف قيمة صفقة بيع خوان بيزيرا!
منذ 7 ساعات
رياضة
سباق الأعلى أجرا في إنستغرام .. رونالدو يهزم ميسي
منذ 8 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
إيبولا يصبح "أسوأ وباء" مسجل على الإطلاق
منذ 41 دقيقة
منوعات من العالم
قلق الصباح .. ما أسبابه وكيف تتعامل معه؟
منذ 42 دقيقة
منوعات من العالم
الحكومة أعلنت وفاتها .. أمريكية تسعى لإثبات أنها على قيد الحياة
منذ 44 دقيقة
منوعات من العالم
ليست غافلة لكنها تتجاهل .. القطط تميز الأسماء ومحادثات البشر
منذ 45 دقيقة
منوعات من العالم
مصر .. هل يهرب مرتكب "مذبحة التجمع" من حبل المشنقة بتقرير نفسي؟
منذ 7 ساعات
الرجاء الانتظار ...
التعليقات