الدكتور علي الصلاحين يكتب: حين لا تعود الطيبة كافية

منذ 38 دقيقة
المشاهدات : 6003
الدكتور علي الصلاحين يكتب: حين لا تعود الطيبة كافية
الدكتور علي الصلاحين

الدكتور علي الصلاحين

حين لا تعود الطيبة كافية الدكتور علي الصلاحين كنتُ أظن أن اللطف يُقابَل باللطف، وأن حسن النيّة يوقظ في الآخرين شيئًا من حسن النيّة، وأن من يزرع الودّ لا بد أن يجد في الطريق من يبادله الودّ. كنت أظن أن الصدق، مهما تأخر، لا بد أن يجد صدقًا يشبهه. لكن الحياة، وهي المعلم الذي لا يشرح دروسه إلا بعد أن ندفع ثمنها، علّمتني أن الناس لا يعاملوننا دائمًا بما نقدمه لهم، وإنما بما تختزنه نفوسهم. قد تمنح أحدهم احترامك، فيردّه إليك جفاءً، وتمنحه ثقتك، فيردّها خذلانًا، وتفتح له قلبك، فيبحث عن موضع يؤلمك. وقد تبالغ في مراعاة مشاعره، ثم تكتشف أنه لم يكن يراعي مشاعرك أصلًا. وحينها لا تكون الصدمة في الفعل وحده، بل في سقوط الصورة التي رسمتها لهذا الإنسان في داخلك. ولعل أصعب ما في الخيبة أن الإنسان لا يخسر الآخر فقط، بل يخسر شيئًا من الصورة التي كان يثق بها عن الحياة والناس. يبدأ السؤال: هل كنت مخطئًا حين أحسنت؟ هل كان صدقي سذاجة؟ وهل كان تسامحي ضعفًا؟ لكن النضج يأتي حين ندرك أن حسن الخلق لا يحتاج إلى أن يتحول إلى سذاجة، وأن القلب النقي لا يعفي صاحبه من ضرورة الوعي. فالإنسان يستطيع أن يبقى كما هو في جوهره، مع أن يتعلم من تجاربه كيف يختار، ومتى يثق، وأين يضع حدوده. والخيبات المتكررة لا تمرّ من الإنسان دون أثر. فالذي يتعرض للأذى مرارًا قد يصبح أكثر يقظة للإشارات التي تسبق الخطر، وأكثر حساسية تجاه ما يهدد أمنه النفسي، بينما يبذل جهدًا أكبر في ضبط انفعالاته وتحليل المواقف. ولهذا قد نجد أنفسنا، بعد بعض التجارب، نقرأ التفاصيل الصغيرة التي كنا نتجاوزها، ونزن الكلمات بالأفعال، ولا نمنح الثقة بالسرعة نفسها التي كنا نفعلها من قبل. وهذا التغير ليس بالضرورة قسوة؛ فقد يكون محاولة طبيعية من النفس لحماية ذاتها مما سبق أن آلمها. المهم ألا تتحول الحماية إلى جدار يعزلنا عن الحياة. فليس كل شخص امتدادًا لمن خذلنا، وليس من العدل أن نحاكم القلوب الجديدة بأخطاء القلوب القديمة. التجربة ينبغي أن تزيدنا بصيرة، لا أن تجعلنا أسرى للشك. ومع الوقت، نتعلم أن العلاقات لا تُقاس بكثرة الكلام، وإنما بما يحدث حين تأتي المواقف. هناك تظهر قيمة الاحترام، ويُختبر الوفاء، وتتضح حقيقة المشاعر. قد تكون الكلمات جميلة، لكن المواقف وحدها تملك القدرة على منحها معناها الحقيقي. ومن الحكمة أيضًا أن نتوقف عن تفسير كل شيء نيابةً عن الآخرين. لا ينبغي أن نقضي أعمارنا في اختراع الأعذار لمن يكرر الخطأ، أو البحث عن تفسير لكل تجاهل وجفاء. بعض التصرفات حين تتكرر تصبح رسالة واضحة، ولا تحتاج إلى مزيد من التأويل. وحين يصبح القرب مصدرًا دائمًا للتعب، يصبح الابتعاد خيارًا مشروعًا، بل ضروريًا أحيانًا. ليس لأننا نكره من ابتعدنا عنه، ولا لأننا نريد معاقبته، وإنما لأن الإنسان يحتاج في مرحلة ما إلى أن يختار سلامه الداخلي. يمكن أن تسامح شخصًا دون أن تعيده إلى المكان نفسه في حياتك. ويمكن أن تتمنى له الخير دون أن تمنحه القدرة على إيذائك مرة أخرى. فالمسامحة لا تعني بالضرورة استعادة الثقة، والصفح لا يلغي ما تعلمناه من التجربة. بعض المسافات ليست قطيعة، وإنما ترتيب جديد للأولويات. وبعض الصمت ليس عجزًا عن الرد، وإنما اكتفاءٌ من الشرح. وبعض الأبواب تُغلق لا غضبًا، بل لأن البقاء خلفها لم يعد يشبهنا. وفي مرحلة ما من العمر، لا تعود تبحث عن كثرة العلاقات، بل عن صدقها. لا تحتاج إلى أن يحبك الجميع، ولا إلى أن تشرح نفسك لكل أحد. يكفي أن تكون مطمئنًا إلى من تمنحه قربك، وأن تعرف قيمتك حين لا تجد التقدير، وأن تمتلك الشجاعة الكافية للمغادرة حين يصبح وجودك في مكان ما انتقاصًا من سلامك. ولا ينبغي أن نندم على خير قدمناه بصدق؛ فما يصدر منا يعبّر عن أخلاقنا نحن، لا عن طريقة الآخرين في التعامل معه. لكن التجربة تمنحنا شيئًا أثمن من الندم: تمنحنا القدرة على التمييز بين من يستحق القرب ومن يستحق المسافة، وبين من يختلف معنا ومن يؤذينا، وبين خطأ عابر ونمط متكرر. الحياة لا تطلب منا أن نفقد قلوبنا حتى ننجو، وإنما أن نستخدم عقولنا ونحن نحملها. وحين نصل إلى هذه المرحلة، نفهم أن بعض الأشخاص كانوا فصلًا في حياتنا لا الكتاب كله، وأن بعض العلاقات جاءت لتترك أثرًا أو درسًا ثم تمضي. فلا حاجة إلى مطاردة ما انتهى، ولا إلى إعادة فتح أبواب أثبتت التجربة أنها لا تقود إلا إلى المكان نفسه. في النهاية، ليست القوة في أن تصبح أقل شعورًا، ولا الحكمة في أن تفقد ثقتك بالجميع، وإنما في أن تعرف كيف تحافظ على إنسانيتك دون أن تسمح لأحد باستنزافها. فلا تجعل الخيبات تغيّر جوهرك؛ دعها تغيّر بصيرتك فقط. تعلّم، وراقب، واختر بعناية، وحين يصبح الابتعاد أرحم من البقاء، ارحل بهدوء. ليس كل رحيل خسارة، وليس كل بقاء وفاءً؛ أحيانًا يكون الرحيل هو الطريقة التي تستعيد بها نفسك، وتترك خلفك ما يؤلمك، وتمضي بقلبٍ أخفّ وعقلٍ أكثر وعيًا وسلامٍ لا يحتاج إلى تبرير.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم